Home page

الحوكمة في درعا جنوب سوريا: أدوار الوسطاء العسكريين والمدنيين

  • الكاتب: عبد الله الجباصيني
  • التاريخ: الإثنين, 04 تشرين الثَّاني 2019
  • ترجمة: فريق دوكستريم

تحميل الملف pdf

 

ملخّص تنفيذي                    

استعادت الحكومة السورية في تموز ٢٠١٨ سيطرتها على محافظة درعا إثر مفاوضات بوساطة روسية انتهت باستسلام فصائل المعارضة المسلحة. لم يكفّ العنف عن التصاعد منذ ذلك الحين، فيما واجهت الدولة عدة تحديات لاستئناف تقديم الخدمات. ورغم تشابه الأوضاع في المحافظة إلا أن هناك تباينات على المستوى المحلي، ففي حين تتمتع بعض المناطق التي تعد آمنة نسبياً بخدمات أفضل من مناطق أخرى يتراجع فيها الأمن ويعاني فيها المدنيون لتلبية احتياجاتهم اليومية.

من خلال دراسة التفاعلات الجارية على المستوى المحلي، تخلُص هذه الدراسة إلى وجود الاختلافات التالية: أولاً، تتمتع المنطقة الشرقية في درعا بخدمات وأوضاع أمنية أفضل، وذلك بسبب توافر اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من روسيا وفعاليته. حيث يمكن لأهالي هذه المنطقة الضغط على قيادة اللواء الثامن لينقل مطالبهم إلى المؤسسات المحلية أو السلطات المركزية والتأكد من الإصغاء لها.

ثانياً، تعاني المنطقة الغربية في درعا من تردّي الخدمات وتراجع الأمن. وعلى الرغم من تمركز الجيش العربي السوري ومجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية، تشهد المنطقة حرب عصابات مجهولة المصدر، وتفجيرات عبوات ناسفة، وعمليات اغتيال وخطف لمقاتلين سابقين من المعارضة ومسؤولين حكوميين وعناصر من الجيش النظامي والأجهزة الأمنية. بينما يعتمد المدنيون على مبادرات جماعية بحثاً عن حلول مؤقتة فيما يتعلق باحتياجاتهم اليومية، وذلك بسبب عدم توفر الوسيط، فيما قد يتفجر سخطهم أحياناً على شكل احتجاجات، وأحياناً أخرى على شكل مواجهات مباشرة مع القوات المسلحة التابعة للدولة.

ثالثاً، في مدينة درعا، تلعب لجنة المفاوضات المركزية دور الوسيط وتقوم بنقل مطالب المدنيين إلى المؤسسات المحلية أو سلطات الدولة المركزية. إلا أن السلطات تتجاهل مساعي اللجنة إلى حد كبير، ما يجعل السكان المحليين يرون فيها هيئة قليلة الجدوى. في هذه الحالات، يبادر المدنيون لإطلاق مبادرات تهدف لإيجاد حلول مؤقتة لتردّي الخدمات بينما يعبّرون عن سخطهم من سياسات الدولة أيضاً عن طريق الاحتجاج.

مقدّمة

في منتصف حزيران ٢٠١٨، شنّ الجيش العربي السوري حملة عسكرية مدعومة من سلاح الطيران الروسي لاستعادة محافظة درعا، معقل الفصائل المعارضة المقاتلة في الجنوب. وفي مواجهة العنف العشوائي، وضغط المدنيين، وتخلي الداعمين الخارجيين، اضطر قادة الفصائل للجلوس على طاولة المفاوضات، التي انتهت باستسلامهم في أوائل تموز. وفي مقابل تسليمهم المنطقة، حصل القادة السابقون على وعود شفهية من روسيا، تلخصت بإطلاق سراح المعتقلين من أبناء درعا والقنيطرة، وعودة النازحين داخلياً إلى ديارهم، وعودة المؤسسات الحكومية إلى العمل[1] وتوفير الخدمات، و"تسوية أوضاع" المنشقين والفارين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية من خلال "عملية المصالحة"، ودمج مقاتلي المعارضة السابقين في الفيلق الخامس الذي ترعاه روسيا، والسماح لموظفي الحكومة بالعودة إلى وظائفهم، ودمج مجلسي الحكومة والمعارضة في هيئة مشتركة.[2]

بعد أكثر من عام على استعادة الحكومة السورية السيطرة على درعا، ما تزال بنود الاتفاقية إما مغفلة كلياً أو مطبقة جزئياً. ويبدو المشهد السياسي والعسكري في درعا اليوم معقداً، حيث تبدو المحافظة أبعد ما يكون عن الاستقرار، مع توقع المزيد من الفوضى في المستقبل القريب. تتابع هذه الورقة التطورات الأخيرة في محافظة درعا، وتقترح إطاراً تحليلياً يساعد على فهم اختلافات الأمن بين المناطق المحلية وتوفير الخدمات وأدوار الوسطاء المدنيين والعسكريين. باستخدام هذا الإطار، تدرس الورقة بشكل معمّق الأوضاع في ثلاث مناطق من المحافظة: المنطقة الشرقية، والمنطقة الغربية، ومدينة درعا.

باستثناء ما ستتم الإشارة إليه أو الاستشهاد به، فإن البيانات المذكورة في هذه الورقة مستقاة كلها من مقابلات جرت بين أيار وتشرين الأول ٢٠١٩. تم اختيار المشاركين في المقابلات بشكل مدروس (وليس كعيّنة عشوائية) وكان من بينهم ضباط عسكريون، ومقاتلون سابقون من المعارضة، وعناصر من الفيلق الخامس، ومدنيون من محافظة درعا. نظراً إلى الأوضاع الحالية في المحافظة، ومن أجل سلامة من تمت مقابلتهم، تم إغفال ذكر الأسماء والتواريخ. وفي بعض الحالات تم حجب مواقع المصادر بناءً على طلب منهم.

الجزء الأوّل: الحوكمة والأمن: تأثير الوسطاء

خلال الحروب الأهلية، ليست فصائل المعارضة وحدها من تحكم، بل قد تتدخل أطراف عديدة أخرى لتضيف "طبقات" حوكمة عديدة.[3] في المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في سوريا، ثمة الكثير من الجهات الفاعلة غير الحكومية (كالإدارات المدنية، والمنظمات غير الحكومية، والمغتربين، وفصائل المعارضة) التي استطاعت فرض كلمتها في حكم المناطق والسكان. إلا أن الأدلة تشير إلى تمكن الحكومة السورية من اختراق العديد من الخدمات المقدمة للمدنيين المقيمين في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في محافظة درعا، ومن إدارة هذه الخدمات عن بعد. ففي العديد من الحالات، كانت الحكومة السورية تتحكم في إمدادات الكهرباء والمياه، وتبقي المدارس مفتوحة، وتنظم رواتب موظفي القطاع العام طوال سنوات الحرب. وفي تموز ٢٠١٨، كانت عودة جميع المؤسسات الحكومية وتوفير الخدمات الأساسية واحدة من التعهدات التي أفضت إليها المفاوضات التي تمت بوساطة روسية بين الحكومة السورية وقادة الفصائل. وقد عاودت المؤسسات الحكومية عملها في درعا بعد الاتفاق، وبدأت بتقديم الخدمات بحسب الموارد المتاحة، بما في ذلك السجلات المدنية والمدارس والبلديات والبريد والكهرباء والمياه. وعلى الرغم من أن استئناف عمل المؤسسات منذ ذلك الحين، إلا أن عدة تغيرات طرأت على أدائها وتفاعلاتها مع الأهالي المحليين.

