Home page

يمكن تنزيل منشورات المشروع لأغراض البحث الشخصية فقط. إن أيّ استنساخٍ إضافيّ لأغراض أخرى، سواء على شكل نسخ مطبوعة أم إلكترونية، يتطلّب موافقة المؤلّفين.
أما في حال الاستشهاد بالنص أو اقتباسه، فيجب الإشارة إلى الأسماء الكاملة للمؤلّفين والمحرّرين، إضافةً إلى العنوان، والسنة التي نُشِر فيها، والناشر.

النجاة بعد اختفاء الدولة الإسلامية: استراتيجية صمود الحركة الكردية السورية

  • الكاتب: باتريك هايني وآرتور كويسناي
  • التاريخ: الإثنين, 17 شباط 2020
  • ترجمة: فريق دوكستريم

تحميل الملف pdf

مقدمة

أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي – وجناحه المسلح وحدات حماية الشعب[1] – منذ عام ٢٠١٤ قوة سياسية وعسكرية أساسية في الحرب ضد الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا. وقد مكّنه دعم التحالف الغربي من استعادة كامل الشمال الشرقي، ومن إنشاء إدارة ذاتية قادرة على حكم السكان والاقتصاد والأراضي، على الرغم من تبنّيها لأيديولوجيا يراها معظم الخاضعين لسيطرتها على أنها دخيلة. لكن سقوط "دولة الخلافة" عام ٢٠١٩ جاء بمثابة تهديد لهذا النظام السياسي-العسكري. كما أن التقارب بين هذه الحركة الكردية السورية وحزب العمال الكردستاني دفع تركيا إلى التدخل، خاصةً بعد هزيمة داعش التي أدّت إلى تراجع أهمية الحركة والزخم الأميركي الداعم لها.

أعلنت تركيا عن عملية نبع السلام في ٩ تشرين الأول ٢٠١٩، بعد اطمئنانها إلى عدم استعداد الولايات المتحدة لدخول مواجهة ميدانية معها. وهدفت العملية إلى إبعاد قوات سوريا الديمقراطية – التي تشكل وحدات حماية الشعب قوات النخبة فيها[2] – عن الشريط الحدودي بغرض تشكيل "منطقة آمنة" يُنقَل إليها جزء من اللاجئين السوريين المقيمين على الأراضي التركية.[3] وقد تمكّنت تركيا، بفضل تدخل القوات الرديفة المسماة بالجيش الوطني السوري، من بسط نفوذها على المنطقة الممتدة من تل أبيض وحتى رأس العين، أي على مساحة أكثر من ١٠٠٠ كم٢.[4] وفي ١٧ تشرين الأول، وقّعت الولايات المتحدة وتركيا اتفاق وقف إطلاق نار مؤقتاً لمدة خمسة أيام. وقد نصّ الاتفاق على أن القوات المسلحة التركية هي الفاعل الرئيسي في تفعيل "المنطقة الآمنة"، دون إعلان حدود واضحة لها،[5] وهو ما منح تركيا ضوءاً أخضر لتحقيق طموحاتها المعلنة المتمثلة في استكمال الهجوم على الشريط الممتد من جرابلس غرباً وحتى الحدود العراقية شرقاً، أي بطول ٤٤٠ كم وعمق ٣٠٠ كم.

من جهتها، بعدما حوصرت واقتنعت بعجز شريكها الأميركي عن حمايتها من الهجوم التركي، عقدت قوات سوريا الديمقراطية في ١٤ تشرين الأول اتفاقية عسكرية مع دمشق برعاية روسية، سمحت بإعادة عدد محدود من جنود الجيش السوري إلى الحدود التركية. بدا للوهلة الأولى أن الحركة الكردية استسلمت وسمحت للنظام السوري بالعودة دون قتال إلى منطقة انسحب منها قبل ٧ سنوات.[6] ورغم الاضطراب الذي أصاب الحركة، إلا أنّها لم تُهزَم ولم تنحلّ، وما زالت تمتلك عدة أوراق في لعبة تزداد تعقيداً لدى جميع الفاعلين المعنيين. وما زالت الحركة تسيطر على مناطقها وقواتها العسكرية، بالإضافة إلى الموارد النفطية وهياكل الحكم، وهو ما يُتيح لها الاحتفاظ بمنظومة سياسية بديلة لا تزال يعمل حتى بعد "عودة" نظام مستنزف أكثر من أي وقت مضى. وعليه فإن الحركة تبقى الفاعل الرئيسي الذي يحارب داعش بدعم من التحالف الدولي، والذي يؤمّن تواجده – مهما كان محدوداً – استقراراً لنموذج حكم الأمر الواقع الكردي في كافة مناطق الشمال الشرقي.

تعرض هذه الدراسة[7] أولاً القيود والفرص الجديدة التي وجدت فيها الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية منذ تشرين الأول ٢٠١٩، وذلك عبر قراءة استراتيجيات الفاعلين الإقليميين والدوليين الرئيسيين في شمال شرق البلاد. بعد ذلك تنظر في قدرة الحركة الكردية على التأقلم، والتي مكّنتها من التغلب على مختلف الضغوط التي تتعرض لها (المواجهة مع تركيا، انبعاث تنظيم داعش، ومحاولات النظام بثّ الاضطرابات، وعودة الجيش السوري، والانسحاب الأميركي). وفي النهاية تتساءل الورقة عن استمرارية الوضع الحالي والمخاطر الكامنة خلف التوازن الحالي الهشّ.

الجزء الأول: تبعثر الفضاء الاستراتيجي في الشمال الشرقي

أسهم تقاعس الولايات المتحدة عن وقف التصعيد بين أنقرة وقيادة قوات سوريا الديمقراطية في إطلاق الهجوم التركي. غير أن هذا الهجوم لم يتم وفق مخططات أنقرة، فمع أنه أجبر الأميركيين على التراجع والتغاضي الضمني، إلا أنه انتهى بانتشار روسيا والجيش السوري على الشريط الحدودي. وقد أدى الانسحاب الأميركي إلى خلخلة التوازنات التي تمخضت عنها الحرب ضد داعش، ما أضاف المزيد من التعقيد على الوضع الاستراتيجي في الشمال الشرقي.

