Home page

إيران في دير الزور: الاستراتيجية والتمدّد وفرص التغلغل

  • الكاتب: زياد عواد
  • التاريخ: الإثنين, 07 تشرين الأوَّل 2019
  • تحرير: مايا صوّان

تحميل الملف pdf

 

ملخّص تنفيذي

منذ أواخر العام ٢٠١٧، انتشرت ميليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني في منطقة غرب الفرات وجزءٍ من شرقه، في محافظة دير الزور التي كانت سابقاً تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وخلال عامَين من وجودها هناك، نجحت هذه الميليشيات بأنواعها المختلفة، أجنبية وسورية ومحلية، في تطويع الآلاف من الشبّان المحليين في صفوفها، ما حقّق للحرس الثوري اتصالاً مهماً بالمجتمعات المحلية. وتحاول إيران التقرّب من السكان واكتساب الشرعية منهم، عبر أنشطتها وأعمالها المدنية الخيرية الإنسانية، التي اعتمدت فيها بشكل رئيسي على المركز الثقافي الإيراني، ومنظمة جهاد البناء.

في الوقت نفسه، نجحت إيران في بناء علاقات وعقد صداقات مهمّة مع محافظ دير الزور، وقادةٍ في أجهزة مخابرات النظام، ومسؤولين نافذين آخرين في حلقة الحكم العليا في المحافظة. كذلك نجحت، خصوصاً عبر المركز الثقافي الإيراني، في ضمّ شخصيات محلية من النخب الاقتصادية، والاجتماعية، والوظيفية، والدينية الرسمية، إلى شبكاتها المتنوّعة قيد التشكّل، والممتدّة بين دير الزور والعاصمة دمشق، حيث تنشط مؤسساتٌ إيرانيةٌ أخرى. ونتيجة حالة الضعف والتفكّك والإنهاك التي تعاني منها المجتمعات المحلية جرّاء الحرب الطويلة في المحافظة، يُتاح لإيران التمدّد في نسيج هذه المجتمعات، التي فقدت قدرتها على رفض الدور الإيراني، وإن كان يثير الحساسيات في الجانب الديني خصوصاً.

لكن على الرغم من القوة التي تتمتّع بها إيران في محافظة دير الزور، والفرص الكبيرة المتاحة أمامها، لا تزال عوائق كبرى وجذرية تقف في طريقها، وأهمّها التباين المذهبي مع أكثريةٍ سنّيةٍ ساحقةٍ تريد الحفاظ على عقيدتها، بتأثير النظرة السنّية السائدة والمتوارثة عن التشيّع بأنه انحرافٌ عن الإسلام الأصلي. هذه النظرة تغذّيها بحدّةٍ تأثيراتُ السلفية الجهادية مُجسَّدةً بتنظيم داعش، الذي نجح في البقاء كفكرةٍ رافضةٍ وجماعةٍ مقاتلةٍ لا تزال قادرةً على شنّ الهجمات من جيب نفوذها وسط بادية الشام. وتشكّل الهجمات الجوية الإسرائيلية المتصاعدة على مواقع الحرس الثوري في المحافظة، ووجود القوات الأميركية في شرق الفرات، تهديداً آخر للدور الإيراني، فيما يبرز عائق رئيسي آخر، يتمثل في العقوبات الاقتصادية الأميركية المشدّدة على إيران، والتي أسفرت عن تراجع حركة التجنيد، وخفض رواتب العناصر المحليين في صفوف الميليشيات في دير الزور.

 

مقدّمة

بعيد انتصار الثورة التي قادها الإمام الخميني في العام ١٩٧٩، أطلقت إيران، التي صار اسمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دعوات تشيّعٍ في سوريا، مثّلت استئنافاً واسعاً لنشاط شيعيّ بدأ محدوداً في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتركّز في منطقة السيدة زينب النائية حينذاك جنوب دمشق.[1] وعلى غرار مناطق ومحافظاتٍ سوريةٍ أخرى، نشأ أول اتصالٍ لإيران بمحافظة دير الزور إثر انطلاق دعوةٍ شيعيةٍ برعايتها هناك في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي، تركّزت على نحوٍ خاص في بلدة حطلة، وكانت حصيلتها حتى العام ٢٠١١، تشيّع ٤ آلاف شخصٍ تقريباً من أهالي البلدة من أصل ٢٢ ألف نسمة تقريباً من سكان البلدة آنذاك، ومئاتٍ آخرين من قرى متفرّقة.

في صيف العام ٢٠١٧، أطلق نظام بشار الأسد، وحلفاؤه الإيرانيون والروس، عملية عسكرية مشتركة ضدّ داعش في المحافظة، كسرت الحصار الذي فرضه التنظيم، منذ العام ٢٠١٥، على جيب سيطرة النظام في مدينة دير الزور.[2] فكانت الحصيلة النهائية سيطرة النظام وحلفائه على أكثر من نصف المساحة الإدارية للمحافظة، فيما وقع الجزء الباقي منها تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وحلفائها الأميركيين، بعد عملية عسكرية منفصلة انطلقت في الوقت نفسه تقريباً، ولم تنتهِ حتى شباط ٢٠١٩.

بعد عامَين تقريباً على هزيمة داعش العسكرية في محافظة دير الزور، حافظ الحرس الثوري الإيراني على انتشار ميليشيات تابعة له في هذه المحافظة، التي أصبحت الجبهة الأوسع للحرب الباردة بين إيران والولايات المتحدة في سوريا. وقد أضحى موضوع الوجود الإيراني محلّ جدلٍ واسعٍ تختلف فيه الرؤى عن حقيقة هذا الوجود ومعناه، في وقتٍ قلّت فيه الدراساتُ الميدانية حوله، ما يدفع إلى التساؤل عن العوامل المُساهِمة في نجاح الإيرانيين وقوّتهم، وتلك التي تحدّ من هذا النجاح أو تعيقه على المدى المتوسّط والطويل.

تتألّف هذه الورقة من ثلاثة أجزاء، يعرض أوّلُها أشكال الوجود الإيراني، والأعمال العسكرية والمدنية الإيرانية في الجزء الواقع تحت سيطرة النظام في محافظة دير الزور. أما الجزء الثاني فيحلّل العوامل المُساهِمة في قوّة إيران على مستوى السلطة المحلية والمجتمع، في حين يرصد الجزء الثالث التحدّيات التي تواجه الدور الإيراني، وأبرزها التباين الطائفي، ووجود قوى أخرى فاعلةٍ في المحافظة، وانكماش موارد إيران المالية بفعل العقوبات الأميركية المشدّدة.

اعتمد الباحث على أكثر من ٥٠ لقاءً أجراه بمعاونة ٦ مساعدين له يقيمون في محافظتَي دير الزور ودمشق. وقد عُقِدَت هذه اللقاءات، التي تكرّر بعضُها مرّات عدّة، بين شباط وأيلول ٢٠١٩، مع أشخاصٍ مطّلعين على مجريات الأحداث، مقيمين في دير الزور أو نازحين منها، ومع أعضاء ميليشياتٍ تابعةٍ للحرس الثوري الإيراني، وأشخاصٍ آخرين في الطيف الشيعي، إضافةً إلى عناصر في جيش النظام والميليشيات التابعة له. ولدواعٍ أمنيةٍ أغفل الباحث هويّات معظم الأشخاص المُقابَلين، ومكان إقامتهم المُحدَّد. كما اعتمد الباحث على رصدٍ طويلٍ وتتبُّعٍ لكلّ محتوى منشورٍ ذي صلة بموضوع البحث، عبر المصادر المفتوحة في المواقع الإلكترونية لمراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمنتديات، والمدوّنات الشخصية.

 

الجزء الأول: الوجود الإيراني في دير الزور

يقود الحرس الثوري الإيراني في محافظة دير الزور،[3] طيفاً متنوّعاً من الميليشيات التي تعمل على تحقيق أهدافه العسكرية في حماية منطقة نفوذه. وعبر تجنيد شبّان محليين في صفوف هذه الميليشيات، يلبّي الحرس حاجته العددية إلى مزيدٍ من المقاتلين، صانعاً أتباعاً يمكن دمجهم في تشكيلاتٍ محليةٍ أكبر وأصلب عوداً في المستقبل، تُجذّر النفوذ الإيراني في دير الزور، وتُشكّل بديلاً عن الميليشيات الأجنبية. فضلاً عن ذلك، تقدّم الأنشطة والأعمال المدنية التي يضطّلع بها المركز الثقافي الإيراني ومنظمة جهاد البناء على نحوٍ خاص، صورةً ودودةً لإيران تجاه المجتمعات المحلية، تحاول إيران من خلالها اكتساب شرعيةٍ وتقبّلٍ من هذه المجتمعات لأدوارها المختلفة.

خريطة ١- السيطرة العسكرية والنفوذ في محافظة دير الزور

المصدر: الباحث. تصميم: لورا بجنري. ايلول ٢٠١٩

 

ميليشيات الحرس: في الأمس وافدة وغداً متوطّنة

يتجسّد حضور إيران العسكري في محافظة دير الزور في أنواعٍ ثلاثةٍ من الميليشيات التابعة للحرس الثوري: مجموعات أجنبية شُكّلَت في أوقاتٍ مختلفةٍ قبل اندلاع الثورة في العام ٢٠١١ وبعدها؛ وميليشيات سورية يعبّر عنها لواء الباقر، الذي أُنشِئ وفق صورته الحالية في العام ٢٠١٤ في محافظة حلب؛ وميليشيات محلية تأسّست تحضيراً للحملة العسكرية ضدّ داعش في دير الزور، في صيف العام ٢٠١٧.

تتألّف هذه الميليشيات بمعظمها من السكان المحليين، وتخضع جميعها لقيادة خليّةٍ من ضبّاط الحرس الثوري، الذين يعملون عادةً انطلاقاً من مقرّاتٍ قياديةٍ في مدينة دير الزور. يُقدَّر عدد هؤلاء بـ ٢٥ إلى ٣٠ ضابطاً، يترأّسهم قائدٌ أعلى يُعرَف بلقب الحاج علي، ويعاونه ٤ إلى ٥ مساعدين كباراً مختصّين بالتسليح، والإمداد، والتموين، والتجنيد، والمالية. يُضاف إلى هؤلاء قادةٌ من حزب الله اللبناني، الذي يؤدّي مهام مختلفةً في شؤون الإعداد، والتدريب، والقيادة الميدانية أثناء المعارك.

خريطة ٢ - الميليشيات التابعة للحرس الثوري: أسماؤها، وجنسياتها الأصلية، والعدد التقريبي للمنتسبين لها.

المصدر: الباحث.[4] تصميم: لورا بجنري. ايلول ٢٠١٩

 

تشهد اللوحة الجامعة لميليشيات الحرس الثوري، تغييراتٍ تنظيميةً متواصلةً تأتي عادةً بتأثير عاملَين رئيسيَّين: الأول هو البرنامج الخاص الذي وضعه القادة الإيرانيون لحركة التجنيد والهيكلة وإعادة الانتشار لكلّ ميليشيا؛ والثاني هو بنية الميليشيا، وعمرها، ومسار تشكّلها، والوسط الاجتماعي لعناصرها المؤسّسين.

ففي حالة لواء فاطميون الأفغاني، ولواء زينبيون الباكستاني، وكتائب الإمام علي العراقية، يلبّي انتساب شبّان محليين إلى صفوف هذه الميليشيات حاجتها إلى مزيدٍ من المقاتلين، حاجة أملَتْها الأدوار القتالية المهمّة التي تضطّلع بها في مواجهة داعش وسط بادية الشام، وحماية الحدود مع العراق، كما في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية عبر نهر الفرات. وغالب الظنّ أن الحرس الثوري سيدمج المنتسبين المحليين إلى ميليشياتٍ أجنبية، في تشكيلات سورية أو محلية تابعة له، في حال أعاد انتشار هذه الميليشيات، أو تراجعت وظائفُها العسكرية في دير الزور.

وخلافاً لظاهرة الانتساب إلى ميليشياتٍ أجنبية، يمثّل انضمام شبّانٍ من أبناء محافظة دير الزور إلى الفرع المحلي لميليشيا لواء الباقر، خطوةً توسّعيةً مدروسةً لهذه الأخيرة. فقد تشكّلت على مراحل في أوساط قبيلة البقارة في محافظة حلب،[5] وأخذت شكلها الحالي برعاية الحرس الثوري بدءاً من العام ٢٠١٤، قبل أن تؤسّس فرعاً محلياً لها في دير الزور، في أوائل العام ٢٠١٨. حافظ هذا الفرع، مذّاك الحين، على تماسكه مستفيداً من تصلّب بنية اللواء خلال السنوات الماضية، والعناية الخاصة التي يوليها الحرس للميليشيا الأمّ في معقلها في حلب.