تقترح هذه الدراسة تحليلاً على المستوى المحلي لفهم أشكال جديدة من التفاعلات الجارية بين الدولة والمجتمع. تبدو فكرة الوسطاء المحليين جوهرية من أجل فهم أفضل لتأثير التفاعلات التي تمت على المستوى المحلي على إدارة الدولة لعملية الحوكمة. وبينما سبق تناول أدوار الوسطاء المحليين في مرحلة ما بعد ٢٠١١ في كتابات سابقة،[4] تسهم هذه الورقة في توسيع فكرة الوسطاء لتشمل ليس فقط الأطراف المدنية (كالوجهاء والتجار والشخصيات الدينية) بل والعسكرية أيضاً.

في هذه الورقة، يشير مفهوم الوسيط، إلى الفاعل المدني أو العسكري الذي يحتل موضعاً بين السكان والمؤسسات المحلية، والذي ينقل مطالب السكان المحليين إلى هذه المؤسسات. بينما لا تتناول الورقة الدور الذي يلعبه الوسطاء في حل النزاعات داخل المجتمع. ثمة عاملان يؤثران في قرار الأهالي باللجوء إلى الوسيط لينقل مطالبهم إلى المؤسسات المحلية، أو ليساهم في الحوكمة المحلية عن طريق مبادرات مدنية، ويتمثل هذان العاملان بتوافر الوسيط من جهة؛ وفاعليته من جهة أخرى. يشير التوافر إلى وجود وسيط في مجتمع من المجتمعات متاحاً لتواصل المدنيين معه، بينما تقاس فعالية الوسيط بمدى تجاوب المؤسسات الحكومية أو سلطات الدولة المركزية مع ما ينقله من طلبات. بمعنى آخر، يكون الوسيط فعّالاً عندما تستجيب المؤسسات المحلية لشكاوى المدنيين التي ينقلها، وغير فعّال عندما تقوم بتجاهل هذه الشكاوى.

يأخذ الإطار المقترح في هذه الورقة بالإعتبار العوامل التالية: (١) الجهة/الجهات الفاعلة والمسيطرة؛ (٢) توافر وسيط مدني أو عسكري؛ (٣) مدى فعالية الوسيط؛ و(٤) الطرق البديلة التي يتبعها المدنيون في حال غياب الجهة الوسيطة، أو في حال توافر وسيط غير فعال. بالنظر إلى هذه العوامل، يمكن تصنيف المناطق المحلية في درعا وفقاً لثلاثة أنماط رئيسية يوضحها الجدول ١.

 

الجدول ١- توافر وفعالية الوسيط في المناطق الرئيسية في درعا

 

التوافر

 

نعم

لا

الفعالية

نعم

المنطقة (أ)

درعا الشرقية

-

لا

المنطقة (ج)

درعا البلد

المنطقة (ب)

درعا الغربية

 

على الرغم من أن هذا التصنيف لا يمثل جميع بلدات ومدن درعا، إلا أنه يلقي الضوء على ثلاثة تموضعات رئيسية، ومن المرجح أنه يستوعب طيف واسع من الديناميات المحلية وتفضيلات المدنيين في درعا بعد عودة حكم الدولة.

تغطي المنطقة (أ) مدن وبلدات المنطقة الشرقية من درعا، حيث يعتبر اللواء الثامن من الفيلق الخامس المدعوم من روسيا الجهة الرئيسية الفاعلة. وتتمتع هذه المنطقة بخدمات أفضل وأمن أكثر استتباباً بالمقارنة مع باقي المناطق. ويمثل اللواء الثامن جهة عسكرية متوافرة وفعالة يلجأ إليها الأهالي لنقل مطالبهم فيما يتعلق بعمليات الحوكمة التي تديرها الدولة.

تقع المنطقة (ب) في المنطقة الغربية من درعا، حيث تنتشر العديد من الجهات المسلحة التابعة للحكومة السورية وتتنافس فيما بينها، مثل بعض وحدات الجيش السوري ومجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية. تشهد هذه المنطقة عمليات حوكمة متردّية تديرها الدولة، بالإضافة إلى تدهور الوضع الأمني وتصاعد العنف السياسي. ولا تضم هذه المنطقة وسطاء بين السكان المحليين والحكومة السورية، فيما تظهر من وقت لآخر حركات مقاومة مدنية موجهة ضد الحكومة أو مبادرات مدنية جماعية.

تغطي المنطقة (ج) مناطق مثل درعا البلد، والتي تضم مقاتلين سابقين من المعارضة لا يزالون يحملون أسلحة خفيفة تحت سيطرة مطلقة من جانب الدولة. ولدى السكان المحليون في هذه المناطق جهات وسيطة متوافرة ولكن عديمة الفعالية، كما أن الحوكمة ضعيفة. وكما هو الحال في المنطقة (ب)، تكثر في هذه المنطقة حركات المقاومة المدنية الموجهة ضد الحكومة وكذلك المبادرات المدنية الجماعية المتعلقة بالحوكمة.