نهاية تناقضات السياسة الأميركية

منذ البداية، اتّسمت مقاربة الولايات المتحدة لشراكتها مع الحركة الكردية بكونها مقاربة أمنية بحتة: فمن وجهة نظر واشنطن، قامت العلاقة "على أساس انجاز مهمة" حصراً،[8] لتركز منذ عام ٢٠١٤ على محاربة داعش دون رؤية سياسية حول ما قد ينتج عن هذه العلاقة على المدى الطويل. ودعمت الإدارة الأميركية وحدات حماية الشعب[9] من أجل استعادة المناطق التي تسيطر عليها داعش وصولاً إلى حدود دير الزور، منطلقةً من ضرورة عسكرية طارئة وغياب أي شريك آخر موثوق وجاهز للتعبئة الفورية. ومع أن المشروع السياسي الذي كانت تطرحه قيادة الإدارة الذاتية كان موضع قلق للأميركيين ولكن ليس بدرجة تمنع هذا التعاون.

سرعان ما أدرك الدبلوماسيون الأميركيون أن من شأن الحملة على داعش أن تعزز القدرات العسكرية والسياسية للحركة الكردية، ما يعني خطر نشوب نزاع مسلح بينها وبين تركيا، وهو ما حاولوا التفاوض على تجنّبه بعد حين. إلا أن جهودهم ركزت على قضايا هامشية بنظر أنقرة، التي تعتبر علاقة الحركة الكردية في سوريا بحزب العمال الكردستاني المسألةَ الأساسية، وهو الأمر الذي لم يُطرح أبداً بشكل حصري على طاولة المفاوضات. وبين ٢٠١٦ و٢٠١٧، أمضى الدبلوماسيون الأميركيون أكثر من سنة يتفاوضون مع تركيا والقيادة الكردية لإنشاء مجلس محلي يمثل جميع الأطراف في مدينة منبج،[10] تلتها عشرة أشهر من المفاوضات المتعثرة حول طرق إقامة "منطقة آمنة" على الحدود السورية التركية. تجنّبت الإدارة الأميركية مشكلة التقارب بين الحركة الكردية السورية وحزب العمال الكردستاني، وهي بذلك أجّلت فقط التدخل التركي.

أما الحركة الكردية، التي لم تخضع لأي شروط سياسية أميركية، فقد اتبعت سياسة الأمر الواقع، وبنت جهازاً عسكرياً وإدارياً لا نظير له في المنطقة، وحافظت على تقاربها مع حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض حرباً مفتوحة مع تركيا منذ ٢٠١٥. وقد عزّز هذا الوضع من استحالة قيام تحالف استراتيجي دائم مع الولايات المتحدة، وأعاق حصول الإدارة الذاتية على مزيد من مساعدات غربية تساعدها على تثبيت الاستقرار. وفي الوقت نفسه، زرعت الإدارة الأميركية لدى شريكها الكردي وهم العلاقة طويلة الأمد،[11] رغم إعلان الرئيس الأميركي بشكل مستمر نيته سحب قواته من سوريا.[12]

في نهاية تشرين الأول ٢٠١٩، مثّل انسحاب الولايات المتحدة إلى أقصى شرق سوريا حلاً مفاجئاً للتناقض الأشد إشكالية في تحالفها مع تركيا وشراكتها مع حركة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. ويسمح الوجود المتبقي للقوات الأميركية (أقل من ٥٠٠ جندي)، والمنتشرة حالياً في مناطق دير الزور والحسكة والشدادي والقامشلي،[13] بمواصلة الضغط على البؤر الأخيرة لداعش وعلى مراكز احتجاز عناصره، كما يسمح بالتحكم بمعبر سيمالكا مع إقليم كردستان العراق الذي يمر عبره الدعم اللوجستي للقوات على الأرض. إلا أن قرار البيت الأبيض باستبقاء قوات أميركية لم يبرَّر بأهداف استراتيجية بل بحماية النفط، وهي الذريعة الوحيدة التي كان من شأنها إقناع الرئيس بالعدول عن قراره بالانسحاب الكامل من الشمال الشرقي.[14]

من المؤكد أن الولايات المتحدة قد تقلّصت رقعة نفوذها عبر هذا الحل الجزئي لعقدة مستعصية من عقد تحالفاتها المتناقضة، إلا أنها أيضاً قللت الكلفة السياسية لتواجد قواتها في سوريا (بشكل خاص التوتر مع تركيا). وفي حال إصرار الرئيس الأميركي على رغبته بالانسحاب من سوريا، سيبقى القرار الأميركي غامضاً تصعب قراءته أو التنبؤ بمقتضياته، سواء بالنسبة للحلفاء الغربيين المهتمين بمواصلة الحرب ضد داعش وتنفيذ برامج الاستقرار، أو بالنسبة لقيادة الإدارة الذاتية، ما يعقّد على الأخيرة مهمة تطوير استراتيجية واضحة للخروج من الورطة الحالية، خاصة مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يعنيه ذلك من حصار بالنسبة لها.

روسيا في الشمال الشرقي: التدخل الباهت

لا يُسهّل موقف موسكو آليات صنع القرار لدى الحركة الكردية. إذ ما تزال روسيا – التي انتهزت فرصة انسحاب القوات الأميركية إلى الشرق الأقصى لتعود لاعباً في الشمال الشرقي – تجد صعوبة في وضع استراتيجية واضحة، نظراً لجملة من القيود التي تُجبرها على التوفيق بين أهداف متعددة ومتناقضة أحياناً (طمأنة تركيا، والتوسط بين دمشق وقيادة الإدارة الذاتية، ودعم انتشار الجيش السوري) علماً أنها منشغلة في الوقت الحالي أيضاً بمعركة إدلب.

وقد سمح الانسحاب الأميركي لروسيا بفرض نفسها في الشمال الشرقي، بعد اتفاقها مع تركيا في ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٩ على وقف التقدم العسكري التركي، وانسحاب وحدات حماية الشعب من الشريط الحدودي إلى عمق ٣٢ كم، على أن يحل الجيش السوري والدوريات الروسية-التركية المختلطة محلها.[15] وبذلك تحتفظ السياسة الروسية بجوانب مما تضمنته سلة الوساطة الأميركية (المنطقة الآمنة، وسحب وحدات حماية الشعب، والدوريات المختلطة). إلا أن روسيا في توسّعها في الشمال الشرقي ترث أيضاً تناقضات الموقف الأميركي نفسها، حيث ينبغي عليها نزع التصعيد بين قوات سوريا الديمقراطية وأنقرة.