على عكس لواء الباقر ذي البنية المستقرّة، تبدو بنية فيلق أسود عشائر سوريا هشّةً ومضطّربة، ومتأثّرةً بالطباع الشخصية لمؤسّسه، نواف البشير، الناشط السياسي متقلّب الولاء، وأحد وجهاء قبيلة البقارة، وكذلك بابنه ليث، القائد العسكري للفيلق، الذي يفتقر إلى أيّ تأهيلٍ أو خبراتٍ عسكرية. مرّت هذه الميليشيا في تغيّراتٍ كبيرةٍ متعاقبة، منذ أعلن البشير تأسيسها في حزيران ٢٠١٧، معتمداً في ذلك على عمّال سوريين في لبنان من أبناء قبيلة البقارة،[6] ثم على شبّان في دمشق نازحين من محافظة دير الزور. في الأشهر الستة الأولى بعد التأسيس، ارتبط الفيلق تنظيمياً بلواء الباقر، الذي شكّل حينذاك حاضنة عسكرية للفيلق. وقد ارتفع عديدُه من ٢٠٠ عنصر تقريباً، إلى ٤٠٠ في أوائل العام ٢٠١٨ عقب انفصال الفيلق عن لواء الباقر بجسمٍ مستقلّ خاص، ليعود ويتراجع إلى ٢٠٠ عنصر إثر حادثة انشقاق لصالح مجموعات القاطرجي[7] في ربيع ذلك العام. حافظ الفيلق على هذا العدد مدّة عامٍ كاملٍ تقريباً، إلى أن دخل مرحلة تآكلٍ نتيجة الانشقاقات الفردية، ليتراجع عدد عناصره إلى ١٠٠ تقريباً في تموز ٢٠١٩، وهو يبدو في طريقه نحو الانحلال.

ومن بين الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، تشكّل الميليشيا المعروفة باسم اللواء ٤٧-حرس، نموذجاً خاصاً من حيث خضوعها لقيادةٍ إيرانيةٍ مباشرة، عبر ضابط من الحرس الثوري يُلقَّب بالحاج سلمان، ومن حيث تشكّلها في محافظتَي حماة وحمص، في العام ٢٠١٦، على نحوٍ غير مُعلَن، من مقاتلين سابقين في صفوف المعارضة هناك، بعد تسوية أوضاعهم الأمنية وفق ما يُعرَف بالمصالحات.[8] أطلق اللواء ٤٧-حرس، منذ انتشاره في منطقة البوكمال في أواخر العام ٢٠١٧، حملة لتجنيد عناصر محليين باتوا اليوم يؤلّفون قوامه الأساسي، وهو يبدو متسارع النمو بفضل الرواتب المنتظمة والميزات المادية الأخرى التي يمنحها لمنتسبيه. في البداية جنّد اللواء شبّاناً عائدين إلى البوكمال بعد أن نزحوا عنها في ذروة المعارك ضدّ داعش في خريف العام ٢٠١٧. ثم استقطب العناصر المحليين، الذين كانوا انضمّوا في البداية إلى ميليشياتٍ أخرى، على غرار حركة النجباء وعصائب أهل الحق، اللتين لا تنويان على ما يبدو تشكيل فروعٍ محليةٍ لهما في دير الزور. واستقطب اللواء أيضاً عناصر ميليشياتٍ آخذةٍ في التآكل، مثل الفرع المحلي لقوات الدفاع الوطني في مدينة البوكمال، الذي كانت عناصره قد تدرّبت على يد الحرس الثوري أثناء تشكيله،[9] وكذلك عناصر مجموعاتٍ أصغر تتبع للمخابرات العسكرية والجوية. ويبدو اللواء اليوم في طريقه إلى ابتلاع قوات الحربي المقاتلة - حرس جمهوري، التي شكّلها حاتم صالح الحربي تحت مظلّة قوات الدفاع الشعبي التابعة للحرس الجمهوري، من عشرات الشبّان من أبناء بلدة الجلاء، والقرى المجاورة لها في ريف البوكمال.

أما كتائب حزب الله، فقد أنشأت فرعها المحلي بعد حملة تجنيدٍ مكثّفةٍ في أوساط أقلّيةٍ شيعيةٍ صغيرةٍ جداً من بلدة حطلة، أُطلِقَت خلال التحضيرات للعملية العسكرية في دير الزور، في صيف العام ٢٠١٧. شملت الحملة تجنيد حوالي ٤٠٠ شاب شيعيّ من حطلة في مجموعات خاصة تابعة للحرس الثوري الإيراني، ضمّت معهم عشرات المقاتلين الأشدّ مراساً من أبناء البلدة، الذين انخرطوا في القتال في أوقاتٍ سابقة. فمنذ أواخر العام ٢٠١٣، برزت مجموعة مقاتلين محليين بزيّ حزب الله، الذي اعترف بمشاركته الفعلية في القتال منذ العام ٢٠١٤، في جيب سيطرة النظام في مدينة دير الزور وما حولها.[10] وكشفت إعلانات نعيٍ لقتلى شيعة من حطلة، بدأت تظهر منذ العام ٢٠١٥،[11]عن انخراط هؤلاء المنظّم في مجموعاتٍ مقاتلةٍ تابعةٍ لحزب الله اللبناني، أو في كتائب حزب الله-الفوج الخامس.[12] ولم تلبث الكتائب بعد انتشارها في بلدة حطلة في أواخر  العام ٢٠١٧، أن أطلقت حملة تجنيد جديدة استهدفت الشبّان السنّة من أبناء البلدة النازحين منها إلى منطقة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. فكانت الحصيلة في ربيع العام ٢٠١٩، تجنيد حوالي ٤٠٠ شاب سنّي في صفوف الميليشيا،[13] بعد تسوية أوضاعهم الأمنية.

يبدو أن لدى الشبّان المحليين ثلاثة دوافع رئيسية للانضمام إلى صفوف الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني. الدافع الأول هو رغبة هؤلاء، ولا سيما العائدون حديثاً من نزوحٍ خارج مناطق سيطرة النظام، في التخلّص من الشبهات الأمنية والملاحقة من قبل أجهزة المخابرات، حيث يجدون في الحرس الثوري قوّةً قادرةً على منحهم الحماية. [14] ففي السكرية، الضاحية الريفية لمدينة البوكمال، استطاع وسطاء محليون مدعومون من الحاج سلمان، إقناع أكثر من حوالي ٢٠٠ شاب نازح في مناطق خارج سيطرة النظام،[15] بالعودة ثم الانتساب إلى اللواء ٤٧-حرس. وبالفعل لم يتعرّض أيّ من الشبّان العائدين لاستدعاءٍ من قبل أجهزة المخابرات، بفضل ما منحه الحرس لهم من ضمانةٍ وحماية. والدافع الثاني هو سعي الشبّان إلى التملّص من تأدية الخدمة الإلزامية أو خدمة الاحتياط لأجَل غير مُسمّى وبأجر زهيد في صفوف الجيش السوري.[16] أما الدافع الثالث فيتمثّل في الحصول على وظيفة براتب شهري ثابت (١٠٠-١٤٠ دولاراً أميركياً تقريباً)، في ظروفٍ اقتصاديةٍ متردّية، تندر فيها فرص العمل.

لا تشكّل التغذية المستمرّة لميليشيات الحرس الثوري بشبّان محليين سنّة، أيّ تهديدٍ لصبغتها الشيعية أو ولائها الإيديولوجي لإيران. فالمتطوّعون السنّة الجُدُد يدركون أن انتسابهم يعني إذعاناً مسبقاً لبرامج الإعداد والتعبئة الإيديولوجية، التي يديرها مرشدون دينيون في معسكرات ودورات التدريب التي يلتحقون بها، ثم في أيام العمل العادية بعد التخرّج.

في هذا المشهد المعقّد والمتحرّك، وبغضّ النظر عن الفوارق بين ميليشيا وأخرى، تأخذ ميليشيات الحرس الثوري اتّجاهاً رئيسياً واحداً في تحوّلاتها، وهو أن تصبح في نهاية المطاف ميليشيات محلية متوطّنة، إلى حدّ قد يستغني فيه الإيرانيون عن الميليشيات الأجنبية الوافدة، مستبدلين إيّاها بتشكيلاتٍ أشدّ انضباطاً وولاءً لهم، وأعمق تجذّراً في مجتمعات دير الزور.

 

الأيادي الإيرانية الناعمة

يتفاوت الحضور المدني الإيراني بين مدينة دير الزور، وباقي المدن والقرى الواقعة تحت سيطرة النظام، حجماً وشكلاً ومضموناً، ويتداخل مع الحضور العسكري، خصوصاً في الريف الشرقي لدير الزور، حيث يتركّز انتشار ميليشيات الحرس الثوري.

على صعيد المساعدات الإنسانية وتقديم الخدمات، تعتمد إيران على منظمة جهاد البناء، التي أسّست فرعها السوري في العام ٢٠١٣، وافتتحت فرعها في محافظة دير الزور في بداية العام ٢٠١٨.[17] ففي أيلول ٢٠١٧، وبعد أيام قليلة على كسر الحصار على مدينة دير الزور، أرسلت إيران قافلة شاحناتٍ تحمل مساعدات غذائية وطبّية وألبسة إليها،[18] عبر الفرع السوري لجهاد البناء، وفي الشهر اللاحق، افتُتِح مركز طبّي يقدّم خدماته مجاناً للسكان.[19] وادّعت المنظمة في أحد المنشورات القليلة التي تُعلِن فيها عن أنشطتها، بأنها قدّمت مساعداتٍ كثيرةً للسكان، وجهّزت مرافق عامة، وتولّت بناء وصيانة الحدائق، والمسابح، والمستوصفات، والمعامل،[20] لكن هذه الأنشطة والمشاريع الخيرية نفّذتها في الواقع ميليشيات الحرس الثوري، خصوصاً في الريف الشرقي. ففي مدينة البوكمال، شكّل الحرس الثوري لجنةً إغاثيةً توزّع مساعداتٍ شبه منتظمة على عائلات عناصره، والفقراء المُسجَلّين في قوائمها، فيما تولّت الميليشيات إعادة تأهيل وصيانة مسبح في موقع ترفيهي سابق. وفي مدينة دير الزور، شارك عناصر من ميليشيات الحرس الثوري في تأهيل حدائق عامة.[21] وافتتح الحرس الثوري أربعة مستوصفات مجانية، اثنين في مدينة البوكمال، وواحداً في مدينة الميادين، وآخر في بلدة بقرص. لكن يبدو أن المشاريع التي تنفّذها جهاد البناء في دير الزور لا ترقى حتى الآن إلى مشاريعها في محافظات ريف دمشق وحلب وحمص، نظراً ربما إلى الوضع الميداني القلق في تلك المنطقة، التي لم يُحسَم فيها الصراع مع الولايات المتحدة وحليفتها قوات سوريا الديمقراطية.

إلى جانب الأعمال ذات الطابع الخيري الإنساني، تمثّل الأنشطة الاقتصادية القائمة على تشغيل آبار النفط في البادية، وأعمال التهريب عبر الحدود مع العراق، نوعاً آخر من الأنشطة المدنية لميليشيات الحرس الثوري. ففي بادية الشام، استولى الحرس على آبار نفط صغيرة ذاتية الضخّ، تابعة سابقاً لحقل الورد، على بُعد ١١٠ كيلومترات جنوب شرق دير الزور، ثم حوّل الموقع الرئيسي للحقل إلى قاعدة عسكرية كبيرة. وهكذا احتكر إنتاج الآبار الذي يزيد عن ١٥٠٠ برميل نفطٍ يومياً،[22] ما حقّق له وارداً لا يقلّ عن ١٥ إلى ٢٠ ألف دولار أميركي في اليوم.[23] وأنشأ الحرس مصافي تكرير صغيرة[24] لاستثمار النفط لحسابه الخاص، تُنتِج الوقود اللازم لتشغيل مركبات الميليشيات التابعة له. أما الكمّية الباقية، وهي الأكبر، فتُباع على شكل وقودٍ لتجّارٍ في السوق المحلية، أو على شكل نفط خام لشركة القاطرجي، التي تنقله بصهاريج تحميها قوات الشركة من البوكمال حتى مصفاة حمص،[25] وذلك بموجب علاقة نفطٍ غامضةٍ ما بين الحرس الثوري والقاطرجي ووزارة النفط السورية، التي تبدو وكأنّها تشتري أو تستجرّ نفطاً سورياً من الإيرانيين.[26]

كذلك ازدهرت حركة التجارة والتهريب على الحدود العراقية[27]، عبر منفذ البوكمال-القائم الحدودي بين سوريا والعراق قبل افتتاحه الرسمي في ١ تشرين الأول ٢٠١٩. وقد احتكر هذه الحركة قياديون محليون في صفوف الميليشيات، مثل خلوف الشاوي وأولاده، ومعهم وجهاء عشائريون مقرّبون من الحرس الثوري، مثل فيصل الكسار، شيخ عشيرة الجغايفة في قرية الهري، وجمال الحردان، أحد وجهاء عشيرة الحسون في قرية السويعية، إضافةً إلى مهرّبين كبار معروفين، مثل حسين العلي المعروف بأبو صدام وأولاده.[28]

وبينما تضطّلع ميليشيات الحرس الثوري بدور مهمّ في الأنشطة الخيرية والاقتصادية في ريف المحافظة، تتّخذ الأنشطة المدنية الإيرانية أشكالاً مختلفة في مركز المحافظة أي مدينة دير الزور، التي لا يزيد عدد سكانها عن ٢٥٠ ألف نسمة، بعد أن كان ٦٠٠ ألف تقريباً في العام ٢٠١٠. أما الطرف الفاعل الرئيسي في التدخّل الإيراني فهو المركز الثقافي الإيراني، الذي افتُتِح في المدينة في مطلع العام ٢٠١٨، وباشر منذ تأسيسه برعاية أنشطةٍ مشتركةٍ مع المحافظة،[29] وحزب البعث،[30] والمؤسسات الحكومية، والنقابات.[31] كذلك نظّم فعاليات مشتركة مع منظمات المجتمع المدني، مثل جمعية النهضة النسائية،[32] والفرع المحلي لمنظمة بصمة شباب سوريا.[33] وأعلن  المركز أيضاً عن منحٍ دراسيةٍ في جامعات إيران، وقدّم مكافآت مالية شهرية للطلاب المتفوّقين في المرحلة الإعدادية.[34] كما شارك في تنظيم أنشطة وفعاليات أقامتها مراكز ومنظمات مدعومة من إيران، وتعمل في دير الزور من دمشق.[35]

خريطة ٣ - المراكز الإيرانية في مدينة دير الزور ومحيطها القريب

المصدر: الباحث. تصميم: لورا بجنري. ايلول ٢٠١٩

 

عموماً، تعتمد معظم الأعمال والأنشطة التي يديرها المركز الثقافي على مديره إيرانيّ الجنسية المعروف بلقب الحاج أبو صادق، الذي يتقن اللغة العربية على نحوٍ ممتاز، ويتمتّع بمعرفةٍ عميقةٍ بمجتمع المحافظة، على الرغم من علاقته العملية المتأخّرة بهذا المجتمع، والتي بدأت في صيف العام ٢٠١٣ عندما كلّفته السفارة الإيرانية بالاعتناء بالنازحين الشيعة من بلدة حطلة إلى منطقة السيدة زينب جنوب دمشق.[36] واستطاع المركز، عبر أنشطته وعلاقاته المتنوّعة التي تعدّت الحقل الثقافي الذي يشير إليه اسمه، إلى تأدية وظيفةٍ مهمّةٍ تمثّلت في تخطّي الوضع الهامشي المُهمَل لمحافظة دير الزور البعيدة عن العاصمة دمشق، حيث تقع المؤسسات والمنظمات الإيرانية الأبرز. فأضحت إيران في المحافظة قريبة ويومية ومُشاهَدة، ومألوفة في المحصّلة، ما قد يمنح التأثير الإيراني في دير الزور شرعيةً لا يزال يفتقر إليها.