الخريطة ١- المناطق (أ، ب، ج)

المصدر: المؤلف

الجزء الثاني: المنطقة (أ): درعا الشرقية

تغطي هذه المنطقة المساحات الممتدة بين شرق محافظة درعا المحاذية لمحافظة السويداء والحدود الأردنية، وهي تضم مناطق مثل بصرى الشام ومعربة وقاسم وصماد والمتاعية والسهوة (انظر الخريطة ٢). تقع المنطقة (أ) تحت سيطرة اللواء الثامن[5] التابع للفيلق الخامس، الذي يحظى برعاية روسية ويعتبر القوة المسلحة الرئيسية المنتشرة في المنطقة. تم تأسيس اللواء الثامن في تشرين الأول ٢٠١٨ بقيادة أحمد العودة، زعيم فصيل قوات شباب السنة الذي تم حلّه، ويقع مقره الرئيسي في مدينة بصرى الشام. واعتباراً من تشرين الأول ٢٠١٩، تجاوز عدد مقاتلي اللواء الثامن ١٥٠٠، وبالإضافة إلى المدنيين فإن أكثر من ٧٥ بالمئة من عناصره من مقاتلي المعارضة السابقين الذين دخلوا في عملية مصالحة و"اندماج عسكري".[6]

الخريطة ٢- مدن وبلدات المنطقة (أ)

المصدر: المؤلف

يُعتبر اللواء الثامن اليوم الجهة العسكرية الرئيسية في المنطقة (أ)، وهو مسؤول عن حفظ النظام والأمن عبر إقامة الحواجز وتسيير الدوريات بانتظام. كما أن وحدات الجيش السوري والأجهزة الأمنية ممنوعة من دخول مناطقه، وهذا يعود إلى تعهّد الروس بذلك في أحد بنود مفاوضات تموز ٢٠١٨. ونظراً لتكليف روسيا اللواء الثامن إيلاء اهتمام كبير للتدابير الأمنية، تتمتع مدن وبلدات هذه المنطقة بمستوى أمان أعلى من باقي محافظة درعا، والتي تتصاعد فيها حالات الخطف والاغتيال وحرب العصابات. غير أن هذه المنطقة ليست بمنأى من العنف، فقد شهدت هجوماً في ١٩ تموز ٢٠١٩ إثر استهداف دورية تابعة للشرطة العسكرية الروسية بعبوة ناسفة بين الصحوة وبصرى الشام من قبل جهة مجهولة، إلّا أنها لم تؤد إلى خسائر في الأرواح. 

يعامل اللواء الثامن المدن والبلدات التي يتواجد فيها كمواقع سيطرة ونفوذ تابعة له، ويتمتع المدنيون في تلك المناطق بالحماية من عمليات الجيش العربي السوري. فمنذ تشرين الأول ٢٠١٩، لم يتم الإبلاغ عن أي حوادث تجنيد قسري، باستثناء سجناء جرى سَوقهم إلى الخدمة العسكرية فور انتهاء فترات حكمهم، وآخرين اختاروا أداء خدمتهم العسكرية ضمن الجيش العربي السوري بشكل طوعي. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن ٣٠٠ من هؤلاء فرّوا من وحداتهم العسكرية واحتموا في مناطق اللواء الثامن في الفترة ما بين تموز ٢٠١٨ وتشرين الأول ٢٠١٩، وذلك بعد إبلاغهم باحتمال زجّهم في معركة ضد فصائل المعارضة المتمركزة في محافظة إدلب.

كذلك يتمتع المدنيون بالحماية من الاحتجاز والاعتقال الحكومي، ليس فقط داخل مناطقهم بل وأيضاً على الطرق الواصلة فيما بينها. فعلى سبيل المثال، تلقى اللواء الثامن في آذار ٢٠١٩ عدة شكاوى من المدنيين وسائقي الشاحنات حول حالات مضايقة وابتزاز جرت لهم عند حاجز المخابرات الجوية قرب بلدة الصحوة، ما دفع عناصر من اللواء الثامن للتوجه إلى الحاجز ومنحه مهلة زمنية قبل إزالته، كما أشيعت أنباء عن تعرض عناصره للضرب والاعتداء. باختصار، "بفضلهم [مقاتلي اللواء الثامن] أصبحت المنطقة الشرقية من محافظة درعا أكثر المناطق أماناً بالمقارنة مع باقي المحافظة ... أفضل بكثير من المناطق التي يسيطر عليها جيش النظام السوري"، بحسب شهادة أحد سكان بصرى الشام.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب قيادة اللواء الثامن دوراً مهماً في التوسط بين أبناء المنطقة والحكومة السورية. فقد التمس العديد من أهالي المنطقة الشرقية في درعا وساطة أحمد العودة، طالبين منه التدخل بالنيابة عن ذوي المعتقلين من خلال علاقاته بالشرطة العسكرية الروسية أو مع دمشق مباشرة. وبحسب أحد أهالي شرق درعا: "لقد تمكن [العودة] من إطلاق سراح بعض الأشخاص مباشرة من خلال التواصل مع النظام في دمشق".[7]

في هذه المنطقة، التي لم يحلّ بها دمار هائل على غرار المناطق الأخرى في محافظة درعا، تقوم المؤسسات الحكومية حالياً بتقديم خدمات أساسية أفضل من باقي المناطق. وقد عادت هذه المؤسسات إلى هذه المناطق بدون مشاكل، أولاً بسبب موافقة الأهالي الفورية على المشاركة في المحادثات التي رعاها الجانب الروسي، وهو ما حال دون تدمير البنى التحتية الذي طال مناطق أخرى خلال حملة حزيران ٢٠١٨، وثانياً لأن مؤسسات الحكومة السورية وضعت يدها على مشاريع حوكمة سبق أن عملت عليها المجالس المحلية والمنظمات غير الحكومية التابعة للمعارضة.

ومن الأمثلة الجيدة على هذه المنطقة مدينة بصرى الشام، التي شهدت المفاوضات بين فصائل المعارضة وروسيا عام ٢٠١٨. وقد ساعد الاستسلام الفوري لقائد "قوّات شباب السنّة" أحمد العودة، الفصيل المعارض المقاتل في المنطقة في أواخر حزيران ٢٠١٨، في تجنيب البلدة دمار المؤسسات والبنى التحتية، فلا المباني الحكومية ولا المستشفى الرئيسي ولا الآبار ولا المدارس ولا سواها من البنى التحتية استُهدف خلال الحملة العسكرية التي شنتها الحكومة السورية بدعم من روسيا. وبالنتيجة تمكنت الحكومة من استعادة هذه المؤسسات بسرعة، فأعادت بعض موظفيها المفصولين إلى مركز البريد والاتصالات، وبدأت بتقديم المساعدات وتوفير الخدمات. ومنذ تموز ٢٠١٨ ومؤسسات المياه والكهرباء ومركز الشرطة والسجل المدني والمدارس في البلدة كلها تعمل على النحو المعتاد. مؤسسة المياه مثلاً استأنفت العمل واستولت على المشروع المائي الذي كان ينفذه المجلس المحلي المعارض في بصرى الشام بالتعاون مع منظمة آفاق المستقبل، والذي كان يستجر المياه من الآبار الواقعة في صماد نحو مركز البلدة. وبحسب ما يشرح أحد السكان فإنه "لم يكن من الصعب على النظام السوري مواصلة تقديم الخدمات هنا، إذ لم يكن أي شيء مدمراً عند عودة المؤسسات الحكومية".