لكن الموقف الروسي يمتاز عن موقف واشنطن بقدرته على تقديم حل لتركيا عن طريق إدخال دمشق إلى المعادلة وترويج عودة النظام كبديل عن الإدارة الذاتية. إذ إن تعزيز التفاهم بين دمشق وقيادة الإدارة الذاتية يصبّ في مصلحة روسيا، الأمر الذي من شأنه حماية الشمال الشرقي من أي هجوم تركي، وتسهيل عودة الدولة السورية، وتعقيد أكبر لشكل الوجود الأميركي في المنطقة. ومع ذلك، لا يمكن لموسكو أن تتبنى تسوية تقبلها الحركة الكردية دون المساس بعلاقتها مع تركيا. يمكنها فقط أن تنادي بسيادة الدولة السورية، وبالتالي استبدال الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بنظام دمشق بدلاً من حمايتهما.[16]

لا تؤمن موسكو بقدرة دمشق والحركة الكردية على إيجاد أرضية مشتركة، بل تعتقد بضرورة إضعاف قوات سوريا الديمقراطية عسكرياً لجعل مثل هذا التقارب ممكناً. ولذلك، قد حرّضت روسيا الجانب التركي على شنّ عمليات عسكرية على الشريط الحدودي،[17] من جهة، بينما روّجت لاتفاق عسكري بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري للتصدي للهجوم التركي من جهة أخرى. ولخّص دبلوماسي روسي كان يعمل سابقاً في دمشق واقعية موسكو السياسية بعبارة موجزة: "ليس لدينا أشياء كثيرة نقدمها للحركة الكردية سوى هزيمة عسكرية أو انتحار سياسي"، مع اعتراف الدبلوماسي نفسه بعدم قدرة دمشق على العودة إلى المنطقة.[18]

أخيراً، لا تعتبر روسيا الشمال الشرقي أولوية بالنسبة لها، وهي تتبع فيه سياسة الحد الأدنى من الانخراط (الحفاظ على علاقات جيدة مع قيادة الإدارة الذاتية، وتسهيل التقارب بينها وبين دمشق، وتأطير عودة عدد محدود من جنود الجيش السوري). الأولوية الحالية بالنسبة لموسكو هي تحقيق تقدم عسكري في إدلب "حيث لا يزال تحقيق نتائج ملموسة ممكناً"[19] في آخر منطقة سورية لا تحميها أي دولة راعية، كالولايات المتحدة في الشمال الشرقي وتركيا في عفرين وشمال حلب. علاوة على ذلك، تعترف الدبلوماسية الروسية بحدود الوساطة بين الحركة الكردية ودمشق،[20] ويبدو أن موسكو تفضل انتظار الانسحاب النهائي للأميركيين قبل الإقدام على خطوات إضافية في هذا الصدد.

حرب تركيا المقيّدة

منذ ٩ تشرين الأول، اجتاحت تركيا محيط تل أبيض ورأس العين دون صعوبة كبيرة. وسرعان ما فقدت قوات سوريا الديمقراطية سيطرتها على تل أبيض بعد امتناع قواتها العربية عن قتال قوات الجيش الوطني، بسبب انحدار مقاتلين في صفوف الطرفين من المنطقة ذاتها، أي من دير الزور.[21] وبينما تمكنت وحدات حماية الشعب في مدينة رأس العين المختلطة إثنياً من تأخير التقدم التركي، إلا أن نتيجة المعركة كانت محسومة دون أوهام من الجانب الكردي. ومنذ الهدنة المؤقتة في ١٧ تشرين الأول، تمكنت تركيا وقواتها الرديفة التابعة للجيش الوطني من استعادة أراضٍ جديدة من قوات سوريا الديمقراطية، وصلت مساحتها بحسب مصادر الإدارة الذاتية إلى ١,١٠٠ كم٢ أو ٦٠ قرية.[22] وتعتزم تركيا الاستفادة من الاتفاق المبرم مع روسيا لبسط سيطرتها على بقية الشريط الحدودي عبر المشاركة في دوريات روسية-تركية مختلطة.

ومع ذلك، لم تتمكن تركيا من إضعاف قدرات وحدات حماية الشعب، أو من تأمين حدودها الجنوبية المتاخمة للمناطق التي تحكمها الإدارة الذاتية، فقد أعاق تقدّمَها نشر القوات الروسية-السورية والضغوطات الغربية التي كانت تتعرض لها. وتعتبر أنقرة أن وحدات حماية الشعب ما زالت تحتفظ بوجودها في المنطقة الحدودية التي يبلغ طولها ٣٢ كم، على الرغم من التصريحات الروسية عن جلاء ٣٤,٠٠٠ مقاتل. وما زالت قوات سوريا الديمقراطية تخوض حرباً غير متكافئة في الأراضي التي انسحبت منها لصالح التقدم التركي، وهو ما قد يدفع تركيا إلى استئناف الأعمال القتالية، والأميركيين إلى وضع حد لشراكتهم مع قوات سوريا الديمقراطية.[23]

بالإضافة إلى ذلك، يترك الاتفاق الروسي-التركي المُبرَم في ٢٢ تشرين الأول مسألة الحوكمة في الشمال الشرقي معلّقة، ما يسمح للإدارة الذاتية بالحفاظ على وجودها في المدن الحدودية باستثناء تل أبيض ورأس العين. وأخيراً، فإن لعودة النظام السوري – بوصفه "أهون الشرَّين" في حسابات أنقرة – تبعاتٍ معاكسة لما تنشده تركيا. ووفقاً للمسؤولين الأتراك، "تحمي" عودة النظام المنظومةَ السياسية التي أنشأتها الحركة الكردية بدل أن تستبدلها.[24] وبالإضافة إلى ذلك، وجود الجيش السوري على الحدود يجعل الصراع بين دولتين، وهو ما تسعى أنقرة إلى تجنّبه، في حين كان الهدف الأولي من عملية نبع السلام تحييد دور لاعب غير حكومي.

لذلك لا ترى تركيا في عودة الهدوء الحالي سوى خطوة على طريق مواجهة طويلة الأمد، فهي تنوي التقدم عسكرياً خطوة خطوة ما إن يسمح المناخ السياسي بذلك، والتوقف كل مرة تتعاظم فيها الضغوط السياسية عليها. ويبقى هدفها المعلن والمتمثل بتأمين حدودها الجنوبية قائماً حتى اليوم.[25] وفي هذا السياق، لا تزال الضمانات الأميركية والروسية الرامية إلى منع استئناف القتال هشة. من المؤكد أن واشنطن ضغطت على تركيا مهدّدةً بفرض عقوبات في حال عدم التوصل إلى هدنة. لكن توقيع اتفاقية تمنح تركيا دوراً رئيسياً في فرض "منطقة آمنة" لا حدود جغرافية لها سيعني بشكل غير مباشر السماح لها بالانتشار على كامل الشريط الحدودي.[26] علاوة على ذلك، ما تزال تركيا مقتنعة بأن التهديد بالعقوبات الصادر عن الكونغرس يمكن التراجع عنه، مقدّرةً أن البيت الأبيض سيعود في النهاية إلى التطبيع مع أنقرة. أما الضمانات المقدمة من الجانب الروسي، فتبدو أكثر هشاشة. فعلى الرغم من التزام موسكو والنظام بنشر قوة صغيرة من بضع مئات من الجنود، إلا أن بإمكانها دوماً أن تعود – كما فعلت من قبل – لتحرّض تركيا على القيام بعملية عسكرية للضغط على الأكراد وإجبارهم على قبول اتفاق مع دمشق بحسب شروط النظام السوري.