وهكذا تتكامل الأدوار العسكرية والمدنية في ما بينها إلى حدّ كبير، حيث توفّر ميليشيات الحرس الثوري الحماية اللازمة لأنماط العمل المدني المختلفة التي تتولّاها إيران في محافظة دير الزور، فيما تقدّم الأنشطة المدنية، الخيرية والثقافية، وجهاً ألطف للوجود الإيراني بمجمله، وتسعى إلى منحه شرعيةً وقبولاً شعبيَّين. ويحقّق الدَوْران العسكري، عبر تجنيد الشبّان، والمدني، عبر تقديم المنافع للسكان، لإيران وصولاً تريده، واتصالاً مباشراً بالمجتمعات المحلية في دير الزور.

 

الجزء الثاني: الإيرانيون أقوياء في بلد ضعيف

فضلاً عمّا تحقّق للإيرانيين من قدرةٍ على التأثير، نتيجة الانتشار العسكري المباشر للميليشيات ضمن شريط حَضَري طويل في محافظة دير الزور، تسعى إيران إلى اكتساب المزيد من النفوذ عبر بناء شبكاتٍ تضمّ رجال سلطة، وفاعلين جدداً، ونخباً محلية مختلفة. وبالرغم من محدودية ظاهرة التحوّل إلى المذهب الشيعي، تُعَدّ هذه الظاهرة من الآثار البارزة للدور الإيراني، الذي يستغلّ حالة الضعف والتفكّك والاستنزاف التي تعاني منها المجتمعات المحلية في دير الزور.

الامتداد السهل في أوساط السلطة والمجتمع

لم تكن استعادة الأرض أو جزءٍ منها في المحافظة، كافيةً للنظام ليستعيد قواه الذاتية وهيبته السابقة كي يضبط رجالَ سلطته المحليين وفق ما كان عليه نهجه قبل العام ٢٠١١، ما شجّع بعض هؤلاء على بناء روابط وثيقة بالإيرانيين، والاعتماد عليهم كمصدر دعم خاص وإضافي في رحلة الترقّي الوظيفي والصعود. وعلى نحو مشابه، انخرط في الشبكات الإيرانية، التي لا تزال قيد التشكّل وغير مُحدَّدة المعالم، فاعلون محليون من أبناء المحافظة، من مسؤولين حكوميين، وتجّار، ورجال أعمال، ورجال دين، ووجهاء اجتماعيين. فكان سهلاً على الإيرانيين في هذا الجو المشجّع، نسج علاقاتٍ متشعّبةٍ على مستوى السلطة والمجتمع، وإن لم يبدأوا في نجاحاتهم هذه دوماً من الصفر، بل استكملوا في بعض الحالات جهوداً وروابط سابقة.

العلاقة برجال السلطات المحلية وممثّليها الكبار

تعود علاقة محافظ دير الزور الحالي، المحامي عبد المجيد الكواكبي، بإيران إلى العام ٢٠٠٨، حين عُرِف في أوساط محامي حلب بأنه من أشدّ المدافعين عن حزب الله، والسياسة الإيرانية في المنطقة.[37] وباستغلاله رواية نَسَبٍ تجعل عائلته الكواكبي، السنّية الحلبية، من نسل الإمام موسى الكاظم، سابع الأئمة عند الشيعة الإثني عشرية، استطاع بناء روابط مهمّةٍ بسياسيين إيرانيين وعراقيين شيعة، أبرزهم علاء الجوادي،[38] أحد مؤسّسي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، قبل تغيير الاسم إلى المجلس الإسلامي الأعلى، وسفير العراق السابق في دمشق[39]. وخلال عضويته في مجلس الشعب بعد العام ٢٠١٦، ترأّس الكواكبي جمعية الأخوة البرلمانية السورية العراقية في المجلس، قبل أن يُعيَّن محافظاً لدير الزور في شباط ٢٠١٨. وسرعان ما انعقدت رابطةٌ متينةٌ بين المحافظ ورئيس المركز الثقافي الإيراني، الحاج أبو صادق، تتعدّى الميول الشيعية لدى الأوّل، والعلاقات العامة المطلوبة من الثاني، لتقوم على أعمالٍ غامضةٍ بين الرجلين، تدلّ عليها اجتماعاتهما الأسبوعية غير المُعلَنة في مبنى المحافظة.[40]

إضافةً إلى ذلك، توطّدت علاقة الحاج أبو صادق بالعقيد ثم العميد جهاد الزعل، وهو رئيس فرع المخابرات الجوية في المنطقة الشرقية منذ تشرين الثاني ٢٠١٧.[41] ولا يخفي أيٌّ من الرجلين اليوم صداقتهما وارتباطهما العملي الوطيد، كما تكشف ذلك اجتماعاتهما المتكرّرة في أماكن عدّة في المدينة.[42] وعلى غرار الكواكبي، كانت للزعل قبل تعيينه في دير الزور صلاتٌ سابقةٌ بإيران، نشأت على الأرجح انطلاقاً من منطقة السيدة زينب جنوب دمشق، وتحديداً بلدة حجيرة، حيث تقيم أكثرية من عائلة الزعل، التي انتسب بعض شبّانها إلى ميليشيات شيعية، ومن عشيرته البحاترة، إحدى العشائر العربية السنّية النازحة من الجولان المحتلّ.[43]وخلال ترؤّس الزعل قسمَ المخابرات الجوية في درعا، بين العامَين ٢٠١٣ و ٢٠١٧، وتولّيه في الوقت نفسه رئاسة لجنة المصالحات هناك، ظهرت بعض المؤشّرات على علاقته بالإيرانيين، كان منها تكريمه من قبل مركز الإمام المهدي الثقافي برئاسة الشيخ محمود نواف العداي.[44]

بالنظر إلى المرحلة الجديدة التي دخلتها دير الزور بعد هزيمة داعش، حيث كانت إيران شريكةً رئيسيةً في انتصار النظام، قد لا يكون محض صدفةٍ أن يُعيَّن الزعل، ثم الكواكبي بعده بشهرين تقريباً، في منصبَيهما المؤثّرَين. فهذان التعيينان قد يكونا نتيجة تأثير إيراني في حلقة الحكم العليا في دمشق، بما يشكّل مكافأةً للرجلَين على خدمات سابقة، من ناحية، ويُهيّئ لاستثمار العلاقة بهما لصالح إيران في دير الزور، من ناحيةٍ أخرى.

يمثّل المحافظ، وأجهزة الأمن، وفرع حزب البعث، ومعهم بدرجةٍ أقلّ جهازا القضاء والشرطة، أجسامَ الحكم الأعلى للنظام في محافظة دير الزور، التي تعمل في الساحة نفسها حيث يعمل الإيرانيون، من دون أن يظهر أيٌّ تصادمٍ بين الطرفين، باستثناء الاحتكاكات المتفرّقة التي تقع أحياناً ما بين عناصر من قوات النظام وميليشيات الحرس الثوري في مدينتَي البوكمال والميادين. يحرص الإيرانيون عموماً على احترام مظاهر سيادة النظام، وتحاشي منازعته علناً على شرعية الدولة التي يدّعي تمثيلها. ففي مدينة البوكمال، وبالرغم من استغناء إيران العملي عن الخدمات الأمنية والعسكرية للنظام، تحضّ ميليشيات الحرس الثوري السكان الراغبين في الخروج من المدينة، على نيل موافقة مكتب أمني تابع للفرقة الرابعة فيها،[45] بعد أن ينالوا بالطبع موافقة مكتب الحرس الثوري الخاص بهذا الشأن. والحال نفسها تنطبق على القادمين لأوّل مرّة بعد نزوحٍ طويلٍ في مناطق سيطرة النظام الأخرى، حيث يُمنَعون من الدخول ما لم يحصلوا على إذنٍ رسمي من فرع المخابرات العسكرية في مركز المحافظة. إن هذه الشكليات، ومعها رفع الأعلام والصور والشعارات الخاصة بالنظام، لا تعرقل عمل الإيرانيين طالما بقي النظام ضعيفاً، ولا تحدّ من دوائر النفوذ الخاصة بهم. وفي المرّات القليلة التي أصدر فيها النظام قراراتٍ تعيق الدور الإيراني، تجاهلت الميليشيات التابعة للحرس الثوري هذه القرارات، كما حدث حين وجّهت مديرية التجنيد في الجيش السوري إبلاغات رسمية لشبّان متطوّعين في صفوف تلك الميليشيات، ومتخلّفين عن تأدية الخدمة الإلزامية، وخدمة الاحتياط الإجبارية. وفي بلدتَي الحسينية وحطلة، تحاشت أجهزة الأمن والشرطة العسكرية مداهمة منازل هؤلاء الشبّان، وتجنّبت اعتقالهم خلال مرورهم على حواجزها، على الرغم من وجود مذكّرات اعتقالٍ وسَوقٍ إجباري إلى الجيش بحقّهم.[46]

لا تخفى أهمية العلاقات الخاصة التي نسجتها إيران برجال السلطة الكبار القادمين غالباً من خارج المحافظة، إلا أن استثمارها في هذه العلاقات يظلّ استثماراً مؤقّتاً، تهدّده قرارات العزل والنقل التي قد تصدر في أيّ وقت من دمشق.

العلاقة بالمجتمعات المحلية عبر النخب والفاعلين القدامى والجدد

خلافاً للمنافع قصيرة الأجل التي يجنيها الإيرانيون من علاقاتهم برجال السلطة القادمين من خارج المحافظة، يبدو استثمارهم في دعم نخبٍ وفاعلين محليين من دير الزور وتمكينهم، ضمن شبكاتٍ أخذت بالتشكّل تحت رعايتهم، أطول مدًى وأشدّ أهمية، لما يحقّقه ذلك من وصولٍ وتمدّدٍ في نسيج المجتمعات المحلية.

فعلى الصعيد الاقتصادي، نشأت شبكةٌ مدعومةٌ من إيران تضمّ شخصيات من خلفيات متعدّدة، كان لمدير المركز الثقافي الإيراني في دير الزور دورٌ رئيسيٌّ في تشكيلها، حيث نجح الحاج أبو صادق في بناء علاقاتٍ ممتازةٍ بنائب رئيس غرفة تجارة وصناعة دير الزور، رئيف عبيد، واثنين آخرين على الأقلّ من أعضاء مجلس إدارتها العشرة.[47] ويحاول عبيد الذي ينشط سياسياً أيضاً بوصفه الأمين العام المساعد لحزب الاتحاد العربي الديمقراطي،[48] توسيع علاقاته الإيرانية وتحسين استثمارها، عبر مشاريع كبيرة يطلب من الحاج جلب تمويل إيراني لها، مثل مشاريع إعادة بناء الجسور المدمّرة في مدينة دير الزور، التي يخطّط عبيد للفوز بتنفيذها.[49] وأنشأ الصيدلي وتاجر الأدوية، محمد بدران الشيخ، عبر شريكه المتشيّع فهد خليل الداوود، علاقة متينة بالحاج أبو صادق، الذي سهّل بدوره على الشيخ الفوز بوكالةٍ محليةٍ لشركة سبحان الإيرانية لصناعة الأدوية.[50] وتمكّن الحاج الإيراني، بفضل أدوات التأثير التي يمتلكها في دوائر صنع القرار، من تعيين الشيخ نقيباً لصيادلة دير الزور.[51]

وفي دمشق حيث تتنوّع مداخل الدعم الإيراني، استأنفت ريم شويش- سليمان، ابنة مدينة دير الزور واسعة النفوذ، وأرملة العميد محمد سليمان، المستشار العسكري لبشار الأسد،[52] علاقات سابقة وثيقة لزوجها بإيران وحزب الله. فأنشأت برعايتهما في العام ٢٠١٣، مؤسسة خيرية باسم الوعد الصادق، المُستلهَم من عبارةٍ شهيرةٍ لحسن نصر الله، زعيم الحزب.[53] ومع أن المؤسسة التي بلغ عدد ناشطيها ٢٨٠ في العام ٢٠١٧،[54] لم تفتتح فرعاً لها في دير الزور، إلا أنها شكّلت عبر شخص رئيستها، التي حافظت على علاقةٍ وثيقةٍ بمدينتها الأمّ، أحدَ الأبواب المهمّة التي يطرقها طالبو الاحتياجات المتنوّعة من أبناء دير الزور.