ومنذ أيلول ٢٠١٨ تنفذ البلدية المنتخبة حديثاً العديد من المشروعات التي يمولها مجلس محافظة درعا بهدف صيانة البنية التحتية. تشمل هذه المشروعات، على سبيل المثال لا الحصر، تعبيد الطرقات داخل المدينة وخارجها، وإنارة الشوارع، وإصلاح شبكة الصرف الصحي، وجر المياه من الآبار خارج المدينة. كذلك تنسّق البلدية مع الهلال الأحمر السوري لتقديم المساعدات الإنسانية، وتتخذ تدابير لإنعاش اقتصاد البلدة، كالترويج لـ"مهرجان التسوق في بصرى" في آب ٢٠١٩، والذي دعا أكثر من ٩٠ مشروع تجاري للمشاركة فيه. كما ساعدت البلدية على تعزيز السياحة من خلال إعادة فتح المسرح الروماني في بصرى واستقبالها مجموعتين من السياح الإيطاليين في صيف ٢٠١٩.

وبالفعل يستفيد أهالي بصرى الشام من توفر الخدمات الأساسية. فهم يحصلون على مياه شرب، ولديهم مدارس مفتوحة بمراحلها المختلفة، ويتمتعون بتيار كهربائي بمعدل إمداد أربع ساعات يليها انقطاع لمدة ساعة أو ساعتين. ومع استعادة البنية التحتية، فتحت المطاعم والمقاهي القديمة والجديدة أبوابها للسكان والزوار، ما ساهم في تحسين الوضع الاقتصادي. ويعتقد المدنيون اليوم أنه لا بديل للمؤسسات الحكومية، وهو الاقتناع المستقى غالباً من تدهور الأوضاع في المناطق الخارجة عن سيطرة اللواء الثامن. وبينما لا يشارك المدنيون في عمليات صنع القرار ضمن المؤسسات المحلية، إلا أنهم يقبلون القيادة المحلية للواء الثامن وتأثيرها في السياسات وأشكال تنفيذها. ونظراً للانتماء السابق للقادة والغالبية العظمى من المقاتلين في اللواء الثامن إلى فصائل المعارضة أو إلى المدنيين، فإن الشبكات الاجتماعية العشائرية والعائلية تتيح للسكان المدنيين نقل مطالبهم أو شكاويهم المتعلقة بالحوكمة إلى المؤسسات الحكومية. ويقدم اللواء الثامن نفسه كجهة وسيطة قادرة على المساومة، نظراً لتمتعه المعروف بالرعاية الروسية.

وقد تواصل المدنيون في عدة مناسبات مع قيادة اللواء الثامن وأبلغوه عن تجاهل موظفي البلدية لشكاويهم. يقول أحد سكان بصرى الشام: "ذهبت إلى البلدية مرة لرفع شكوى تتعلق بكابلات كهربائية معطلة في شارعي. فطلبوا مني العودة لاحقاً ... عندما أخبرت العناصر [في اللواء الثامن] في البلدة بذلك، تم إصلاح الكابل صباح اليوم التالي ... نعم! لقد أجبروهم على إصلاحها". كذلك يقوم الأهالي أحياناً بمناشدة قيادة اللواء الثامن للتحقيق في حالات الفساد في المؤسسات الحكومية. وبحسب أحد سكان بصرى الشام: "مرة جاءت امرأة إلى شعبة التجنيد في المدينة لتحصيل بعض الأوراق لابنها، فطلبوا منها دفع رشوة، فما كان منها إلا أن اشتكت لأحمد العودة، الذي سرعان ما أمر بنقل الموظف من بصرى، وهو ما تم". علاوة على ذلك، قامت قيادة اللواء الثامن بدعم الوجهاء المحليين الذين كانت لهم اليد العليا خلال المفاوضات في تأمين عودة سكان البلدة الشيعة، وذلك بعد فشل حزب البعث – الذي عاد مؤخراً إلى المدينة – في تحقيق ذلك.

بينما ينظر المدنيون إلى اللواء الثامن كوسيط فعال يمكنهم التعبير عن مطالبهم الفردية أو الجماعية من خلاله، فإن العاملين في المؤسسات المحلية يقدّرون أيضاً وجود اللواء الثامن وتعاون عناصره معهم. فبالنسبة لهم تُعدّ الاستجابة السريعة للمسائل المتعلقة بالحوكمة التي يثيرها اللواء الثامن ضرورية لحفظ الأمن والنظام العام. وبحسب موظف حكومي من المنطقة الشرقية في درعا: "نلتقي بهم [قيادة اللواء الثامن] وهم يتواصلون مع الناس كل يوم ويطلعون على احتياجاتهم ... نتعاون كثيراً. يخبروننا عن قضايا المياه والكهرباء ونستجيب مباشرة بحسب الموارد المتاحة ... هذا أقل ما يمكننا فعله ... لا تنسوا أنهم يحموننا ويحمون مبانينا أيضاً". ويقول أحد أعضاء اللواء الثامن إن العناصر يعملون على تسيير الدوريات ونصب الحواجز "لحماية السكان وموظفي المؤسسات الحكومية من التفجيرات والخطف والاغتيالات ومن أي هجوم محتمل ينفذه مسلحون مجهولون ... هم يعرفون أننا نحميهم، لذلك يرحبون بنا دائماً في مكاتبهم".

الجزء الثالث: المنطقة (ب): درعا الغربية

بينما يتمتع سكان المناطق التي يسيطر عليها اللواء الثامن بالخدمات والازدهار النسبي، تكافح المؤسسات المحلية في المنطقة الغربية من درعا لتلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين. يعود ذلك لثلاثة أسباب رئيسية. أولاً تعرضت البنية التحتية في هذه المناطق لدمار جزئي أو كامل نتيجة الحملة العسكرية في حزيران ٢٠١٨. ثانياً أدى الصراع بين الجهات الأمنية المختلفة مثل وحدات الجيش السوري وأجهزة الأمن الأخرى التابعة للدولة إلى تراجع الأمن وتقويض عمليات الحوكمة. ثالثاً، لا توجد قناة وسيطة فعالة يمكن من خلالها للمدنيين نقل مطالبهم والضغط على المؤسسات المحلية لتنفيذ مشاريع متعلقة بالحوكمة. نتيجة لذلك، من المحتمل أن تشهد المنطقة توترات ومواجهات بين السكان المحليين والجهات المسلحة، وكذلك مبادرات جماعية لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

لقد استعادت الدولة في المنطقة الغربية من درعا سيطرتها غالباً من خلال عمليات عسكرية، وليس من خلال المفاوضات، كما أنه لا توجد جهة واحدة مسيطرة على الأمن هناك. وعلى الرغم من ارتباطها جميعاً بالدولة، إلا أن مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة تخوض معركة معقدة من أجل النفوذ، فوحدات الجيش السوري (كالفرقة الرابعة والتاسعة)، وفرع الأمن العسكري، والمخابرات الجوية، وفرع أمن الدولة، وحزب الله، جميعها حاضرة ونشطة سواءً عند مداخل المدن والبلدات أو حتى في داخلها.