وفي النهاية، أدت عملية نبع السلام إلى تعقيد المعادلة الجيوستراتيجية في الشمال الشرقي. ولا يقتصر ذلك على ازدياد عدد الجهات الفاعلة (مع وصول الجيش السوري وروسيا)، ولكن وقبل كل شيء، ليس لدى أي من هذه الأطراف استراتيجية طويلة الأجل أو أي وسائل لتطبيقها. إذ تكتفي جميع القوى الموجودة في المنطقة بإدارة تفصيلية لجوانب محددة: تبحث تركيا عن تحقيق الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها، بينما تنشغل روسيا بإعادة فرض نظام متهالك، وتتمركز الولايات المتحدة في أقصى الشرق مع مهام غامضة المعالم. وهو ما يحوّل الشمال الشرقي من مساحة مواجهة استراتيجية واضحة إلى مكان تتضاعف فيه المفاوضات الثنائية حول قضايا أكثر تحديداً وأقصر مدى (مثل: انتشار الجيش السوري؛ انسحاب وحدات حماية الشعب من الشريط الحدودي؛ تقسيم المجال الجوي بين مناطق نفوذ روسية وأميركية؛ دوريات روسية-تركية مختلطة). ضمن هذا السياق، تكافح الحركة الكردية لرسم معالم خط سياسي جديد لها. والواقع أن الحركة ما تزال تحكم من باب الأمر الواقع، حتى مع إدراك قيادتها العسكرية ضرورة "الانتقال إلى السياسة" في مواجهة التهديد التركي. لذلك يبدو أن سياستها على المدى القصير لن تكون خياراً واعياً بقدر ما هي انعكاس لتبعثر اللعبة الاستراتيجية شمال شرق البلاد.

الجزء الثاني: قدرة المنظومة السياسية في الشمال الشرقي على التأقلم

في ظل غياب الخيارات الاستراتيجية الواضحة، تحافظ قيادة الإدارة الذاتية على خطها الدؤوب الساعي إلى توطيد المنظومة المؤسساتية العامة القائمة منذ ٢٠١٢. وعلى الرغم من إطارها الأيديولوجي العلماني اليساري، الغريب إلى حد كبير لعامة السكان المحليين، والذي يجمع بين طليعية الحزب الماركسي-اللينيني وأفكار متفرقة مستعارة من طروحات المفكر اليساري الراديكالي الأميركي موراي بوكتشين حول الكونفدرالية الديمقراطية، إلا أن هذه المنظومة المؤسساتية تجذرت سواء في المناطق ذات الغالبية الكردية أو المناطق العربية. وما تزال الحركة الكردية صامدة على الرغم من الضغوط المتعددة التي عانت منها في الأشهر الأخيرة (مثل الانسحاب الأميركي، والهجوم التركي، وحملات بث الاضطراب التي يشنّها النظام، وإعادة ظهور داعش). ولا يعني صمود المنظومة المؤسساتية التفاف السكان حول مشروعها الأيديولوجي، بل ثمة ثلاث ظواهر أخرى تفسر هذا الصمود: تشغيل شريحة مهمة من المجتمع في مؤسسات الإدارة الذاتية، وآليات امتلاك السكان لهذه المؤسسات وإعادة إنتاجهم لها، وعدم وجود بديل موثوق به. في النهاية، تمكنت الحركة الكردية من ترسيخ نفسها كياناً سياسياً متماسكاً وفاعلاً وحيداً وموثوقاً يمكنه بسط نفوذه على الأرض ومواصلة الضغط على تنظيم داعش.

البيروقراطية إلى شمال شرق سوريا

يُعد بناء البيروقراطية في المجتمع المحلي المصدر الرئيسي لتجذّر الحركة. إذ سمحت الموارد الاقتصادية المكتسبة من حكم الأراضي والمساعدات الدولية للإدارة ببناء جهاز بيروقراطي يضم أكثر من ٢٥٠,٠٠٠ موظف، منهم ٧٠,٠٠٠ جندي و٣٠,٠٠٠ شرطي و١٥٠,٠٠٠ موظف مدني – ومن هؤلاء ٤٠,٠٠٠ معلم يتلقى راتباً شهرياً يتراوح بين ١٢٠ و٢٠٠ دولار، أي ضعف الراتب المقابل في مناطق سيطرة النظام.[27] كذلك فإن الوظيفة العسكرية في مناطق الإدارة أعلى أجراً منها في مناطق النظام: إذ يتلقى الضابط السوري ذو الرتبة المتوسطة في الجيش السوري والمفروز إلى الجبهات الشمالية-الشرقية في مواجهة تركيا ٤٣,٠٠٠ ليرة سورية شهرياً (ما يعادل ٥٠ دولار)، بينما يكسب مجنّد من الرتبة ذاتها في قوات سوريا الديمقراطية ما بين ضعف إلى ثلاثة أضعاف ذلك المبلغ، بحسب أقدميته.[28]

منذ ٢٠١٢، مال عدد كبير من الموظفين الحكوميين، خاصة المعلّمين، إلى تفادي العمل في مؤسسات الإدارة الذاتية، حيث اعتبروها غير مستقرة وفضّلوا الحفاظ على وضعهم الوظيفي في إدارات الدولة المركزية. إلا أن هذا الاتجاه انعكس جزئياً خلال العام الماضي، وذلك في سياق الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة حكومة دمشق، والتي تفاقمت بسبب تشديد العقوبات. ورغم صعوبة تحديد النسبة إحصائياً،[29] إلا أن أعداداً متزايدة من الموظفين الحكوميين السابقين الذين كانوا يتلقون رواتبهم من دمشق انضموا إلى الإدارة الذاتية، مجازفين بفقدان رواتبهم التي خصصتها لهم الدولة المركزية.