وكانت لخلف محمود المشهداني، ابن ضاحية السكرية في مدينة البوكمال المُقيم في دمشق، فرصةٌ كبيرةٌ لتوسيع أعمال شركته، مجموعة مشهداني الدولية للمعارض، بدعمٍ إيراني. فنظّمت الشركة معارض بارزة متلاحقة منذ العام ٢٠١٧، في قطاع النفط، والصناعات البلاستيكية، والإعلام، والسيارات، كان فيها حضور الشركات الإيرانية طاغياً، وهي تحضّر بالتعاون مع الغرفة التجارية السورية الإيرانية المشتركة، لإطلاق معرض جديد في قطاع النفط في تشرين  الأول ٢٠١٩.[55] قبيل صعود المشهداني السريع من رجل أعمال صغير، إلى واحد من أكبر منظّمي المعارض في سوريا، تمكّن من تنظيم معرضٍ ناجحٍ للسيارات الإيرانية[56] في دمشق، في العام ٢٠١٦، قدّم فيه نفسه لشخصياتٍ من السفارة الإيرانية على أنه سليل نَسَبٍ حسيني، باعتباره من عشيرة المشاهدة المتحدّرة وفقاً لروايتها من هذا النسب.[57] يلقى هذا الزعم من أيّ شخص أو جماعة  ترحيباً من إيران، لأنه يشكّل مدخلاً رئيسياً للإدماج والإندماج  في الشبكات الإيرانية، خصوصاً من الناحية الدينية والاجتماعية.

أما على الصعيد الاجتماعي، فأظهر الإيرانيون اهتماماً خاصاً بالبنى العشائرية، نظراً إلى أكثريّتها العددية ضمن سكان المحافظة. ووجدوا في بعض الأشخاص والوجهاء المُنتَمين إلى عائلاتٍ مشيخيةٍ وراثيةٍ في عشائرهم، أتباعاً أو حلفاء أو أصدقاء نافعين، يشكّل كلّ واحد منهم مدخلاً للاتصال بالمجتمعات والعشائر التي يتحدّر منها. ذلك هو شأن نواف البشير، الوجيه في قبيلة البقارة وقائد الميليشيا الذي يعتمد على الإيرانيين كلياً في الدور الذي يؤدّيه، والمكانة التي يتمتّع بها اليوم، بعد عودته منشقّاً عن المعارضة إلى دمشق بضمانة الإيرانيين، وحمايتهم له من النظام. وفي نموذجٍ مختلفٍ عن نموذج التابع العضوي الذي يمثّله البشير، يشكّل سعد عذال الدندل، نقيب المحامين المُنتَمي إلى عائلة الدندل المشيخية في عشيرة الحسون،[58] في منطقة البوكمال، حليفاً قوياً للإيرانيين، حيث يبدو مؤثّراً في وسطه الاجتماعي بوصفه وجيهاً عشائرياً، وفي وسطه الوظيفي بصفته نقيباً للمحامين. شكّل الإيرانيون للدندل مصدر دعم إضافي لاكتساب المزيد من النفوذ، الذي كان يتمتّع بقدرٍ كبيرٍ منه أصلاً بدعم أجهزة مخابرات النظام له، نظراً إلى ولائه القديم، ثم دوره كوسيط تهدئةٍ ومصالحات مع النازحين لصالح النظام بعد اندلاع الثورة. ومنذ انتشار ميليشيات الحرس الثوري في منطقة البوكمال، نجح الدندل في بناء علاقاتٍ وثيقةٍ بإيران، وصار أحد أشدّ المدافعين عن دورها في الحرب السورية. وترأّس وفداً عشائرياً من المنطقة الشرقية زار إيران في نيسان ٢٠١٨، والتقى بقادةٍ سياسيين ودينيين، كان على رأسهم علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد خامنئي للشؤون الدولية.[59]

لا يكتفي الإيرانيون، في تعاطيهم مع العشيرة، بالشيوخ والوجهاء الوراثيين، بل يفتحون الباب أيضاً لغيرهم من مُدَّعي المشيخة فيها، المفتقرين إلى الشرط الوراثي اللازم لأيّ شيخ عشائري وفق الأعراف السائدة. وقد تُشكّل بعض المؤسسات المدعومة من إيران مسار صعودٍ لهؤلاء، كما في حالة المصوّر الفوتوغرافي والسمسار السابق، علاء اللباد، ابن قرية معدان عتيق في ريف دير الزور الغربي، الذي أخذ يدّعي بعد نزوحه إلى دمشق في العام ٢٠١٣، بأنه شيخ عشيرة البوسبيع[60] الممتدّة في القرى القريبة من الحدود الإدارية لمحافظتَي دير الزور والرقّة. فإثر انضمام اللباد إلى مركز الإمام المهدي في دمشق، سنحت له علاقاتٌ وفرصٌ جديدةٌ استغلّها محاولاً تصوير نفسه في أعين أبناء قريته، على أنه شخصٌ نافذٌ كما يليق بشيخٍ حقيقي. وبادّعائه المشيخة، قدّم لمركز الإمام المهدي خدمة دعائية على أنه يضمّ في صفوفه زعماء عشائر، كما شكّل للمركز جسراً للوصول إلى أفرادٍ آخرين في دائرته الاجتماعية. يمثّل اللباد نموذجاً طموحاً وصاعداً من طبقات متوسّطة ودنيا، يحقّق مدخلاً مُضافاً للإيرانيين للاتصال بعائلةٍ وعشيرةٍ ومجتمعٍ جديد، ولا سيما إن مُنِح هذا النموذج القدرة على نفع جماعته، قبل أن يتحوّل إلى تابع قوي لإيران داخل مجتمعه الصغير، إن تحقّق له ذلك.

تتعدّد رؤوس الشبكات التي ترعاها إيران بين دير الزور ودمشق، حيث يقيم ويعمل عددٌ من أبناء المحافظة، في أنماطٍ دينيةٍ وسياسيةٍ أيضاً، كما في حالة سفير الجراد، مدير أوقاف دير الزور السابق. بدأ الجراد رحلة صعوده بعد الثورة، بالتقرّب من رجال الدين الكبار الموالين للنظام، مثل المفتي أحمد حسون، والشيخ حسام الدين الفرفور، الذي تزوّج ابنته، ثم بالانخراط المكثّف في المؤسسات العلمية الدينية والسياسية التي ترعاها إيران اليوم، مثل معهد الشام العالي،[61] والفرع السوري لمؤسسة القدس الدولية. تكشف قائمة مجلس إدارة هذا الفرع عن عمق النفوذ الإيراني في دوائر السلطة العليا لدى النظام، حيث تضمّ رئيسته الفخرية بثينة شعبان، مستشارة بشار الأسد، وباسل جدعان، شقيق زوجة ماهر الأسد المتحدّرة من مدينة دير الزور، وخلف المفتاح ابن محافظة الرقّة، عضو القيادة القطرية السابق، وزوج السيدة المتشيّعة فلة الشيخ،[62] وفايز صندوق، الشيعيّ الدمشقي، وسفير الجراد الذي بدأ صداقته بالإيرانيين قبل الثورة، عبر مشاركاته في فعاليات المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق، وغيرها من الأنشطة الدينية والثقافية.[63] وضمن هذا النمط من الشبكات الدينية السياسية، يبرز رجل الدين المتحدّر من بلدة حطلة، حسين الرجا، أحد أبرز الوجوه في تاريخ الدعوة الشيعية في بلدة حطلة التي يتحدّر منها وفي دير الزور،[64] وابنه محمد أمين، عضو مجلس الشعب، الذي يُعتبَر من أبرز الأتباع المدنيين لإيران في دير الزور، وفق ما تتقاطع الشهادات عن مدى نفوذه.[65] ويُعَدّ أمين اليوم أحد الداعمين الرئيسيين لصعود أبناء حطلة الشيعة في المشهد العام في دير الزور.[66]

تتكامل مراكز النفوذ الإيرانية في ما بينها من مكانٍ إلى آخر، لتكشف عن تمدّدٍ مُتنامٍ في اتجاهاتٍ مختلفة، تتوسّع فيها باستمرار شبكاتُ الأتباع والأنصار والأصدقاء، وتُمنَح فرص الصعود أمام الجميع، فيجد عديمو الأهمية، بعد انضمامهم إلى هذه الشبكات، وظيفةً يؤدّونها خدمةً لهذا الدور.

العمل المريح في ساحة شبه خالية

أضعفت الحرب والنزوح معظم المجتمعات المحلية في دير الزور، وسلبت الممارسات والأساليب القمعية المتوحّشة، التي طبقها نظام الأسد وتنظيم داعش، قدرةَ الناس على رفض أيّ فعلٍ يصدر عن القوى المتغلّبة. ثم جاءت الظروف الاقتصادية المتردّية، وغياب الخدمات العامة، والانفلات الأمني، لتنتزع ما تبقّى لديهم من اهتمامٍ بالقضايا السياسية والاجتماعية والدينية. صحيح أن معظم المقيمين اليوم في منطقة سيطرة النظام في دير الزور لم ينخرطوا سابقاً في أيّ أنشطةٍ فعليةٍ مناهضةٍ للنظام، إلا أنهم يظلّون في دائرة الشبهة الأمنية، ما لم ينخرطوا في أنشطةٍ تُثبِت ولاءهم له، ما يعمّق الإحساس لدى الأغلبية بالخطر والهزيمة، واللامبالاة في نهاية المطاف. فقد أصبح الهمّ الرئيسي لكلّ فرد هو شأنه الخاص، فيما ينحسر الشأن العام إلى مساحةٍ ضيقةٍ لا تتعدّى الحديث عن غلاء الأسعار، وانقطاعات مياه الشرب والكهرباء.

وهكذا كان سهلاً على إيران في هذا المجتمع الضعيف، العمل في نواحٍ عدّة لم تكن قادرةً على العمل فيها قبل الثورة. تلك كانت الحال مثلاً عندما حوّل الإيرانيون نبع ماء في البادية إلى مزار ديني في العام ٢٠١٨، بعد أن فشلوا في ذلك في العام ٢٠٠٧، نتيجة رفضٍ قاطعٍ حينذاك، وبدوافع مذهبية سنّية، من أهالي مدينة القورية القريبة من النبع،[67] التي لا يقيم فيها اليوم بفعل النزوح سوى ٤ إلى ٥ آلاف شخص من أصل ٥٠ ألفاً تقريباً قبل الثورة. فاستطاعت ميليشيات الحرس الثوري تشييد مزارٍ يقصده الشيعة طلباً لبركة المكان ومائه "المقدّس"، قادمين من منطقة السيدة زينب في دمشق، أو من العراق عبر البوكمال.[68]

كذلك حُوّلَت في أطراف مدينة البوكمال غرفةٌ طينيةٌ مهدّمةٌ، تُعرَف باسم قبّة علي، إلى مزار شيعيّ آخر. فالحرب والنزوح أفرغا البوكمال من قواها التقليدية المُمثَّلة في رؤساء العائلات،[69] وشيوخ الجوامع المؤثّرين،[70] والناشطين الدينيين السلفيين الذين برزوا بعد الغزو الأميركي للعراق في العام ٢٠٠٣، والناشطين الثوريين، من مدنيين وعسكريين، الذين برزوا عقب الثورة السورية في العام ٢٠١١. ففي هذه المدينة حيث يساوي عدد السكان تقريباً (حوالى ٣ - ٤ آلاف نسمة)[71]عدد عناصر ميليشيات الحرس الثوري، لا يجد أحدٌ القدرة على رفض ما يجري من تهديدٍ لهويّتها السنّية.

خريطة ٤ - المراكز الإيرانية في مدينة البوكمال ومحيطها

المصدر: الباحث. تصميم: لورا بجنري. ايلول ٢٠١٩

 

ولا يحظى اليوم أيّ خطيبٍ من خطباء الجوامع العشرة، من أصل ٤١ جامعاً كانت تقام فيه صلاة الجمعة في مدينة البوكمال قبل الثورة، بأيّ أهميةٍ تُذكَر، حيث لا يتعدّى دور هؤلاء عن إسقاط الفرض الديني وإقامة الشعائر. وقد استولى متديّنو الميليشيات على واحدٍ من جوامع ضاحية/بلدة السكرية الثمانية، التي تجري فيها التحوّلات على نحوٍ أسرع وأوضح، وحوّلوه إلى جامع شيعيّ[72] تُقام فيه الشعائر كلّها وفق المذهب الشيعيّ، الذي ارتفع عدد معتنقيه في البلدة من صفر في العام ٢٠١٠، إلى ١٥٠ تقريباً في صيف العام ٢٠١٩. وارتفع عدد الشيعة في مدينة البوكمال من ٤ قبل الثورة، إلى أكثر من ٥٠ خلال أقلّ من عامَين على انتشار ميليشيات الحرس الثوري في المنطقة. ويدلّ ذلك على اتّساع التأثير الإيراني في الجانب المذهبي، والقفزة النسبية التي تحقّقت بين حصيلة ثلاثين عاماً من الدعوة الشيعية قبل الثورة، وحصيلة أقلّ من عامَين منذ ٢٠١٧. وبالمقارنة بين أعداد المتشيّعين الجدد في مدينة البوكمال، وأعدادهم في ضاحيتها السكرية، اللتين تخضعان للظروف نفسها، يتّضح تمسّكٌ أشدّ لدى المجتمع المديني في البوكمال بمذهبه السنّي، منه لدى المجتمع العشائري في بلدة السكرية. ففي هذه الأخيرة، اجتذب الإيرانيون السكان عبر استغلال رواية النَسَب الحسيني لأبناء عشيرة المشاهدة، التي تنتمي إليها غالبيتهم، وذلك على الرغم من فشل سماسرة المصالحات المدعومين من إيران في إقناع بعض وجهاء البلدة النازحين في مناطق قسد ومناطق المعارضة بالعودة.