ويتفشى العنف السياسي أكثر فأكثر في المنطقة (ب). فقد تم الإبلاغ عن عشرات حالات السطو والنهب والسرقة، ناهيك عن ما لا يقل عن ٧٥ حادثة هجمات بالعبوات الناسفة واعتداءات بالضرب واغتيالات في الفترة ما بين تموز وتشرين الأول ٢٠١٩، ما أسفر عن مقتل نحو ١٠٠ من مختلف الخلفيات (مقاتلي معارضة دخلوا في عملية المصالحة، ومسؤولين حكوميين، وعناصر من الجيش السوري، وأعضاء من الأجهزة الأمنية الحكومية) (انظر الخريطة ٣). كما نُصب عدد كبير من الحواجز بين المدن والبلدات وداخلها، وجرى اعتقال العشرات من مقاتلي المعارضة السابقين والمنشقّين عن الجيش والمتخلفين عن الخدمة العسكرية، وحتى المدنيين العاديين الذين انضموا إلى الجيش السوري أو أحد الأجهزة الأمنية. ويتفاقم الوضع الفوضوي هذا مع وجود خلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في درعا. وقد جرى استهداف دورية سورية-روسية مشتركة في ١١ تشرين الأول ٢٠١٩ بانفجار عبوة ناسفة بين مدينتي إنخل وجاسم، وأعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن الهجوم. وقد لا يكون العنف المتزايد بشكل عام مدفوعاً بالضرورة بدوافع سياسية، فقد يتعلق بصراعات خاصة أخرى، إلا أن المعطيات المتوافرة تشير إلى وجود حركة تمرد كامنة، وهو الوضع الذي لم تشهده الحكومة السورية في مناطق "المصالحة" الأخرى في سوريا.

خريطة ٣- عدد الهجمات بين تموز وتشرين الأول ٢٠١٩

المصدر: المؤلف

ومن الأمثلة على هذه المنطقة حوض اليرموك، الذي بقي حتى تموز ٢٠١٨ خاضعاً لسيطرة فصيل "جيش خالد بن الوليد" المحسوب على تنظيم الدولة الإسلامية. فنتيجة للحملة العسكرية التي هزمت الفصيل، تضررت المستشفيات والمدارس والآبار ومحطات الطاقة بشدّة وتعرضت محتوياتها للنهب. ومنذ هزيمة فصيل جيش خالد بن الوليد، أعادت المؤسسات الحكومية فتح أبوابها لكنها ما تزال غير فعالة. وعلى عكس المنطقة (أ)، يشكل الوضع الأمني ​​عقبة إضافية تضاف إلى الكفاح اليومي للأهالي للحصول على الخدمات الأساسية. كذلك طالت حملات الاعتقال المستمرة مقاتلي معارضة سابقين ومنشقّين، من بين الذين انضموا إلى الجيش السوري أو أحد الأجهزة الأمنية أملاً في الحصول على خدمات أفضل. إن حركة المدنيين في هذه المنطقة مقيدة بسبب الخوف من الحواجز والاعتقال. يقول أحد سكان حوض اليرموك: "لا يمكنني تحصيل الوقود لأنني لا أملك ’بطاقة ذكية‘ ... ولم أتمكن من الذهاب إلى مدينة تسيل لاستصدار هذه البطاقة، أتعرف لماذا؟ لأن فيها حاجزاً لديه قائمة بأسماء المطلوبين، ولا أعرف إن كان اسمي موجوداً على القائمة". 

الخريطة رقم ٤- حوض اليرموك، محافظة درعا

المصدر: المؤلف

الفرق الآخر المتعلق بالمنطقة (أ) هو العودة القوية لفروع حزب البعث إلى المنطقة الغربية من درعا. فبينما اقتصر تواصل الحزب مع الأهالي في بصرى الشام على المفاوضات الفاشلة المتعلقة بعودة السكان الشيعة، أُعيد إحياء فروع الحزب في حوض اليرموك، وقد رحّبت هذه الفروع بطلبات التسجيل الجديدة ونظمت عدداً من الاجتماعات والاحتفالات. على سبيل المثال، استأنفت منظمة طلائع البعث، التي تشمل طلاب المدارس الابتدائية، تنسيب الأطفال من خلال استضافتها نشاطات مسرحية وموسيقية.

علاوة على ذلك، بدا ضعف أداء البلديات في حوض اليرموك واضحاً. فقد طلبت من الهلال الأحمر السوري تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية، حيث لا تزال المساعدات الحالية "غير منتظمة وغير كافية" بحسب أحد السكان. ولا تتجاوز أنشطة البلديات التوزيع غير المنتظم للطحين والخبز، والصيانة المؤقتة للطرقات، وتوفير إمدادات كهرباء متواضعة (٤ ساعات في اليوم)، وصيانة أبراج الاتصالات. وقد ذكر أحد سكان قرية القصير أن مدن وبلدات حوض اليرموك "لا تملك أدنى حد من ضروريات الحياة"، ونقل شخص آخر عن موظف في البلدية، بعدما سأله عن التدابير اللازمة لترميم إمدادات الكهرباء والماء، أن الحكومة لم تبدأ بتنفيذ أية مشاريع كبيرة الحجم لأنها "لا تملك القدرة ولا الموارد المالية للقيام بذلك". ويمثل نقص عدد موظفي الدولة في المنطقة تحدياً آخر. فبخلاف بصرى الشام، الكثير من موظفي الحكومة في غرب درعا "فُصلوا من وظائفهم، سواءً بسبب نشاطهم السياسي ضد النظام السوري أو بسبب توقفهم عن العمل لأكثر من ١٥ يوماً"، بحسب ما أفاد أحد السكان.

من التدابير الوحيدة الواضحة التي اتخذتها السلطة المركزية هي مساعدة الفلاحين على إنعاش الزراعة في المنطقة. وبالفعل بدأت وحدات الجيش السوري في تشرين الأول ٢٠١٨، بناءً على طلب من البلديات وغالباً بعد تحصيل رشاوى من الفلاحين، بإزالة الألغام في الأراضي الزراعية. ولقي ما لا يقل عن ١٠ من أعضاء الوحدات الهندسية مصرعهم أثناء إزالة الألغام التي كان قد زرعها فصيل جيش خالد بن الوليد. علاوة على ذلك، في الفترة ما بين تشرين الأول ٢٠١٨ وآب ٢٠١٩، لقي نحو ٤٥ مدنياً مصرعهم، بعضهم فلاحون كانوا يعملون في أراضيهم، جراء انفجارات ألغام. وقد كان الخوف من مثل هذا المصير، بالإضافة إلى خطر التعرض للاعتقال، والضرر البالغ الذي تعرضت له الأراضي، وارتفاع تكاليف نقل المواد الزراعية والمحاصيل، وانتشار الآفات، كلها من الأسباب التي حالت دون متابعة الفلاحين القيام بأنشطة زراعية.