ويبدو أن الإدارة الذاتية تخلق، مع مرور الوقت، دينامية حقيقية لإعادة الهيكلة البيروقراطية في الشمال الشرقي، وذلك تحت الأثر المركب لنزوح أبناء الطبقات الوسطى، وللأزمة المتزايدة التي تشهدها قطاعات توفر في العادة عدداً كبيراً من فرص العمل مثل الزراعة، وأخيراً لتزايد الانفصال عن خدمات الدولة المركزية. من بين ٢.٢ مليون شخص يعيشون تحت سيطرة الإدارة الذاتية،[30] يحصل ٢٥٠,٠٠٠ على دخلهم منها مباشرة، بالإضافة إلى العاملين في شركات القطاع الخاص التي تخضع لإشراف كبير من جانب الحركة الكردية (خاصة قطاعي البناء والزراعة)، وموظفي المنظمات التي تدعمها برامج الاستقرار التي أقامتها دول التحالف الدولي. في المجمل، يجد نحو ٢٠ في المئة من السكان العاملين[31] أنفسهم معتمدين على دخل يحصّلونه بشكل مباشر أو غير مباشر من المنظومة السياسية التي أقامتها قيادة الإدارة الذاتية.

تؤدي حركة إعادة التشغيل الإداري أو الهيكلة البيروقراطية هذه في شمال شرق سوريا إلى نتيجتين: أولاً خلق مصلحة مباشرة للمستفيدين منها في استدامة الإدارة الذاتية، خاصةً مع عدم وجود بديل لها في السياق الحالي لانهيار قدرات دمشق المالية، حتى لو لم يُنتج الراتب بحد ذاته ولاءً سياسياً؛ وثانياً عجز النظام عن استخدام موظفيه كقاعدة للضغط والسيطرة على السكان في مواجهة الحركة الكردية، خصوصاً مع تراجع أعداد الموظفين المستفيدين من إيرادات الحكومة المركزية.[32]

لقد أظهرت الإدارة الذاتية فعلاً قدرة على مقاومة الاضطرابات الناجمة عن الهجوم التركي، وهو ما تشهد عليه قلة الانشقاق في صفوف هياكلها العسكرية. ووقعت أبرز الانشقاقات خلال معركة تل أبيض وفي مدينة الطبقة،[33] فيما لم تنخفض عمليات التجنيد في أماكن أخرى.[34] على سبيل المثال، سجل مجلس منبج العسكري ١٠٠ عملية تجنيد لكل ٣٠ هروباً في تشرين الثاني ٢٠١٩،[35] ما يعني أن معدل التجنيد لم يتغير طوال الأشهر الماضية. وفي تشرين الأول، سجلت السلطات المحلية في دير الزور حوالي ١,٥٠٠ طلب تجنيد في صفوف قوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية.[36]

استخدام مؤسسات الإدارة الذاتية

ما زالت الإدارة الذاتية تولّد حالات رفض داخل المجتمعات المحلية. يبقى منطق الانفصال أو عدم الانخراط ملحوظاً لدى فئات معينة (موظفي الحكومة المركزية الذين يخشون فقدان مزاياهم؛ فئات من الطبقة الوسطى لديها تحفظات على منطق السيطرة غير المباشرة من قبل كوادر الحركة الكردية؛ الفئات المتعلمة من السكان التي تفضّل العمل في المنظمات غير الحكومية، والتي تدفع أجوراً أفضل وتبدو أقل إشكالية من الناحية السياسية). كما يبرز منطق الانفصال عن الإدارة الذاتية أيضاً في معاقل داعش السابقة، وذلك نتيجة لكل من سياسة الغارات المستمرة التي تتبعها قوات سوريا الديمقراطية والضغط الذي يمارسه التنظيم على السكان. لكن مع مرور الوقت، يميل السكان إلى استعادة ملكيتهم لمؤسسات الإدارة الذاتية لأسباب عدة ووفق ممارسات مختلفة. وعلى الرغم من استمرار السكان في انتقاد المسؤولين التنفيذيين في الحركة الكردية بسبب افتقارهم للكفاءة وسيطرتهم على الإدارات، إلا أنهم يطالبون بفاعلية المؤسسات ويزدادون انخراطاً في أنشطتها. الإجراءات الإدارية أصبحت روتينية، والسكان باتوا على دراية بعمل هياكل السلطة وعلى استعداد للتفاعل مع المنظومة السياسية بإحدى هاتين الطريقتين.

أولاً، يحاول المستفيدون تنظيم أنفسهم ضمن هيئات لحماية أنفسهم من القرارات الاعتباطية التي تتخذها كوادر الحركة. فعضوية النقابات، المنظمة في البداية حسب المهنة والمنشأة من قبل الحركة الكردية نفسها، تتيح لأعضائها – عندما يسيطرون عليها – إقامة علاقة مع صانعي القرار السياسي تسمح لهم بالضغط. ينطبق ذلك مثلاً على صحفيين تمكنوا من إضعاف منطق الرقابة أو الإفراج عن زملاء مسجونين. وبحسب صحفي كردي سوري مستقل: "تراجع الضغط علينا هو أيضاً نتيجة تنظيمنا النقابي، وهو ما سمح لنا بأداء دور أكثر فاعلية. المطلوب هو الاعتماد على قوانين الإدارة الذاتية، أو المشاركة في إنتاج نظام قانوني جديد لتوسيع مجال المناورة، وتذكير القادة بما التزموا به من مواقف والمطالبة بالحقوق".[37] وبالمثل، تناقش النقابات العمالية ونقابات الشركات الخاصة معدلات الضرائب وتمارس نفوذها على السياسات الاقتصادية للإدارة الذاتية. إن ديناميات مأسسة المجتمع هذه متناقضة، فهي تعزز سيطرة الحركة الكردية (حيث يجد الصحفيون غير النقابيين صعوبة أكبر في الحصول على مواعيد مع المسؤولين، وحيث لا يتاح توكيل محامين غير مسجلين في هيئة المحامين)، إلا أنها أيضاً تولّد ممارسات مقاومة أو ضغط ضمن المنظومة القائمة.

ثانياً، يُفسح غياب القواعد الواضحة بشأن الأداء الداخلي لمؤسسات الإدارة الذاتية مجالاً للتسويات غير الرسمية للنزاعات، وذلك عبر العلاقات التي ينسجها السكان مع قادة الحركة. على سبيل المثال، بسبب غياب المحاكم الإدارية داخل النظام القضائي، يضطر السكان لطلب مساعدة غير رسمية من المسؤولين التنفيذيين في الحركة الكردية لحل مشاكلهم الإدارية أو نزاعاتهم على الأراضي أو غيرها من الخلافات. يُبقي هؤلاء المسؤولون "الباب مفتوحاً دائماً"، والوصول إليهم متاحاً في جميع الأوقات.[38] وبهذه الطريقة أُنجزت عدة "مصالحات" سمحت بإطلاق سراح أو تخفيف أحكام أشخاص متهمين بالتخابر مع داعش. تتيح الأنشطة غير الرسمية أيضاً مجالاً لممارسات الفساد التي تقوي العلاقات مع الإدارة الذاتية بدل أن تقطعها.