وقد نشأت في مدينة دير الزور، التي تضمّ النسبة الأكبر من سكان المحافظة، علاقةٌ وثيقةٌ ومصالح متبادلةٌ بين مدير المركز الثقافي الإيراني، ومدير أوقاف دير الزور، مختار النقشبندي، الأوّل ضمن سعيه إلى توسيع علاقاته العامة، والثاني ضمن سعيه إلى تنويع قنوات الدعم الخاصة به للحفاظ على منصبه. كذلك قامت روابط مشابهةٌ بين الحاج الإيراني، وبين مدير لجنة الخطباء في مديرية الأوقاف، الشيخ محمود حمور، والشيخ نبيه المفتي الذي يُلقي خطباً متقطّعةً في بعض المساجد. يصعب قياس الأثر الذي تركته هذه العلاقات في الجوّ الديني الرسمي الذي تهيمن عليه مديرية الأوقاف، لكن تعابير ومصطلحات جديدة لم تكن مألوفة في لغة خطباء الجوامع قبلاً، مثل مصطلح "الإسلام المحمدي الأصيل"، الذي أعاد إنتاجه الإمام الخميني بما يلائم نهج ثورته، أخذت تظهر في بعض خطب الجمعة. ينطوي ذلك على مؤشّرٍ لمشروعٍ مستقبلي أبعد من الألفاظ والدعوات العامة، مشروعٍ قد يولَد فيه تيار ديني سنّي في دير الزور يوالي إيران، كما حدث في محافظة الأنبار العراقية، حيث ظهرت في مدن عدّة جماعاتٌ سنّيةٌ تعمل تحت هذا العنوان،[73] في استلهامٍ للمفهوم الذي صاغه الإمام الخميني ضمن طروحاته الدينية السياسية.[74]

في عشرات المساجد في مدينة دير الزور، التي تديرها مديرية الأوقاف، وتعيّن خطباءها وأئمّتها ومؤذّنيها، يتجنّب الخطباء التطرّق إلى أيّ شأن سياسي سوى إعلان الولاء في كل خطبةٍ لبشار الأسد وجيشه، وتخوين المعارضين، واتّهامهم بالتسبّب بتدمير المدينة. ويتجنّبون أيضاً الخوض في أيّ شأن طائفي، وكأن إيران غير موجودة في دير الزور، في تجاهلٍ تامّ لوظيفتهم المُفترَضة بوصفهم حماةً للمذهب السنّي في وجه دعوات التشيّع، التي تتجاوز المعنى الديني إلى معانٍ سياسية، أكّدها وقوف معظم المتشيّعين من سكان بلدة حطلة إلى جانب النظام، خلافاً للسنّة في هذه البلدة.

 

الجزء الثالث: العوائق أمام السياسة الإيرانية في دير الزور

يواجه الدور الإيراني في محافظة دير الزور عوائق متنوّعة قد تحدّ من تأثيراته بدرجاتٍ متفاوتة، من مرحلةٍ إلى أخرى، ومن مكانٍ إلى آخر. ليس في مقدور الإيرانيين إزالة هذه العوائق، ولكنهم يستطيعون التكيّف معها مؤقّتاً أو على المدى الطويل، بتطبيق استراتيجياتٍ ذكيةٍ في مواجهة العائق المذهبي، ومرنةٍ في مواجهة الروس وسعي النظام إلى إحياء ذاته، وأخرى صبورةٍ في مواجهة الأميركيين، وانكماش الموارد المالية اللازمة لخدمة هذا الدور.

الإيرانيون شيعة فُرس في محيط عربٍ سنّة

مهما تضخّم حضور إيران، يبقى التباين الطائفي عاملاً رئيسياً في الحدّ من تأثيرات دورها في المجتمعات المحلية في محافظة دير الزور، التي يشكّل العرب السنّة أغلبية سكانها الساحقة. فعلى مدى ثلاثة عقود قبل الثورة كان الإعراض عن دعوات التشيّع التي رعتها إيران، هو الموقف السائد، الذي يؤكّده العدد الضئيل للذين اعتنقوا المذهب الشيعي منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وحتى العام ٢٠١١، وهو لا يزيد عن ٥ آلاف شخصٍ[75] في المحافظة التي قُدّر عدد سكانها في ذلك العام بـ ١,٦ مليون نسمة. وإن كانت أعداد المتشيّعين تزايدت منذ العام ٢٠١٧، إلا أن نسبتهم لا تزال هامشيةً أمام العدد الإجمالي الحالي للسكان، الذي يُقدَّر بـ ٣٥٠ إلى ٤٠٠ ألف نسمة في منطقة سيطرة النظام. فعلى الرغم من حالة اللامبالاة السائدة والاستسلام القدري لدى المقيمين في هذه المنطقة، إزاء الدور الإيراني بجوانبه المختلفة، تظلّ ماثلةً في الأذهان والأنفس النظرة المُتوارَثة عن الإيرانيين بأن لهم هدفاً دينياً رئيسياً يتمثّل في دفع الناس إلى التشيّع، وإغرائهم باعتناق عقيدة جديدة، يرى كثيرون أنها منحرفة عن أصل الدين الاسلامي، وعدائية أيضاً تسكنها هواجس الانتقام التاريخية من السنّة. وينعكس موقف السكان المحليين إزاء ما يجري، في ضآلة مشاركتهم في الاحتفالات التي تنظّمها ميليشيات الحرس الثوري في المناسبات الدينية الشيعية، أو في الاحتفالات المسائية الترفيهية في شوارع المدن.[76] أما إقبالهم على الاستفادة من مساعدات الإيرانيين وأنشطتهم الخيرية، فيدلّ على حاجتهم الماسّة، لا على تفاعلهم الإيجابي مع الإيرانيين.[77]

لا يوجد ظاهرياً اليوم في مجتمعات دير الزور الواقعة تحت سيطرة النظام، مَن يناهض الدور الإيراني علناً، لكن شرائح واسعةً من السكان اختارت الابتعاد عن تأثيراته، ولا سيما في جانبها الديني، لأنها ترى أن إيران ليست عدوّاً سياسياً لمعارضي النظام فحسب، بل هي أيضاً عدو ديني لعموم المسلمين السنّة، بغضّ النظر عن موقفهم السياسي. يتشارك في هذا الرفض الصامت المئات من أتباع الطرق الصوفية الذين بدأوا ينشطون[78] منذ أواخر العام ٢٠١٨، وسواهم الكثير من "المتديّنين العاديّين" ومن غير الملتزمين دينياً. وبدت الطرق الصوفية في انبعاثها بعد انطفاءٍ خلال عهد تنظيم داعش الذي يناصبها العداء،[79] بمنأى عن تأثيرات الإيرانيين. كذلك خلَت من أيّ تيارٍ داخلها يرحّب بأدوارهم، بل يؤكّد أتباع هذه الطرق أن إحياءها يشكّل في حدّ ذاته خط دفاعٍ عن العقيدة والهوية السنّية، وإطار تربيةٍ دينياً مسموحاً به من السلطات، يحصّن تلك الهوية. ولا يهدّد النفوذ الإيراني في مديرية الأوقاف، أو في أجهزة المخابرات وحزب البعث، هذه الطرق التي أتقن قادتها على مدى عقودٍ قبل الثورة فنون التعاطي مع السلطات، التي تدرك من جانبها أن التصوّف يخلو بصفته حركةً دينية من أيّ مضمون سياسي، وأنه إطار يلبّي حاجات التديّن الفطرية لدى الناس، ويفرّغ هذا التديّن من أيّ سلوك عمليّ يناهض السلطة، بل يتقبّلها متعايشاً معها على أنها من صنع الأقدار. وقد تأكّد للسلطة إدراكُها هذا خلال الثورة، بنأي أغلبية المتصوّفين بأنفسهم عن الانخراط فيها، وتأييد نسبة واضحة منهم للنظام، "خشية الفتنة وسفك الدماء"، وحرصاً على الاستقرار، وأملاً بإصلاح ٍهادئ.

إن تبادل المصالح العميق هذا بين الطرق الصوفية والسلطة، التي ازداد تقديرها للصوفية نتيجة موقفها المُهادِن أو الموالي، ونتيجة انتشار السلفيين خصوم الصوفية في الضفة الأخرى الثائرة، يتيح لقادة الطرق الصوفية اتّخاذ موقفٍ يميّز بين الإيرانيين والنظام، فيوالون هذا الأخير، من جهة، ويتملّصون عبره وبنعومةٍ من تأثيرات الدور الإيراني، من جهةٍ أخرى. ولعلّ مفتي دير الزور السابق عبد القادر الراوي، النازح منذ سنوات عدّة في دمشق، يشكّل النموذج المثالي لهذه الحالة. فهو يُعَدّ من أشدّ رجال الدين تأييداً للنظام، وفي الوقت نفسه، كان يجاهر قبل الثورة بموقفه المناهض للشيعة، منتقداً بشدّةٍ نظرتهم إلى الخلفاء الثلاثة الأوائل الراشدين.[80] ولم يصدر بعد اندلاع الثورة عن الراوي وأبناء عمّه في رئاسة الطريقة الرفاعية، ما يشير إلى أنهم غيّروا مواقفهم تلك. وهذه أيضاً حال الشيخ الرفاعي عادل هلاط، وابنه محمد، الشيخ الشاب شاذليّ الطريقة، وناشطين آخرين في الطريقة الشاذلية، التي يحرص أتباعها خلال حلقات الذكر التي تَجدَّد عقدها،[81] على الإشادة بالخلفاء الثلاثة دوماً وبأعلى من المستوى المعتاد، وذلك في رسالةٍ ضمنيّة تؤكّد اعتقادهم السنّي الراسخ.[82]

الواقع أن الموقف الرافض للإيرانيين في دير الزور تشكّل على مراحل، مع تأثيرات الحرب العراقية الإيرانية، التي أيّد فيها معظم السكان صدام حسين، "العربي السنّي"، ضدّ الخميني، "الفارسي الشيعيّ"، ثم مع نشوء الشراكة السياسية بين إيران ونظام حافظ الأسد، وبعده ابنه بشار، المنتميَين إلى الطائفة العلوية،[83] وهو "النظام القمعي والفاسد والطائفي" وفق غالبية السكان. ومنذ الغزو الأميركي للعراق في العام ٢٠٠٣، نشأت حالة احتقانٍ طائفي، تنامت في ظلّ التوتّرات الطائفية المتصاعدة بمساهمة إيرانية واضحة في ذلك البلد الجار لدير الزور، الذي تسرّبت منه إليها ظاهرة السلفية الجهادية، وإن على نطاقٍ ضيّقٍ آنذاك. على هذه الخلفيات البعيدة، ساهم انخراط إيران العسكري الهائل إلى جانب الأسد منذ العام ٢٠١٢، تحت شعار "حماية المراقد الشيعية المقدّسة"،[84] في صعود السلفية الجهادية مُجسّدةً بجبهة النصرة ثم بتنظيم داعش، الذي احتكر العمل الجهادي في معظم المحافظة خلال ثلاث سنوات. وفي حرب تنظيم داعش ضدّ النظام وميليشيات الحرس الثوري، الذي يُعتبَر التجسيد الأوضح للجهاد الشيعي العابر للحدود،[85] اعتمد التنظيم خطاباً واحداً بأنه يواجه "المشروع الصفوي"، ومحاربة "النصيرية والروافض"[86] أعداء الدين. ترك هذا الخطاب، وكذلك الفقه السلفي الذي طبّقه التنظيم على نحوٍ مكثّف، وأشاعه حتى في أوساط مَن ناصبوه العداء أو كانوا يعيشون بعيداً عن سلطته، آثاراً طويلة المدى على المجتمعات المحلية.