الوساطات الفعالة غائبة في المنطقة (ب)، ما يترك المدنيين أمام خيار وحيد هو اتخاذ مبادرات جماعية. وقد ظهرت في بعض البلدات والقرى مبادرات غير رسمية تقوم على الروابط العائلية لإيجاد بدائل مؤقتة للمؤسسات المحلية المتقاعسة عن أداء واجباتها المتعلقة بالحوكمة. على سبيل المثال، قرر الأهالي في عدد من مناطق حوض اليرموك إزالة الأنقاض بأنفسهم، وإعادة بناء منازلهم وإصلاح البنية التحتية المحلية (من إصلاح للشوارع واستعادة لإمدادات الكهرباء)، غالباً باللجوء إلى مدخراتهم الشخصية.

وبتجاوزهم المؤسسات الحكومية واضطلاعهم بأنشطة مرتبطة بالحوكمة، لا يقف المدنيون متفرجين على الفلتان الأمني الذي يتهددهم، فقد يختارون المواجهة في حال تعرضهم للخطر. في أواخر أيلول ٢٠١٩، تم اعتقال عدد من مقاتلي المعارضة السابقين والمدنيين على حاجز للمخابرات الجوية بين بلدتي تسيل وسحم الجولان. ورداً على ذلك، أقام مدنيون من المنطقتين ومناطق أخرى كالقصير وحيط حواجز على بعد أمتار قليلة من حواجز جهاز المخابرات المذكور للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين. بَيد أن محاولتهم تلك لم تثمر، حيث تجاهل الفرع مطالب الأهالي ونشر المزيد من العناصر على حواجزه.

الجزء الرابع: المنطقة (ج): درعا البلد

بينما يوجد وسيط عسكري فعال في المنطقة (أ)، يوجد في المنطقة (ج) وسيط مدني لتلقي شكاوى الأهالي، إلا أنه لم ينجح في دفع الحكومة السورية والمؤسسات المحلية نحو الإصغاء والتجاوب، بحسب العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم. ويقدم حي درعا البلد في مدينة درعا، والذي كان يمثل أحد معاقل فصائل المعارضة سابقاً، مثالاً على هذا النمط.[8]

عندما بدأ الجيش السوري حملته العسكرية في حزيران ٢٠١٨، كانت فصائل المعارضة المسلحة لا تزال تسيطر على أجزاء من مدينة درعا، مثل درعا البلد وطريق السد والمخيم (انظر الخريطة ٥). وفي ٢٠ حزيران ٢٠١٨ اجتمعت عدة غرف عمليات تابعة لفصائل المعارضة لتشكل غرفة العمليات العسكرية المركزية، والتي سعت إلى توحيد الصفوف ومواجهة الهجوم العسكري على الجنوب.[9] ومع تكثيف القصف الجوي الروسي، والذي ترافق مع عروض "المصالحات"، اضطر قادة الفصائل للجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومع اقتراب المفاوضات من نهايتها، أنشأت غرفة العمليات المركزية في ٣ تموز ٢٠١٨ "لجنة المفاوضات المركزية" لمواصلة الحوار مع روسيا وضمان تنفيذ الوعود الروسية.

خريطة ٥- مناطق السيطرة في مدينة درعا، حزيران ٢٠١٨

المصدر: المؤلف

تتمركز لجنة المفاوضات بشكل رئيسي في درعا البلد وطفس، وتتألف من اثني عشر عضواً من بينهم قادة فصائل سابقون (مثل أدهم أكراد وأبو مرشد البردان) ونشطاء محليون سابقون وشخصيات بارزة ومحامون (عدنان المسالمة مثلاً). وقد تواصلت اللجنة منذ صيف عام ٢٠١٨ مع كل من روسيا والحكومة السورية بهدف حل عدة قضايا، مثل إطلاق سراح المعتقلين ومصير المتخلفين والمنشقين، وعودة موظفي الحكومة المفصولين إلى وظائفهم، وتحسين الخدمات الأساسية.

ووفقاً لمخرجات المفاوضات، كان ينبغي أن تبدأ المؤسسات الحكومية بتقديم الخدمات إلى درعا البلد بُعيد تسليم المدينة. ولكن بعد مرور سنة ونصف كان أداء المؤسسات المحلية "غير فعال" و"فاسداً" بحسب تقييم معظم سكان المنطقة الذين تمت مقابلتهم. الجدير بالذكر أن مجلس مدينة درعا يعمل بشكل منتظم في أحياء المدينة التي بقيت خارج سيطرة فصائل المعارضة خلال النزاع، فيقوم بتعبيد الطرقات، وجمع القمامة، وتوفير الكهرباء بمعدل ٣ ساعات إمداد و٣ ساعات انقطاع. لكن على النقيض من ذلك، فإن الطرق الرئيسية في درعا البلد معبّدة بشكل سيء، فيما الطرق الثانوية مهملة تماماً، ولا تتوفر أسطوانات الغاز إلا نادراً، حيث تلعب المحسوبيات دوراً في توزيعها، وبالكاد يجري إصلاح الأضرار التي لحقت بشبكات الكهرباء والماء والهاتف وبشكل بطيء ومتقطع للغاية. كذلك يعاني الأهالي أيضاً من انقطاع الرعاية الصحية نظراً لقطع الحكومة السورية إمدادات الأدوية عن مستوصفها في المنطقة، ومن جهتهم يُحجم المدنيون عن الذهاب إلى المستشفى الوطني في درعا خوفاً من الاعتقال.