تنتج لحظات الصراع مساحات للتفاوض تسمح للسكان في نهاية المطاف بالتفاوض على شروط علاقتهم مع المؤسسات، وهم بذلك يشاركون في ترسيخ أقدام هذه الأخيرة. فعلياً، يقوم السكان أولاً بالتوجه إلى المسؤولين التنفيذيين، الذين يفاوضون المستفيدين بشكل مباشر على حل معين، ثم يوجهونهم نحو المؤسسات الرسمية للإدارة الذاتية – والخاضعة ضمنياً لسيطرتهم – بغرض المصادقة على القرار. يشرح أحد التنفيذيين المقيمين في الرقة هذه العملية غير الرسمية كما يلي: "يثق الناس بنا لأنهم يدركون أننا المسؤولون في واقع الأمر. لكننا تدريجياً نترك الاختصاصات وننقل الملفات للمحاكم. دورنا هو تعزيز المؤسسات المدنية. في البداية لم تكن هناك مؤسسات. كان منفذ الاتصال الوحيد بين السكان والسلطة هي الوحدات العسكرية، وكان الناس قد اعتادوا على ذلك، والآن يأتون لرؤيتنا أولاً ونقدم نحن نصائحنا للمحكمة. لا تزال المؤسسات ضعيفة وما زالت تستمع إلينا، لكن نصيحتنا تبقى غير رسمية. في نهاية المطاف، هدفنا هو الانسحاب تدريجياً من المؤسسات والسماح لها بحيازة استقلالها".[39]

في حين كان السكان ينظرون للإدارة في البداية على أنها غريبة وغير مألوفة، إلا أنهم يقومون اليوم باستيعاب نموذج الحوكمة. يسمح استخدام المؤسسات العامة بالحد من البعد الاستبدادي للحكم، وأحياناً بجني بعض الفوائد منه. كما أنه يحول دون تحويل شكاوى السكان تجاه الإدارة (من فساد واعتقالات تعسفية ونقص قدرات) إلى نزاعات مفتوحة.

استنفاد ديناميات الاحتجاج: الأصل هو الموافقة

يساهم غياب بديل سياسي موثوق في بقاء النظام السياسي الذي أنشأته الحركة الكردية. يتبع ذلك دينامية الدعم السلبي، حيث يقبل السكان الإدارة باعتبارها "أهون الشرور".[40]

من الناحية السياسية، يمكن الاستدلال على تلك الدينامية من محدودية تعبئة الشارع أثناء الهجوم التركي في تشرين الأول ٢٠١٩. ليست ظاهرة استنزاف قدرة الشارع على الاحتجاج جديدة، ولكن يبدو أنها في ازدياد. بين نيسان وحزيران ٢٠١٩، لم تحشد المظاهرات الاحتجاجية في القسم الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية من دير الزور أكثر من ١٠٠ شخص، لكنها استطاعت باستمرارها إجبار السلطات على الحوار.[41] فوفقاً للمتظاهرين أنفسهم، فضّلت الإدارة الذاتية في ذلك الوقت الحوار على الاعتقالات (والتي كانت نادرة وتبعها دائماً إطلاق سراح المعتقلين) وقبلت العديد من مطالبهم: تخفيض أسعار النفط، وقمع شبكات التهريب، وزيادة سلطة السكان.

وفي تشرين الأول ٢٠١٩، بقي السكان صامتين، على الرغم من محاولات زعزعة الاستقرار التي بذلتها شبكات موالية للنظام، وعلى الرغم من المظاهرات التي نظمتها دوائر المعارضة السورية. فعلى الرغم من الشائعات الدائرة في وسائل الإعلام التابعة لدمشق حول "عودة النظام"، لم تحشد المسيرات المؤيدة له إلا مجموعات صغيرة لا تتجاوز ٢٠ شخصاً في مدينة الرقة خلال شهر تشرين الأول. أما شبكات الناشطين الثوريين الفاعلة منذ عام ٢٠١١، فتجد صعوبة كبيرة حالياً في التعبئة بسبب التأثير التركي الطاغي على ديناميات المعارضة. هؤلاء الناشطون لم يتمكنوا من جمع أكثر من ٦٠ شخصاً في مظاهرة مناهِضة للنظام في تشرين الثاني، على الرغم من تسامح الإدارة الذاتية معها، وإعلان المعارضة أن المظاهرة احتجاج على احتمال تعرض ٣٢ ألف شخص من سكان المدينة لملاحقة أجهزة النظام الأمنية في حال انتشارها في المنطقة.[42]

ساهم الاتفاق العسكري بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام في منتصف تشرين الأول بتشكيل بيئة خصبة لعدة محاولات تعبوية ضعيفة، إلا أن القوات الكردية أفشلت محاولات زعزعة الاستقرار بفاعلية كبيرة. ففي الرقة، فرضت قوات سوريا الديمقراطية حظراً للتجول "لمنع المشاكل المحتمل وقوعها نتيجة نشاط الشبكات الموالية للنظام".[43] واعتقلت الأجهزة الأمنية المحرضين على رفع الأعلام أو على الهتافات المؤيدة لبشار، بمن فيهم شخصيات بارزة قريبة من دمشق.[44] ووضعت قوات سوريا الديمقراطية في منبج، أحد معاقل المعارضة السابقة، حداً لحشود شبكات موالية للنظام جاءت لتحية مرور قوافل النظام المتجهة إلى الجبهة. كما اعتقلت في ٢٥ تشرين الأول عدداً كبيراً من الأشخاص الذين أعلنوا إضراباً معادياً للنظام لم ينفذه إلا قلة.[45]

تتناقض هشاشة التعبئة هذه مع تأكيد النظام على قدرة دمشق على حشد القبائل أو الشخصيات المحلية البارزة ضد الإدارة بسهولة. في الواقع، لا تجذب شبكات النظام الموالية الكثير من عموم السكان، ما يجعلها عاجزة عن التحشيد المنظم، وبالتالي يفشل النظام في الاستفادة سياسياً من الغموض الناجم عن انتشار جيشه مجدداً.