فبعد عامَين تقريباً على هزيمة داعش العسكرية، لا يزال عشرات الشبّان في مدينة دير الزور يؤدّون صلواتهم وفق الفقه السلفي. وبما يتجاوز الفقه البحت، قد يعبّر هذا السلوك الحَرَكي عن رأيٍ وموقفٍ تتبنّاهما أعدادٌ أكبر من الشبّان، من دون الإعلان عن ذلك، بأن النهج السلفي هو الصواب، واعتناقه هو السلاح الأقوى لصدّ التأثيرات الإيرانية، والدفاع عن الدين.[87]  ولا يزال إعلام التنظيم ودعايته، وإن تراجعا، مستمرّيَن خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعية، وتطبيقاتٍ ووسائل إلكترونيةٍ جديدة،[88] وعبر الأحاديث الشفهية. وأخيراً، يغذّي نموذج الحوكمة الفاشل الذي أحياه النظام، إلى جانب الدور الإيراني ببُعده الديني خاصة، صورة التنظيم على أنه ممثّلٌ ومدافعٌ عن السنّة المهزومين، ومنتقمٌ لهم.[89] فعلى سبيل المثال، انطلاقاً من وقائع مؤكّدة سابقة وفق ظنّ نسبةٍ كبيرةٍ من السكان،[90] غالباً ما يقارن الناس في أحاديثهم اليومية بين حالة الانفلات الأمني السائدة اليوم في منطقة النظام، وبين حالة الضبط الأمني التي أرساها تنظيم داعش بأسلوبه العنيف الرادع للمجرمين في المحاسبة والعقاب.[91] وكثيراً ما يفصح الناس عن أمنيتهم بأن يقع بعض قادة الميليشيات وعناصرها، أو بعض المسؤولين المحليين الفاسدين، في قبضة التنظيم لينالوا جزاءهم العادل المُفترَض، في دلالةٍ على الإحساس بالعجز واليأس إزاء أيّ عدالةٍ قد تجلبها السلطة الحاكمة.[92]

في هذه المرحلة وهذا الجوّ الطائفي المشحون، لن يكون سهلاً على إيران إيجاد أتباعٍ مخلصين في الوسط السنّي المغلوب، ما يزيد من اعتمادها على حلفاء المصالح والمقاتلين المأجورين، الذين يفتقرون إلى دوافع مبدئيةٍ تُعَدّ ضرورةً في أيّ دعوة دينية ناجحة.[93]

سيساهم إحياء التصوّف مجدداً بوصفه ظاهرةً دينية، في إعاقة السياسات الإيرانية، ولا سيما في بُعدها الديني. وفي منحًى آخر، يشكّل بقاء داعش بما تمثّله من رفضٍ حادّ، وباعتبارها جماعةً مقاتلةً لا تزال قادرةً على شنّ الهجمات من عمق سيطرتها وسط البادية،[94] عائقاً أو تهديداً آخر لهذه السياسات. وهذا البقاء يعزّز أيضاً حالة عدم اليقين بالمنتصر النهائي، ما يضعف الرهان على إيران بصفتها قوةً باقية، كما يضعفه، وبدرجةٍ أعلى بكثير، كلٌّ من بقاء القوات الأميركية في الجزء الآخر من دير الزور، وحربها الباردة المتواصلة ضدّ الإيرانيين.

القوى الفاعلة الأخرى في الساحة

في مجريات صراعٍ لم يُحسَم بعد في محافظة دير الزور، يهدّد وجود القوات الأميركية، والهجمات الجوية المتصاعدة لإسرائيل منذ صيف ٢٠١٩، الطموحات الإيرانية في المنطقة. فالهجمات الإسرائيلية على مواقع الحرس الثوري الإيراني في دير الزور، وإن كانت محدودة النتائج على الأرض، تُنشئ حالة إرباكٍ في صفوف الحرس والميليشيات.[95] وهي تُنذِر بتدخلّ إسرائيلي أوسع، سيشكّل إن لقي انخراطاً أكبر من القوات الأميركية، عائقاً جدّياً لسعي الإيرانيين إلى تمركز عسكري طويل المدى في منطقة انتشارهم الحالية في دير الزور، وسعيهم إلى التمدّد عسكرياً شرق الفرات، المنطقة الغنية بالنفط. ويولّد بقاء هذه القوات عوامل تهديدٍ إضافيةً لإيران في منطقة نفوذها الحالية، فالقوات الأميركية تحمي جزءاً مهمّاً من الكتلة الرافضة لإيران، التي يشكّلها النازحون من منطقة سيطرة النظام، والتي تؤثّر في الرأي العام السائد، وتشكّل عوامل ضغط اجتماعي وسياسي ومذهبي، على الأفراد والمجتمعات تحت سيطرة النظام ونفوذ الحرس الثوري. ولعلّ التظاهرات التي خرج بها نازحون قرب الحدّ الفاصل بين منطقتَي النظام وقوات سوريا الديمقراطية في ايلول ٢٠١٩، مطالبين فيها التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية () بتحرير قراهم وبلداتهم من "الميليشيات الإيرانية"،[96] تشير إلى الدور الذي يمكن أن تؤدّيه القوات الأميركية في استثمار هذه المطالب الشعبية ضدّ النظام والحرس الثوري في دير الزور.

وبالنظر إلى خريطة السيطرة العسكرية، يبدو أن الحرس الثوري قد استعدّ لمواجهة واسعة عبر انتشارٍ مدروسٍ يربط به مناطق نفوذه المختلفة داخل سوريا في ما بينها، وبالعراق ولبنان، البلديَن اللذين يتمتّع فيهما بنفوذٍ وتأثيرٍ كبيرَين.[97] وفي إطار الاستعداد نفسه، يحاول الحرس بناء شبكات أمنية عسكرية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، تساهم إلى جانب ما تساهم به خلايا داعش الأمنية هناك، في زعزعة الاستقرار الهشّ أصلاً، ما قد يعمّق الأزمات التي يواجهها الأميركيون وحلفاؤهم في شرق الفرات.

بيد أن التهديدات التي تطلقها ميليشياتٌ تابعةٌ للحرس الثوري للقوات الأميركية، لا تزال بلا تنفيذ،[98] ما يكشف تردّد هذه الميليشيات وقصورها عن إلحاق أيّ أذى فعليّ بالأميركيين. فحرب العصابات التي تلوّح بها إيران تواجه عوائق عدّة في تنفيذها العملي، أبرزها افتقار الحرس الثوري إلى حواضن اجتماعية في منطقة النفوذ الأميركي شرق الفرات، وافتقار الميليشيات السورية الوليدة التابعة للحرس، إلى المراس والخبرة والحماس الإيديولوجي لتطلق هذه الحرب ضدّ عدو قويّ مثل الأميركيين. ولن تكون مساهمة حزب الله أو غيره من القوى المُدرَّبة والخبيرة، كافيةً في هذه الظروف التي تختلف جذرياً عن ميادين المواجهة السابقة، حيث كان تأثير حرب العصابات موجعاً بالفعل للأميركيين.

ولا يبدو اليوم في محافظة دير الزور، حيث تقع الجبهة الأوسع للحرب الباردة بين إيران والولايات المتحدة في سوريا، أن لتحالف الإيرانيين مع الروس، على أهميّته للطرفين، نفعاً كبيراً لإيران في مواجهتها مع الأميركيين، بل قد يشكّل انتشار قواتٍ روسيةٍ بمئات الجنود في المحافظة عائقاً في حدّ ذاته أمام الإيرانيين.[99] فروسيا التي تمتلك أدوات تأثيرٍ ونفوذٍ من الأعلى على سلطة النظام المحلية، وجيشه وأجهزة مخابراته، تستطيع حتماً الحدّ من حرية الإيرانيين في الحركة، ومن نفوذهم. لكن الهيكلية والتسلسل القيادي الهرمي لهذه السلطات، إضافةً إلى خريطة انتشار القوات الروسية حول مدينة دير الزور، عواملُ تجعل الإعاقة التي يمثّلها الوجود الروسي محصورةً في هذه المدينة وما حولها، وبدرجةٍ أقلّ في مدينة الميادين، حيث يتحكّم عشرات الجنود الروس المنتشرين هناك بالحواجز ونقاط التفتيش داخل المدينة، وفي أطرافها.[100]

على مستوى آخر، يسيطر الروس على معبر الصالحية، المعبر البرّي الرئيسي والوحيد بين منطقتَي سيطرة النظام وقوات سوريا الديمقراطية في شمال دير الزور، ما يحدّ من التأثير الإيراني في ملفّ "المصالحات" مع النازحين، خارج مناطق سيطرة النظام. فقد افتتح الروس في مطلع العام ٢٠١٨، مركزاً للمصالحة هناك، يتولّى استقبال الشبّان العائدين، ويمنحهم أوراقاً تسهّل وصولهم إلى مدينة دير الزور لاستكمال إجراءات "تسوية أوضاعهم" الأمنية لدى مقرّات المخابرات في المدينة، قبل أن يبدأ دور ميليشيات الحرس الثوري في حال كان العائد يرغب في الإقامة في منطقة النفوذ الرئيسية لهذه الميليشيات في بلدة حطلة، وبين مدينتَي الميادين والبوكمال. وعموماً، نجح الايرانيون حتى الآن في التكيّف مع الوجود الروسي، وأبدوا مرونةً في التعاطي مع الرغبات الروسية التي قد تخالف في مرّاتٍ كثيرةٍ رغباتهم.

افتقار إيران إلى الموارد المالية الكافية

تقلّصت الأموال في يد الحرس الثوري بفعل العقوبات الأميركية على إيران التي دخلت حيّز التنفيذ منذ آب ٢٠١٨. ولئن كانت آثار ذلك لا تظهر بصورةٍ واضحة، تدلّ بعض المؤشّرات المتفرّقة على انكماشٍ في المخصّصات المالية للحرس. فانخفضت مثلاً رواتب العناصر المحليين في صفوف ميليشيا لواء فاطميون إلى ٦٠ ألف ليرة سورية في أوائل العام ٢٠١٩، من ١٠٠ ألف ليرة عند تطوّعهم في الميليشيا خلال العام السابق.[101] يؤكّد هذا الانكماش أيضاً تباطؤ حركة التجنيد منذ بداية صيف ٢٠١٩، بل وتوقّفها ولو مؤقّتاً في أوساط الشبّان المحليين، في محاولةٍ من الحرس الثوري لترشيد الموارد وتقليص النفقات إلى الحدود اللازمة في كلّ مرحلة.[102]

وقد يكون تجنّب الإيرانيين، مباشرةً عبر قادة الميليشيات، أو عبر المنظمات والكيانات التابعة لهم، إطلاقَ مشاريع، ولو صغيرة، ذات أثر مباشر على حياة العدد القليل من السكان في شرق دير الزور، دليلاً آخر على انكماش الموارد المالية. فلولا هذا الانكماش، ما كان الإيرانيون ليفوّتوا وسائل تغلغلٍ ودعايةٍ سهلةٍ عبر بعض المشاريع والبرامج الصغيرة، في مجالات الزراعة والمهن الحرة، مثل تقديم البذار، أو الأسمدة، أو الأدوية الزراعية، أو المحروقات للفلاحين، مجاناً أو بأسعار تشجيعية. وما كانوا ليفوّتوا فرصة التودّد إلى السكان في المدن والبلدات، عبر مشاريع غير باهظة التكاليف في مجال الخدمات العامة.

على مستوى أعلى، قد لا تجد إيران القدرة نفسها التي كانت لها على دعم نظام بشار الأسد اقتصادياً، عبر الخط الائتماني الذي خفّف بقروضه المتلاحقة منذ العام ٢٠١٣ من الضغوط التي يعاني منها اقتصاد النظام.[103] وتنشدّ الأنظار إلى إيران لرصد أيّ اضطرابات داخلية كبرى نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل العقوبات المشدّدة، فقد ينعكس ذلك ضعفاً وتراجعاً في أدوارها الخارجية. فهي وإن وجدت القدرة على المدى القريب، بما تمتلكه من بدائل وخيارات، على المضيّ في سياساتها الراهنة في سوريا، ستترك العقوبات، إن بقيت على فعاليّتها، حتماً آثاراً أشدّ وضوحاً على سياستها الخارجية، حيث ستخسر الموارد اللازمة لحشد المزيد من الأتباع في المجتمعات المحلية. حتى الآن لم تخرج الأزمة عن سيطرة الحكومة الإيرانية التي استطاعت، في هذه المرحلة على الأقلّ، امتصاص التأثيرات الحادّة للعقوبات، والتكيّف مع حزماتها المشدّدة.[104]

 

خاتمة

تعتمد إيران في سياساتها المحلية في محافظة دير الزور، على جملةٍ من أدوات وأساليب عسكرية متكاملة، تطبّقها عبر الميليشيات التابعة لحرسها الثوري. توفّر هذه الميليشيات الحماية اللازمة لأنشطة إيران المدنية الخيرية، التي تهدف إلى منح دورها وأدواتها العسكريَّين ما يفتقران إليه من شرعيّة.

وتستغلّ إيران في تلك السياسات ضعف النظام في استمالة مسؤولين محليين كبار، فتعمل على تسخيرهم في خدمتها، وعلى استمالة فاعلين محليين ونخبٍ إلى شبكاتها المتنوّعة، التي تستوعب أيضاً أشخاصاً طامحين أقلّ أهمية، سعياً منها إلى تحقيق وصولٍ أوسع وأعمق إلى المجتمعات المحلية. كذلك تستغلّ إنهاك هذه المجتمعات واستنزاف طاقتها، في توسيع مجالات حضورها العام في مختلف الجوانب، ولا سيما الديني منها، حيث أطلقت دعوات تشيٍّع بدأت تحصد بعض التقدّم.

لكن كل هذا النفاذ السهل في عمق السلطة ونسيج المجتمعات، لن يغيّر وجه هذه الأخيرة، إذ تبرز عوائق جذرية أمام الدور الإيراني، تحدّ من نفوذه: التباين المذهبي الذي يتغذّى على حالة احتقان طائفي سنّية - شيعية مزمنة؛ والتدخّل الإسرائيلي المدعوم من القوات الأميركية من مواقع انتشارها شرق الفرات؛ وعرقلة القوات الروسية لهذا الدور ولو قليلاً؛ وأخيراً العقوبات الأميركية التي بدأت تترك بعض التأثيرات المباشرة على القدرات الإيرانية في دير الزور.