يرى العديد من المدنيين أن المؤسسات المحلية تمتنع عن القيام بواجباتها المتعلقة بالحوكمة في درعا البلد "لأن النظام يريد إذلالها والانتقام منها باعتبارها مهد الثورة"، بحسب أحد من تمت مقابلتهم من مدينة درعا. علاوة على ذلك، اتهم شخص آخر من سكان المدينة الحكومة السورية بـ"بدء التخطيط لإعادة الإعمار على حساب المدنيين الفقراء كإجراء عقابي ضد من ساندوا الفصائل". على سبيل المثال، في تشرين الأول ٢٠١٩ طالب رئيس مديرية الكهرباء سكان الأحياء التي كان يسيطر عليها فصائل المعارضة بدفع فواتير الكهرباء المتراكمة على مدى السنوات الماضية، وقد جرى استعمال الحواجز المنتشرة في ضواحي المدينة لإجبار المدنيين على دفع هذه الفواتير. وفي كثير من الحالات كان مدنيون يتعرضون لأسئلة حول فواتير الكهرباء والمياه على الحواجز، ويُمنعون من دخول مدينة درعا إلى أن يدفعوا مستحقاتهم. وعلى خلفية إمداد درعا البلد بساعة واحدة فقط من الكهرباء يليها خمس ساعات انقطاع، تدخلت لجنة المفاوضات للاعتراض والتعبير عن رفض المدنيين دفع تلك الفواتير. وبعدما حاول أعضاء اللجنة مقابلة المحافظ خالد الهنوس للتفاوض على القرار، واجههم بالتهديد بقطع الكهرباء بالكامل في حال عدم دفع الفواتير المتراكمة. وقد اقتصر رد اللجنة على إدانات نشرها عدد من أعضائها على حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد كتب أدهم الأكراد، قائد فصيل سابق وعضو المجلس الوطني الانتقالي، على صفحته على فيسبوك: "ما لم يستطع الهنوس أخذه بالقوة لن يستطيع أخذه عن طريق الابتزاز بالخدمات. دوائر فاسدة ومؤسسات بيروقراطية لا تصلح للمرحلة وأصبحت بالية".

وينظر الأهالي إلى لجنة المفاوضات باعتبارها وسيطاً متوافراً ولكن بدون فعالية فيما يتعلق بالتفاوض مع سلطات الدولة. وقد قال أحد من تمت مقابلتهم من مدينة درعا: "إنهم [اللجنة] يستمعون إلى الناس ويدعمون مطالبهم، ويبذلون قصارى جهدهم لحل مشكلاتنا، لكننا نادراً ما نرى نتيجة". وبالفعل يقوم أعضاء اللجنة بتلقي شكاوى المدنيين، وهم المحاور الرئيسي للمسؤولين الروس والسوريين. فأثناء الزيارات الميدانية التي يقوم بها ضباط الجيش الروسي، ينقل أعضاء اللجنة شكاوى المدنيين بشأن عمليات الاعتقال وسوء الخدمات. كذلك يجتمعون مع مسؤولي الحكومة السورية والشخصيات العسكرية والأمنية. على سبيل المثال، في نيسان ٢٠١٩، التقى أعضاء اللجنة مع وزير الدفاع، الفريق علي أيوب، ورئيس المخابرات العسكرية، اللواء كفاح ملحم، لرفع طلبات الأهالي بشأن المعتقلين والمنشقين والمتخلفين عن الخدمة، وذلك لمحاولة وقف الاعتقالات والاشتكاء من عدم فعالية الخدمات المقدمة. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها اللجنة لإيصال سخط المدنيين، لم تنجح وساطتهم في توفير الحلول. وبحسب أحد السكان من مدينة درعا فإن "كل ما نسمعه هو أن ’البلدية لا تملك المال لتحسين الوضع في درعا البلد‘ و’روسيا وعدت بالنظر في قضية الخدمات‘ و’قوات النظام قالت إن إطلاق سراح المعتقلين وتسوية أوضاع المنشقين والمتخلفين يتطلب وقتاً‘... هذه هي الإجابات التي نسمعها دائماً منهم [أعضاء اللجنة]، ولا توجد نتائج حقيقية لاجتماعاتهم".

تُعزى عدم فعالية اللجنة لعاملين رئيسيين: الأول هو أن الدولة تستهدف تقويض شرعية اللجنة في أعين السكان المحليين، وكسر الروابط بين الطرفين من خلال استقطاب مقاتلي المعارضة السابقين للانضمام إلى قوات الجيش والأمن الحكومية. فمثلاً ادعى أحد من تمت مقابلتهم من المدينة أن فرع الأمن العسكري الذي يمتلك حاجزاً في محيط درعا البلد شجّع مصطفى الكسم، وهو قائد فصيل سابق في مدينة درعا، "للضغط على السكان المحليين وإجبارهم على التخلي عن اللجنة". أما العامل الثاني فهو عدم فعالية اللجنة عموماً كوسيط بسبب افتقارها إلى الدعم الروسي الحقيقي، ولا سيما وأن فيها أعضاء ناشطين في السياسات المحلية لا يحظون بثقة روسيا بسبب سلوكهم خلال مفاوضات صيف ٢٠١٨ (مثل أدهم الأكراد).[10]

وفيما المدنيون عالقون بين لجنة المفاوضات غير فعالة وسياسة "عقاب جماعي" تنتهجها البلدية بحق درعا البلد، فإنهم يلجأون لتجمعات كتلك التي تلي الصلوات في المساجد لإطلاق مبادرات محلية وجمع الأموال لتنفيذ مشاريع بسيطة. ووفقاً لبعض الذين تمت مقابلتهم من المدينة، نجحت بعض المبادرات التكافلية في جمع مبالغ صغيرة من المال للقيام ببعض أعمال الترميم الداخلي للمسجد العمري واستعادة إمدادات الكهرباء في المنطقة. كما شجعت عدة مبادرات المدنيين على نقل النفايات بشكل جماعي من الأحياء السكنية باتجاه مطامر قريبة. وغالباً ما تكون هذه المبادرات مترافقة مع مقاومة مدنية موجهة ضد الحكومة السورية. فقد خرج عشرات المدنيين في حي درعا البلد إلى الشوارع في عدة مناسبات، مطالبين بالإفراج عن المعتقلين، ومندّدين بالفساد، وداعين في عدة حالات لإسقاط النظام السوري. ونظراً لافتقار الأهالي إلى القدرة على المساومة الفعلية، فقد استفادت اللجنة من الفاعلية المدنية المتنامية تلك واستخدمتها كأداة ضغط في وجه مسؤولي الدولة لتهديدهم بمزيد من التعبئة والتصعيد. على سبيل المثال، اضطر فرع المخابرات الجوية لإطلاق سراح طبيب وشقيق له اعتُقلا في طريقهما إلى الشمال السوري في أيلول ٢٠١٩ بعد تهديد اللجنة بإثارة احتجاجات في مدينة درعا.

خاتمة

لدى مناقشة الحوكمة وإعادة الإعمار في محافظة درعا في الوقت الحاضر، من الشائع أن نسمع أن "المحافظة غير آمنة" وأن "ممثلي الحكومة السورية أكدوا أن الدولة تعاني من شح في الموارد يحول دون حل موضوع الخدمات". صحيح أن الوضع الأمني ​​في المحافظة لا يزال متقلباً وغير مستقر، وأن الحكومة السورية تسعى لملء الفراغ الذي تركه مقدمو الخدمات السابقون (كالمنظمات غير الحكومية)، وما يزال تقديم الخدمات بطيئاً إلى حد كبير وغير فعال. إلا أن الاختلافات في عمليات الحوكمة التي تديرها الدولة في درعا واضحة للغاية. فالجهات المسلحة المسيطرة، والوضع الأمني ​​العام، وتوافر البنية التحتية، وإمكانية الاستفادة من المشاريع السابقة التي سبق أن أقامتها المنظمات أو المجالس المحلية المعارضة، هي مجرد أمثلة على العوامل المختلفة التي تفسر اختلاف أوضاع الحوكمة والأمن بين المناطق في محافظة درعا. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن وجود وسيط مدني أو عسكري لنقل مطالب المدنيين يلعب دوراً رئيسياً في تحسين الخدمات أيضاً.