يوضح استنفاد ديناميات الاحتجاج أيضاً قدرة الإدارة الذاتية على تنظيم المجتمع زبائنياً من خلال إشراك أفراده في هياكل مؤسساتها، في حين تمكنها الاعتقالات المحدودة من احتواء الديناميات التي قد تؤدي إلى تغير الولاءات. "على عكس ما حدث في كانون الأول ٢٠١٨، عندما كان إعلان ترامب عن انسحاب الولايات المتحدة قد عزز بشكل كبير المصالحات التي ترجّح كفة النظام، لم تحدث مثل هذه الحركة بعد الإعلان عن الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، إذ ساهم مثال درعا، حيثُ قُتِل الوجهاء الذين عقدوا مصالحات مع النظام، في إحباط الميول التصالحية".[46]

أدت قدرة نموذج الحوكمة هذا على التأقلم إلى تمكين الغالبية العظمى من السكان النازحين بسبب عملية نبع السلام من البقاء في أراضي الإدارة الذاتية. على سبيل المثال، أسفر القصف التركي على كوباني عن نزوحٍ جماعي للسكان نحو القرى المحيطة، لكن هذا لم يدُم لأكثر من أسبوع. وتمكنت الإدارة الذاتية بمساعدة منظمات غير حكومية محلية ودولية من وضع خطط استجابة طارئة لنزوح أكثر من ٢٠٠ ألف شخص من تل أبيض.[47] وتفسِّر قدرات الإدارة في الاستجابة لمأساة النازحين أعدادهم القليلة نسبياً إلى العراق والمقدّرة بنحو ١٥ ألف شخص.[48]

الجزء الثالث: احتواء التهديدات الأمنية

يسمح صمود نموذج الحوكمة في الإدارة الذاتية بالنجاة من التهديدات الأمنية الرئيسية الثلاثة التي ساهم الهجوم التركي في تضخيمها: المخاطر الكامنة في عملية انتشار الجيش السوري، وتجدد انبعاث داعش، والوضع في المخيمات ومراكز الاحتجاز.

الحدود دون الأرض: احتواء عودة النظام

من وجهة نظر الحركة الكردية، يحقق الاتفاق العسكري بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري، المبرم في ١٤ تشرين الأول ٢٠١٨ هدفين.[49] من الناحية العسكرية، يحول الاتفاق الوجود المحدود للجيش السوري إلى "قوة ردع سياسي" في مواجهة تركيا،[50] بدون التأثير على سيطرة الإدارة على الأرض والموارد. ومن الناحية السياسية، يسمح الاتفاق لقيادة الإدارة الذاتية بتعزيز موقعها قبل المضيّ قدماً في المفاوضات مع دمشق.

تمكنت الحركة الكردية، على المستوى العسكري، من فرض رؤيتها الخاصة لـ"عودة النظام". ففي ظل استمرار رفض دمشق العودة إلى الحدود دون تزامن ذلك مع العودة إلى عمق أراضي سيطرة الحركة، تبنّت الحركة الكردية الموقف المعاكس، موافقةً على عودة النظام إلى الحدود ومطالبةً بالاحتفاظ بسيطرتها على الأراضي وهياكل الحوكمة التي تنظمها. يقول أحد أعضاء الإدارة الذاتية: " تتفق الدعوة إلى نشر الجيش على الحدود مع مبادئنا [...] فالحدود في نظرنا مسألة سيادية تختص بها الدولة المركزية".[51] ولكن، على عكس ما حدث في عفرين في عام ٢٠١٨،[52] وافق النظام على شروط الحركة الكردية في الشمال الشرقي، وسلّم تحت الضغط الروسي بما أصر على رفضه سابقاً، أي "حماية العدو من عدو آخر".[53] فمن وجهة النظر هذه، لا يمكن اعتبار "عودة النظام" بمثابة انكسار لقوات سوريا الديمقراطية الساعية لطلب حماية دمشق، بل بمثابة تنازل من جانب دمشق.

لن يعود الجيش السوري إلى الحدود سوى بقوة محدودة لا يزيد تعدادها على ٢,٢٠٠ رجل،[54] يرافقهم بضع مئات من رجال الشرطة العسكرية الروسية، ويخضع انتشارها لسيطرة القوات الكردية التي فرضت قواعد اشتباك صارمة. فأولاً، يجب أن تُنشَر وحدات الجيش السوري في مواقع عسكرية محددة مسبقاً؛ وثانياً، لا يمكنها التحرك دون مرافقة من قوات الأمن الكردية؛ وثالثاً، لا يُمكنُ اتخاذ قرار "السلم أو الحرب" بشكل أحادي؛ وأخيراً، ليس للجيش السوري أي سلطة على السكان.[55] وأدى عدم الامتثال لهذه القواعد إلى اعتقال العديد من عناصر الجيش السوري من قبل قوات سوريا الديمقراطية أو قوات الأمن الكردية.[56] وفي الوقت نفسه، تم إحباط محاولات الجيش السوري بإقامة حواجز جديدة أو بالسيطرة على المباني والمدارس العامة في القامشلي من قبل القوات الكردية الأمنية والعسكرية.

أدى الضعف الشديد لوحدات الجيش السوري إلى زيادة اعتمادها على قوات سوريا الديمقراطية، ولا سيما في الشؤون اللوجستية، وازداد شح الإمدادات الغذائية لقوات الجيش السوري نتيجة سرقة الضباط للإمدادات بغرض بيعها بعد ذلك للجنود. أشار قائد في قوات سوريا الديمقراطية إلى أن وصول الجيش السوري عرّض الجبهات للخطر وأضعفها بدلاً من تعزيز دفاعاتها. وتجلى عجز الجيش عن القتال في حادثة فرار أكثر من ٤٠٠ جندي سوري شمال مدينة تل تمر لدى هجوم القوات الموالية لتركيا، وهو ما سمح لهذه القوات بالتقدم لعدة كيلومترات في ٣٠ تشرين الأول ٢٠١٩. "في تل تمر، أرسل الجيش تعزيزات ومدفعية، لكن ذلك لم ينجح لأن الروح المعنوية للجنود كانت في أدنى حالاتها… إنهم محبطون وجائعون".[57]

ولكي تدخل الحركة الكردية المفاوضات مع دمشق من موقع قوة عندما يحين الوقت،[58] تعتزم الحركة الاحتفاظ بسيطرتها على المناطق والموارد الواقعة تحت سيطرتها، إدراكاً منها لتعنّت النظام ولضعفه العسكري والاقتصادي.[59] على الرغم من توقف المفاوضات مع دمشق في كانون الثاني ٢٠٢٠، تحافظ الحركة الكردية على أهدافها دون تغيير، خاصةً فيما يتعلق بإنجاز "حل سياسي شامل"[60] عبر إجراء تغييرات دستورية ترسخ النظام المؤسساتي المعمول به منذ عام ٢٠١٢.