إن التغلغل من الأعلى في حلقات الحكم العليا في دمشق، والاختراق الذي تحقّق في نسيج المجتمعات السورية، والانتشار العسكري الواسع على الأرض، يهيّئ لإيران فرصة البقاء الطويل في سوريا، ودير الزور ضمناً، خصوصاً لما تشكّله هذه الأخيرة من أهميةٍ استراتيجيةٍ لإيران، بقاء لن تجتثّه إلا تغييرات جذرية، سواء أكانت سياسيةً مع تغيير النظام في دمشق، أم عسكريةً تقتلع التوطّن الإيراني على الأرض.

 

 *زياد عواد: صحفي وباحث سوري يعمل ضمن المشروع البحثي «زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا» في برنامج مسارات الشرق الأوسط، والذي يشرف عليه مركز روبرت شومان للدراسات العليا بالجامعة الأوروبية في فلورنسا. يركز عمله على المناطق الشرقية في سوريا، وخاصةً على ديناميات الصراع المحلية في دير الزور والرقة. 

[1] عبد الرحمن الحج، البعث الشيعي في سورية ٢٠٠٧-٢٠١٩، جسور للترجمة والنشر، بيروت، ٢٠١٧.

[2] زياد عواد، "إعادة بناء شبكات النظام السوري في مدينة دير الزور: من هم الفاعلون المحليون؟"، تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا، إيطاليا: مشروع "زمن الحرب وما بعد الصرع في سوريا"، معهد الجامعة الأوروبية، اذار ٢٠١٩)، https://bit.ly/2CmJtAi

[3] المقصود فيلق القدس، الذراع الخارجي للحرس الثوري الإيراني. اختُصِرَت التسمية لتسهيل القراءة.

[4] أعدّ الباحث كل الخرائط استناداً إلى مقابلاتٍ أُجريَت عبر الإنترنت، بين آذار وحزيران ٢٠١٩، مع أعضاء محليين في هذه الميليشيات، وأشخاص مطّلعين ومقرّبين منها.

[5] التوطّن الرئيسي لقبيلة البقارة في محافظة دير الزور.

[6] فيلق أسود عشائر سوريا، "نداء الى كل شريف داخل وخارج الوطن"، فايسبوك، ١٠ حزيران ٢٠١٧، https://bit.ly/2KRJsZX

[7] تتبع هذه المجموعات للأشقّاء براء وحسام ومحمد القاطرجي، وهم من أثرياء الحرب. ظهرت في البداية بصفتها مجموعات لحماية مصالحهم التجارية في العامَين ٢٠١٤ و٢٠١٥، قبل أن تتوسّع وتنخرط في أعمال قتالية برعاية شعبة المخابرات العسكرية، ومعها لاحقاً الحرس الثوري الإيراني.

[8] لقاء عبر الإنترنت مع عنصر محلي في الفوج ٤٧-حرس، في تموز ٢٠١٩.

[9] محبي قائد الدفاع الوطني في دير الزور السيد فراس الجهام، "رجال عاهدوا الله صدقوا ما عاهدوا عليه"، فايسبوك، ٧ تموز ٢٠١٩، https://bit.ly/2PcAmuF

[10] الميادين، "قيادي في حزب الله: ما حصل في دير الزور انتصار استراتيجي"، يوتيوب، ٩ أيلول ٢٠١٧، https://bit.ly/313QJeb

[11] أمثال حسن عمر الحمادي الذي قُتِل في أيار ٢٠١٥، وحمزة نضال الحمادي. أنظر: أيمن أبو حيدرة، "[...] إليكم نبأ استشهاد الشهيد المجاهد أحمد إبراهيم المشحوذ (كرار)"، فايسبوك، ١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧، https://bit.ly/2KLTcVm

[12] ميليشيا عراقية جمعت عناصرها السوريين في تشكيل الفوج الخامس الخاص بهم. أنظر: أيمن جواد التميمي، "كتائب حزب الله الجناح السوري: مقابلة" (Kata’ib Hezbollah’s Syrian Wing: Interview)، مدوّنة، ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٨، https://bit.ly/2zbUhzc

[13]لقاء عبر الإنترنت مع نازح من بلدة حطلة في الشمال السوري، في نيسان ٢٠١٩.

[14] كما هي الحال في مناطق سورية أخرى. أنظر: نينار الراعي، "أوجه سلطة النظام السوري في بلدات الغوطة الشرقية"، تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا، إيطاليا: مشروع "زمن الحرب وما بعد الصرع في سوريا"، معهد الجامعة الأوروبية، ٣١ تموز٢٠١٩) ، https://bit.ly/2klif7m

[15] أبرزهم في السكرية سائق حافلة النقل الداخلي السابق، خضر خليل الحمدان، والمهني السابق في صناعة الكتل الإسمنتية، يوسف محمود الحمدان، الذي انتسب إلى الميليشيا، وصار قيادياً فيها.

[16] يبلغ الراتب الشهري ٩ دولارات أميركية تقريباً للعنصر الذي يؤدّي الخدمة الإجبارية، و٣٠ دولاراً لعنصر الاحتياط غير الموظّف في مؤسسة حكومية قبل التحاقه بخدمة الاحتياط، و٤٥ دولاراً تقريباً لعنصر الاحتياط الموظّف، وبسعر صرفٍ يعادل الدولار فيه ٦٠٠ ليرة سورية.

[17] أيمن جواد التميمي، "إعادة الإعمار في سوريا: مقابلة مع جهاد البناء" مدوّنة، ٤ كانون الثاني ٢٠١٩، https://bit.ly/2lnUrA       

[18] وكالة تسنيم الدولية للأنباء، "الجمهورية الإسلامية ترسل ألف طن من المساعدات إلى أهالي دير الزور"، ١٩ أيلول ٢٠١٧، https://bit.ly/2SRTtIM

[19] يضمّ عيادة داخلية وعيادة أطفال، ويُعرَف باسم مستشفى الفرات الميداني.

[20] جهاد البناء، "تعريف مؤسسة جهاد البناء وأهدافها"، فايسبوك، ١٦ أيلول ٢٠١٨، https://bit.ly/2yuoZ64

[21] صدى الدير، "أشاوس في قتالهم أمام الإرهاب أبطال في ساحات الوغى"، فايسبوك، ٢٩ نيسان ٢٠١٨، https://bit.ly/2HqdEJf

[22] وفق تقديرات الإنتاج خلال تشغيل داعش آبار الحقل. للمزيد أنظر: عين المدينة، "نفط دير الزور.. من الثورة حتى تنظيم ’الدولة الإسلامية’"، إصدار خاص، ص٢٣، آب ٢٠١٥، https://bit.ly/2lnC1j1

[23] في حال اقتسام الإنتاج بنسبة النصف مع وزارة نفط النظام، وبهامش أرباح للتاجر الوسيط، وبسعر30 - 40 دولاراً أميركياً للبرميل الواحد.

[24] في مدينة البوكمال مصفاتا نفط، واحدة في حي الصناعة، والأخرى في منطقة الحزام الأخضر جنوب المدينة.

[25] تحمي أيضاً قوافل النفط الخام القادمة من العراق.

[26] لقاء عبر الإنترنت مع أحد عناصر الميليشيات من مدينة البوكمال، في آب ٢٠١٩.

[27] لا سيما تهريب الدخان (السجائر) ومادة البنزين من العراق إلى سورية.

[28] لقاء عبر الإنترنت مع أحد أبناء البوكمال، في آب ٢٠١٩.

[29] إبراهيم الضلي، "محافظة دير الزور تكرم الأمهات في عيدهن"، جريدة الفرات، ٢٢ آذار ٢٠١٩، https://bit.ly/2Msc0Kp

[30] حزب البعث العربي الاشتراكي -فرع دير الزور، "برعاية الرفيق ساهر الحاج صكر عضو اللجنة المركزية أمين الفرع"، فايسبوك، ٣٠ أيار ٢٠١٩ https://bit.ly/2Zcq8iw

[31] صدى الدير، "صالة نادي الفتوة تنقل مباريات كأس العالم"، فايسبوك، ٢٣ حزيران ٢٠١٨، https://bit.ly/2YsH27u

[32] عثمان الخلف، "برعاية المحافظ.. المركز الثقافي الإيراني بدير الزور يكرم ٥٠ طفلاً يتيماً مع جمعية النهضة النسائية" وكالة إيران اليوم الإخبارية، ٤ كانون الثاني ٢٠١٩، https://iranalyoum.com/?p=19925

[33] مالك أبو أنس الديري، "فعالية لي بصمة شباب سورية تعاون مع المركز الثقافي الإيراني في ريف دير الزور"، فايسبوك، ١ آب ٢٠١٨، https://bit.ly/2Zmq1x5

[34] لقاء عبر الإنترنت في آذار ٢٠١٩. وفقاً لقريب أحد الطلاب المتفوّقين، يقدّم المركز راتباً شهريّاً قدره ١٥ ألف ليرة سورية للطلاب العشرة الأوائل في المحافظة.

[35] سانا، "فعاليات منوعة للأطفال في مهرجان ’الليالي الساطعة’ في دير الزور"، ١٦ حزيران ٢٠١٩، https://bit.ly/2ZoFY5I؛ مركز الثقلين الخيري، "تقرير الإخبارية السورية عن تكريم مركز الثقلين لأمهات الشهداء في محافظة دير الزور بمناسبة عيد الأم"، فايسبوك، ٢٢ آذار ٢٠١٨، https://bit.ly/2YAasjW؛ الشيخ محمود العداي، "شهادة الشكر والتقدير لسيادة اللواء شوقي أحمد يوسف رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية بالمحافظة، وتكريم وشكر سيادة المحافظ عبد المجيد كواكبي"، فايسبوك، ٤ كانون الأول ٢٠١٨، https://bit.ly/2NtevNe

[36] حينذاك كان يُعرَف باسمٍ آخر هو الحاج حسين، الشخص النافذ والمتفاني في مساعدة شيعة حطلة النازحين على استئجار منازل، والحصول على حصص غذائية شهرية، وغير ذلك. لقاء عبر الإنترنت مع شخص يَعرِف الحاج أبو صادق/الحاج حسين، طلب إغفال هويته، في نيسان ٢٠١٩.

[37] لقاء عبر الإنترنت مع زميلٍ سابقٍ للكواكبي في نقابة محامي حلب، في ١٦ أيلول ٢٠١٩.

[38] د. علاء الجوادي، "حلقات الوداع (٦)"، مؤسسة النور للثقافة والإعلام، ٧ كانون الثاني ٢٠١٦، https://bit.ly/2mnCthw

[39] سفارة جمهورية العراق في بيرن، "السيرة الذاتية للدكتور علاء الجوادي"، https://bit.ly/2mqyIHY

[40] لقاء مع موظّف حكومي في مدينة دير الزور، في نيسان ٢٠١٩.

[41] تضمّ المنطقة الشرقية محافظات دير الزور، والرقة، والحسكة. وتقع قيادة فرع المخابرات الجوية في مدينة دير الزور.

[42] لقاء عبر الإنترنت مع موظّف حكومي في دير الزور، في آب ٢٠١٩.

[43] لقاء عبر الإنترنت مع أحد معارف الزعل، في آب ٢٠١٩.

[44] الشيخ محمود العداي، "في مدينة درعا تكريم سيادة العقيد جهاد زعل على مواقفه البطولية"، فايسبوك، 14 كانون الثاني ٢٠١٦، https://bit.ly/30E2p7A

[45] فرقة عسكرية مهمّة في الجيش السوري.

[46] جُرف نيوز، "حملة اعتقال للمطلوبين للخدمة العسكرية بقوات النظام في ريف دير الزور"، ٢٦ أيار ٢٠١٩، https://bit.ly/317v3y0

[47] هما المهندس المدني بشار شباط، ومحمد دهموش، تاجر الحبوب والمواد الغذائية ثم رئيس الهلال الأحمر السابق.

[48] أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الواقعة تحت هيمنة حزب البعث.

[49] لقاء عبر الإنترنت مع تاجر من دير الزور، في حزيران ٢٠١٩.

[50] لقاءات عبر الإنترنت مع عاملين في توزيع الأدوية وتجارتها في سوريا، بين آذار وحزيران ٢٠١٩.

[51] نقابة صيادلة سوريا، "نبارك لفرع دير الزور لنقابة صيادلة سورية اجتماع الهيئة الانتخابي ونبارك للزملاء الناجحين"، فايسبوك، ١٧ كانون الأول ٢٠١٨، https://bit.ly/2Owst39

[52] منذ اقترانها بالعميد سليمان في العام ١٩٩٧، وحتى مقتله في العام ٢٠٠٨ في عملية اغتيال غامضةٍ اتُّهِمَت بتنفيذها إسرائيل، صارت ريم شويش واحدةً من أوسع الشخصيات نفوذاً في دير الزور.

[53] رجاء حيدر، "مؤسسة الوعد الخيرية ... وامرأة من هذا الزمان"، موقع زنوبيا الإخباري، ٣ كانون الثاني ٢٠١٤، https://bit.ly/2lbo2wz

[54] وكالة سانا، "مؤسسة الوعد الصادق تحتفل بذكرى تأسيسها بمجموعة من أبطال الجيش والمدنيين في فيلم ’نصف القمر’"، ١٢ آذار ٢٠١٧، https://sana.sy/?p=521299

[55] معارض ومؤتمرات سورية، "بالتعاون بين مجموعة مشهداني الدولية للمعارض والغرفة التجارية السورية الإيرانية المشتركة"، فايسبوك، ٢٩ حزيران ٢٠١٩، https://bit.ly/2ZmL7PN

[56] منار الزايد، "مدير عام مجموعة مشهداني الدولية للمعارض والمؤتمرات: المعرض الدولي الرابع لخدمات الشركات ورجال الأعمال"، أخبار سورية والعالم، ٥ نيسان ٢٠١٧، https://bit.ly/2m018IP

[57] لقاء عبر الإنترنت مع أحد أبناء بلدة السكرية، في أيلول ٢٠١٩.