ويبدو أن فعالية الوسطاء العسكريين في درعا تفوق فعالية الوسطاء المدنيين. ومن المرجح أن تحصل مجموعات المعارضة المقاتلة على دور وسيط عسكري في مرحلة ما بعد الاقتتال في حال اندماجهم في الفيلق الخامس. وفي مثل هذه الحالات يبدو أن توفر الرعاية الروسية يمنح الوسطاء قدرة على المساومة لدى التحدث بالنيابة عن السكان المحليين حول أمور تتعلق بالحوكمة والأمن في مرحلة ما بعد الصراع. وبالنتيجة تتمتع المناطق التي يسيطر عليها اللواء الثامن بخدمات وأوضاع أمنية أفضل من تلك التي يجد فيها الأهالي أنفسهم حيال لجنة المفاوضات غير فعالة أو من دون أي وسيط على الإطلاق. في الحالتين الأخيرتين، لا يبقى المدنيون على الهامش بل يحاولون المشاركة في الحوكمة من الأسفل. وتشكل الاحتجاجات التي تشهدها المنطقة تحدياً جديداً للحكومة السورية ومحاولتها فرض الاستقرار في درعا. ومن المرجح أن يتفاقم هذا الوضع ما لم تتخذ الحكومة تدابير فعالة لتحسين الحوكمة والأمن.

تتمثل نقطة الانطلاق الأولى لتحقيق الاستقرار في درعا بإعادة النظر في المفاوضات التي توسطت فيها روسيا، والعمل على تنفيذ جميع المواد المتفق عليها. وبدون ذلك، من المحتمل أن نشهد زيادة في حالات العنف السياسي، وظهور أطراف تسعى لتخريب الاتفاق وتقويض جهود الاستقرار في درعا.

 

عبد الله الجباصيني هو مرشح لنيل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة كينت. يركز في بحثه على القبلية، المقاومة المدنية وحكم الجماعات المتمردة، مع التركيز على محافظة درعا جنوب سوريا. كما يعمل باحثاً في مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا" ضمن برنامج مسارات الشرق الأوسط في مركز روبرت شومان للدراسات المتقدمة.


نُشِرَت هذه الورقة البحثية أوّلاً باللغة الإنكليزية في ٤ تشرين الثاني ٢٠١٩. تولى فريق دوكستريم ترجمتها إلى اللغة العربية.  

 

[1] لأغراض هذه الورقة، تشير عبارة "المؤسسات الحكومية" إلى المؤسسات المدنية على المستوى المحلي، أي مجالس البلديات والمدن، وأية مؤسسة مدنية أخرى تقدم خدمات أساسية مثل الكهرباء والمياه والبريد والمدارس.

[2] عبد الله الجباصيني "من حكم المتمردين إلى عصر ما بعد الاستسلام في درعا جنوب سوريا: آثار ونتائج سلوك المتمردين أثناء المفاوضات" (بالإنكليزية)، ورقة عمل، (فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، كانون الثاني ٢٠١٩)، https://bit.ly/2CDpflK.

[3] فيما يتعلق بمفهوم "الحوكمة المتعددة الطبقات"، انظر نيلسون كاسفير وجورج فريكس ونيلز تيرسترا، "مقدمة: الجماعات المسلحة والحوكمة متعددة الطبقات" (بالإنكليزية)، مجلة الحرب الأهلية ١٩، رقم ٣ (٣ تموز ٢٠١٧): ٢٥٧–٧٨.

[4] خضر خضور وكيفين مازور، محرران، الوسطاء المحليون في سوريا ما بعد ٢٠١١: التحول والاستمرارية (بيروت: مؤسسة فريدريش إيبرت، ٢٠١٩).

[5] المعروف محلياً باسم لواء أسود الحرب.

[6] للاطلاع على دراسة مفصلة عن الفيلق الخامس واللواء الثامن في درعا، انظر عبد الله الجباصيني "من متمردين إلى جنود: الفيلق الخامس في درعا، جنوب سوريا"، تقرير مشروع بحث (معهد الجامعة الأوروبية، أيار، ٢٠١٩)، https://bit.ly/2PKA78N .

[7] حتى أهالي درعا الغربية التمسوا مساعدة العودة لنفس الغرض. "أعرف قصصاً عن أشخاص قدموا من المنطقة الغربية في درعا لمقابلة العودة وطلب المساعدة منه في إطلاق سراح معتقلين ... لست متأكداً، لكنني سمعت لاحقاً أنه ساعدهم". مقابلة مع أحد سكان درعا الشرقية.

[8] خلال سنوات الحرب، تم تقسيم المدينة إلى أحياء تسيطر عليها قوات الجيش السوري (جزء من المحطة، الكاشف، القصور، الضاحية، المطار، الملعب البلدي). وغيرها تسيطر عليها فصائل المعارضة (جزء من المحطة والمنشية وطريق السد والمخيم). استمرت المؤسسات الحكومية في العمل في الأحياء التي يسيطر عليها الجيش السوري خلال النزاع.

[9] المجموعات المشاركة هي البنيان المرصوص ورص الصفوف وتوحيد الصفوف ومثلث الموت وصد الغزاة والنصر المبين وصد البغاة.

[10] حول العلاقة بين سلوك قادة الفصائل خلال المفاوضات في حزيران وتموز ٢٠١٨ والحماية والرعاية الروسية، انظر الجباصيني، "من حكم المتمردين إلى عصر ما بعد الاستسلام في درعا جنوب سوريا".

من نحن

  • يروّج برنامج مسارات الشرق الأوسط البحوث المتعددة التخصّصات، بناءًا على نتائج العمل الميداني وبالتعاون مع باحثين من المنطقة.
    يعتمد هذا البرنامج على: 
    تحليل على أساس بحوث تجريبية أُجريت في الميدان
    مقاربة متعدّدة التخصّصات تُركزّ على دراسة الديناميكيّات الرئيسيّة والمتشابكة 
    منظور متوسط الأجل إلى طويل الأجل، يهدف إلى تحديد الإتجاهات، مُتميّز عن منظور
    المؤسسات الفكرية والمعاهد غير الأكاديمية الأخرى، التي نِتاجها وتمويلها تُحدَّدُ بواسطة خُطط سياسية قصيرة المدى.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union