[58] تشكّل عشيرة الحسون واحداً من فرعَين لعشيرة البوكمال، التي تتفرّع بدورها عن قبيلة العكيدات، أكبر قبائل محافظة دير الزور.

[59] وكالة إرنا، "دیدار نماینده عشایر سوریه در ایران با ولایتی"، تاريخ فارسي: ۱۱ اردیبهشت ۱۳۹۷، https://bit.ly/2L92zNL.في لقاء صحفي، قال الدندل إن تاريخ إيران معروف، إضافةً إلى قوّتها وصدقها مع الشعب السوري، واستنكر اتّهامها بالتدخّل في شؤون المنطقة العربية، قائلاً إنها صديقة ومساندة في الانتصار على العدوان، وليست دولة غريبة أو عدوة. وكالة تسنيم الدولية للأنباء، "نقيب المحامين في دير الزور لـ’تسنيم’: إيران شريك في جبهة المقاومة وضد مشاريع أمريكا"، ١٩ أيار ٢٠١٨، https://bit.ly/2ZrGdjT

[60] فرع من قبيلة البوشعبان التي تتركّز في محافظة الرقّة.

[61] تأسّس في العام ٢٠١١ بموجب مرسومٍ من بشار الأسد. ضمّ تحت مظلّته معاهد دينية، سنّية وشيعية، لم يكن مُعترَفاً بشهاداتها من قبل وزارة التعليم. أنظر عمر المالكي، "’معهد الشام’ امتداد جديد للتعليم العالي"، موقع e.syria، ١٠ أيلول ٢٠١١، https://bit.ly/2mnKoLv

[62] لقاء عبر الإنترنت مع إحدى قريبات السيدة فلة الشيخ، في أيلول ٢٠١٩.

[63] لقاء عبر الإنترنت مع أحد أصدقاء الجراد، في أيلول ٢٠١٩. للمزيد أنظر: عين المدينة، "سفير الجراد.. ’العجي’ الذي سيصبح وزير أوقاف"، ٣٠ آذار ٢٠١٧، https://bit.ly/2kVkKNV

[64] المركز العالمي للمستبصرين، "السيد حسين الرجا"، ٢٣ تموز ٢٠١٨، https://bit.ly/2mgvk2A

[65] أيهم البدراني، "محمد أمين حسين الرجا وكيل إيران الأول بدير الزور"، عين المدينة، ٢٣ شباط ٢٠١٨، https://bit.ly/2FIshXs

[66] مثالٌ على ذلك تعيين الصحفي الشيعي المتحدّر من البلدة، عثمان سلامة الخلف الهلال، رئيساً لتحرير صحيفة الفرات الرسمية المحلية، في نيسان ٢٠١٨. أنظر: فرات بوست، "إيران توسع نفوذها داخل دوائر الأسد الحكومية"، فايسبوك، ١ أيار ٢٠١٨، https://bit.ly/2ywGHG5. ومثالٌ آخرتعيين المقاول الصغير المتشيّع، ياسر العلي، رئيساً لنادي اليقظة، ثاني أكبر الأندية الرياضية في محافظة دير الزور. أنظر: يقظاوية ’الرسمية الوحيدة لنادي اليقظة’، الحاج ياسر العلي رئيساً لنادي اليقظة" فايسبوك، ١٩ تموز ٢٠١٩، https://bit.ly/2LbUkAD

[67] لقاء عبر الإنترنت مع أحد أبناء مدينة القورية.

[68] زمان الوصل، "دير الزور.. مزار شيعي على ’عين علي’"، ٢٣ كانون الثاني ٢٠١٨، https://bit.ly/2YiAUDu؛ فرات بوست، "نبع عين علي في ريف دير الزور بعد تحويله إلى مزار للميليشيات الطائفية"، يوتيوب، ١٤ آذار ٢٠١٨، https://bit.ly/2LQACx7

[69] مثل عائلات الملا حميد، والدبس، والبرغوث، والسياد، والعلاو.

[70] مثل الشيخ الطبيب صدّيق السيد رمضان، النازح حتى الآن في دمشق، وشقيقه شهير، النازح في ولاية ألازيغ التركية، والشيخين الثوريين عبد الواحد المحيميد، وسامر الدبس، النازحَين في مدينة الباب، والملا صالح، النازح في بلدة الشعفة الواقعة تحت سيطرة قسد.

[71] كان عدد سكان البوكمال ١٠٠ ألف نسمة قبل الثورة. أما اليوم، فهو أقلّ من عدد النازحين عنها في مدينة الباب الواقعة تحت سيطرة المعارضة شرق حلب، ومن عددهم في محافظة إدلب، وأقلّ من عدد اللاجئين من أهلها في ولاية ألازيغ التركية. لقاءات عبر الإنترنت مع عضوَين في رابطة أهل البوكمال في مدينة الباب، في تموز ٢٠١٩.

[72] جامع الحسين في حيّ الحمدان جنوب السكرية.

[73] إبراهيم العبيدي، "عصابات سنية خامنئية في العراق تدعى ’الإسلام المحمدي’!"، بغداد بوست، ٨ حزيران ٢٠١٨،  https://bit.ly/2luhAQY  

[74] الإعلام الرسمي للحوزات العلمية - قم المقدسة، "الإمام الخميني والإمام الخامنئي هما حاملا لواء الإسلام المحمدي الأصيل في زماننا"، ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٧، https://bit.ly/2luJHQ0

[75] أربعة آلاف شخص تقريباً في بلدة حطلة، و٦٠٠ تقريباً في قرى الصعوة، والكبر، والكسرة في ريف دير الزور الغربي. لقاءات عبر الإنترنت مع ٣ أشخاص من هذه القرى، في نسيان ٢٠١٩.

[76] لقاء عبر الإنترنت مع شخص من المحافظة كان حاضراً في بعض هذه الاحتفالات، في ١٥ أيلول ٢٠١٩.

[77] مثلما تدفعهم الحاجة إلى الاستفادة من مساعدات تقدّمها جمعيات ومنظمات خيرية مسيحية، مثل جمعية دير مار يعقوب، وجمعية مار أفرام، وبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس - دائرة العلاقات المسكونية والتنمية، من دون أن يثير ذلك لديهم أيّ حساسية دينية تجاه طبيعة هذه المنظمات وأهدافها.

[78] أهمّ هذه الطرق اليوم في محافظة دير الزور: الطريقة الشاذلية القادرية، والطريقة الرفاعية، والطريقة النقشبندية.

[79] انطلاقاً من عقيدته السلفية التي ترى في التصوّف انحرافاً عن الإسلام.

[80] أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، الذين يعتبرهم الشيعة الإثنا عشرية متآمرين في ما بينهم ضدّ تولّي علي بن أبي طالب الخلافة بعد وفاة النبي.

[81]عُقِدَت مرّة في الأسبوع في جامع أبي ذر الغفاري، في حيّ الموظّفين، وجامع خالد بن الوليد في حي القصور، في مدينة دير الزور.

[82] لقاءات متكرّرة عبر الإنترنت، بين آب وأيلول ٢٠١٩، مع أربعة أشخاص من أتباع الطرق الصوفية في محافظة دير الزور.

[83] فرقة دينية باطنية أخذت تتشكّل بعد انشقاقها عن المذهب الشيعيّ بدءاً من القرن الثالث للهجرة.

[84] افشان استوار، "المعضلات الطائفية في السياسة الخارجية الإيرانية: حين تتصادم سياسات الهوية مع الاستراتيجية"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٦، https://bit.ly/2CS09Pl

[85] فراس الياس،"الجهادية الشيعية ... التمظهر الآخر للثورة الخمينية"، مركز العراق الجديد، ١٦ كانون الأول ٢٠١٨، https://bit.ly/2lwysae

[86] الوصف المُستمَدّ من السجالات الدينية التاريخية.

[87] لقاء عبر الإنترنت مع ناشط سلفي من محافظة دير الزور، في أيلول ٢٠١٩.

[88] عربي بوست،"داعش وجد ملاذه الإلكتروني الآمن.. أنصاره يبثون دعايتهم عبر شبكة ZeroNet التي تستخدم أسلوباً فريداً لتجنب الرقابة"، ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٩، https://bit.ly/2m2RCVj

[89] للمزيد أنظر: حسن أبو هنيّة ومحمد أبو رمّان، "تنظيم ’الدولة الإسلامية’: الأزمة السنّية والصراع على الجهادية العالمية"، مؤسسة فريدرش إيبرت (مكتب عمّان)، ٢٠١٥، https://bit.ly/2na1vkB ؛ وحازم الأمين، "في معنى أن نتنصر إيران"، الحياة، ٣ أيلول ٢٠١٧،https://bit.ly/2kTon72

[90] تشكّل هذا الظنّ في مدينة دير الزور من خلال المعايشة المباشرة في ظلّ داعش لحوالى ألفَي شخصٍ عادوا إلى المدينة من منطقة سيطرة داعش السابقة، وبتأثير الروايات الشفهية والأنباء المتناقلة في هذا الشأن لدى الأكثرية.

[91] لقاء عبر الإنترنت مع خطيب جمعة سابق يقيم في محافظة دير الزور، في ١٦ أيلول ٢٠١٩.

[92] المرجع السابق.

[93] لقاء عبر الإنترنت مع أحد المتشيّعين الأكبر سنّاً من محافظة دير الزور، في آب ٢٠١٩.

[94] الشرق الأوسط، "داعش يصعد من هجماته في البادية السورية"، ٢٢ نيسان ٢٠١٩، https://bit.ly/2lZJIfo

[95] أسرة التحرير، "هل وأدت إسرائيل أكبر مشروع إيراني للتمركز في سوريا؟"، جاده إيران، ٩ أيلول ٢٠١٩، https://bit.ly/2nM258h

[96] موقع حلب اليوم، "مظاهرات في ريف دير الزور تطالب بطرد النظام من المنطقة"، ٢٠ أيلول ٢٠١٩، https://bit.ly/2mgjgOX

[97] خضر خضّور، "أكثر من مجرّد حدود"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ٣ أيلول ٢٠١٩، https://bit.ly/2ktmmyj

[98] أبرز مثال تهديد لواء الباقر بالانتقام لقتلى ميليشيات الحرس الثوري، الذين قضوا في القصف الأميركي خلال هجوم فاشل ومُكلِف نفّذته قواتٌ مشتركةٌ، ضمّت لواء فاطميون، ولواء الباقر، وفيلق أسود عشائر سوريا من جانب الحرس الثوري، وفرقة المرتزقة- فاغنر، من جانب الروس، على معمل كونيكو للغاز الواقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وحلفائها الأميركيين، في شباط ٢٠١٨. أنظر: قناة الكوثر، "عشيرة البكارة ولواء الإمام الباقر يصدران بياناً نارياً للقوات الأمريكية"، ٩ شباط ٢٠١٨، https://bit.ly/2nOTVMx. ومثالٌ آخر هو البيان النوعي الذي أصدره لواء الباقر في نيسان ٢٠١٨، وأعلن فيه "بدء الأعمال العسكرية والجهادية ضدّ الاحتلال الأمريكي ومَن يتحالف معه في سوريا". جُرف نيوز، "ميليشيا الباقر تعلن ’الجهاد’ ضد القوات الأمريكية في سوريا"، ٦ نيسان ٢٠١٨، https://bit.ly/2ndyAfc

[99] علي هاشم، "أسباب المواجهة الروسية الإيرانية في سوريا"، بي بي سي العربية، ٦ تموز ٢٠١٩، https://bbc.in/2m6VF3n

[100] سمارت نيوز، "قوات روسية تتسلم إدارة مداخل مدينتي دير الزور والميادين"، ٢٢ آب ٢٠١٨، https://bit.ly/2K5diti

[101] لقاء عبر الإنترنت مع عنصر محلي في صفوف ميليشيا فاطميون، في آب ٢٠١٩.

[102] لقاء عبر الإنترنت مع عنصر في ميليشيا تابعة للحرس الثوري، في تموز ٢٠١٩.

[103] سيلفا وستال وسليمان الخالدي، "سوريا تصادق على خط ائتمان جديد بمليار دولار من إيران"، رويترز، ٨ تموز ٢٠١٥، https://bit.ly/2m3qt4k

[104] راز زيمت وتومر فادلون، "الأزمة الاقتصادية والحركة الاحتجاجية في إيران: بعد عام على تجديد العقوبات" (The Economic Crisis and the Protest Movement in Iran: One Year after the Renewal of Sanctions)، معهد الدراسات الأمنية الوطنية (INSS)، ٢٨ آب ٢٠١٩، https://bit.ly/2kJxreO

من نحن

  • يروّج برنامج مسارات الشرق الأوسط البحوث المتعددة التخصّصات، بناءًا على نتائج العمل الميداني وبالتعاون مع باحثين من المنطقة.
    يعتمد هذا البرنامج على: 
    تحليل على أساس بحوث تجريبية أُجريت في الميدان
    مقاربة متعدّدة التخصّصات تُركزّ على دراسة الديناميكيّات الرئيسيّة والمتشابكة 
    منظور متوسط الأجل إلى طويل الأجل، يهدف إلى تحديد الإتجاهات، مُتميّز عن منظور
    المؤسسات الفكرية والمعاهد غير الأكاديمية الأخرى، التي نِتاجها وتمويلها تُحدَّدُ بواسطة خُطط سياسية قصيرة المدى.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union