في الوقت نفسه، ما زال النظام السوري رافضاً للنقاش السياسي وأي مباحثات ثنائية حول بنى السلطة،[61] ويعتبر أن مثل هذه الإصلاحات يجب أن تكون جزءاً من عملية وطنية تتم تحت رعايته، رافضاً الفصل بين عودة إدارته المدنية وبين عودة عناصر أجهزته الأمنية، ويعارض بالتالي بدء عملية تدريجية تقوم على المفاوضات للبحث عن مساحات مشتركة للتعاون المؤسساتي، كما اتضح خلال المناقشات حول الإدارة المشتركة لسد الطبقة.[62] أخيراً، تحاول دمشق تشتيت تمثيل المناطق الشمالية الشرقية في المفاوضات عبر إشراك شخصيات قبلية ونخبٍ متعلمة وممثلي الأحزاب الكردية الأخرى إلى جانب ممثلي الإدارة الذاتية. يهدف ذلك إلى "نزع تسييس" المفاوضات بحصرها في المجال الثقافي. بعبارة أخرى، يعتزم النظام فتح حوار مع الأكراد كأقلية وليس مع الإدارة المستقلة كقوة سياسية فاعلة.[63] وهكذا دعا النظام في كانون الثاني ٢٠٢٠ وفداً من الأحزاب السياسية من الشمال الشرقي، عوضاً عن ممثلي الإدارة، إلى الاجتماع الوحيد الممكن وصفه بالسياسي. بناءً على ذلك، لا يقتصر الخلاف في المفاوضات على شروط الحل، بل يمتد إلى هوية القوى الفاعلة المشاركة في التفاوض.

يبقى الانتظار سيد الموقف على كلا الجانبين، في مواجهة تعنّت النظام وعجزه عن فرض الحل الذي يراه بالقوة ورفضه إفساح المجال أمام المفاوضات السياسية. وبذلك، يتمثل التحدي الأساسي الذي يواجه الإدارة الذاتية في قدرتها على استغلال النظام لتأمين الحدود من دون السماح له، بشكل أو بآخر، بالاستفادة من إعادة انتشار جيشه لزعزعة الاستقرار.

السكان دون الأرض: الانبعاث المحدود لداعش

يمثل انبعاث داعش التهديد الأمني الثاني الذي يتعين على الإدارة الذاتية مواجهته، إذ أدى الهجوم التركي إلى ارتفاع عدد عمليات داعش بمعدل ٦٣ في المئة، وسرّع من إعادة تشكيل شبكاته.[64] يكتسب احتواء داعش أهمية مضاعفة لدى الإدارة الذاتية لسببين: قدرة التنظيم الكبيرة على تنفيذ عمليات مؤلمة محلياً، والحفاظ على قيمة قوات سوريا الديمقراطية دولياً، وهي المستمدة أساساً من مواجهتها للتنظيم.

تتم المواجهة بين قوات سوريا الديمقراطية وشبكات التنظيم الجديدة في شرق دير الزور، المعقل السابق لداعش. في البداية، كانت هجمات داعش في الأراضي التي كانت قوات سوريا الديمقراطية قد سيطرت عليها مؤخراً تُنذر بعودة عمليات تمرد تقليدية تذكر بالسيناريو العراقي بعد رحيل القوات الأميركية عام ٢٠١١. فمنذُ تقليص مناطق سيطرة "الخلافة" في صيف ٢٠١٨، انخرط التنظيم في حرب استنزاف في المناطق المنتزعة منه، والتي تسيطر عليها حالياً قوى التحالف وحلفاؤها المحليون. رغم الإمكانيات المحدودة، تمكن التنظيم من استهداف مواقع قوى الأمن الكردية باستمرار، ومن تهديد أو قتل كل شخص أو عشيرة أو عائلة تتقارب أكثر من اللازم مع الإدارة الذاتية.[65]

يحث داعش السكان على التوبة لتوسيع الهوة التي تفصلهم عن الإدارة الذاتية، ولتسهيل إعادة تشكيل شبكاته على المستوى المحلي. يُستخدم مفهوم التوبة أو الاستتابة الديني كوسيلة تعبئة سياسية بحتة لحرف الولاءات المحلية لصالح التنظيم. حتى بداية صيف ٢٠١٩، كانت ممارسات الاستتابة تتم بحذر، حيث كان المستهدفون يُدعَون للتوبة فرادى، إما عبر لقاء أحد نشطاء التنظيم، أو في الجوامع المحلية خلال صلاة الجمعة. في تموز ٢٠١٩، اتسع نطاق ممارسة الاستتابة لتصبح ممارسة جماعية. في مدينة أبو حردوب في شرق دير الزور، نُشِرت قائمة بأسماء موظفي البلدة على مدخل مسجد البلدة، مرفقة بدعوة لهم بالتوبة العلنية وعدم العمل في المؤسسات المحلية. أدى ذلك إلى انهيار مؤسسات الإدارة الذاتية تماماً، حيث لم يتابع العمل فيها إلا بعض المعلّمين في المدارس.[66]

ولكن مثال بلدة أبو حردوب لم يتكرر، حيث أصبح التنظيم يفضل، على ما يبدو، سياسة اختراق المؤسسات والتدخل في عملها على المواجهة المفتوحة. ويتّضح ذلك منذ أيلول ٢٠١٩ من تزايد اعتقال أشخاص يشغلون مناصب مهمة في الإدارة ويحافظون في الوقت نفسه على العلاقات مع داعش. على سبيل المثال، تم إيقاف رئيس المجلس المحلي لقرية سويدان بتهمة جباية الأموال لصالح تنظيم داعش. كذلك هدّد التنظيم معظم مسؤولي الإدارة الذاتية، واستهدف عدداً منهم بالفعل، ما وضع أولئك الذين لم تطلهم يد التنظيم في دائرة الشك بالتواطؤ معه. اتسعت دائرة الشك والشبهات بحيث امتنع مخبرون سابقون عن التعاون مع الأجهزة الأمنية لخشيتهم من تعاون من يتواصلون معهم مع داعش.[67]

أحكم داعش قبضته على السكان عبر هذه الاختراقات، بالإضافة إلى وسائل مختلفة كالتوصل إلى تسويات غير معلنة مع وجهاء وقادة محليين تجبرهم على التعاون أمنياً مع التنظيم، وتسيير دوريات حسبة ليلية، وإعادة تشكيل شبكات منظمة ذات بنية هرمية محددة،[68] والإبقاء على مجموعة من الموظفين المدنيين.[69]

يتمثل الهدف الرئيسي من ذلك، على ما يبدو، في حيازة الموارد. تشير التقارير المحلية إلى أن التنظيم يفرض أتاوات تصل عائداتها اليومية إلى نحو مليون دولار.[70] يُستهدف مشغلو القطاع النفطي في القسم الشرقي الصحراوي من دير الزور بشكل خاص، حيث يدفع بعضهم للتنظيم عشرات آلاف الدولارات شهرياً. كما يفرض التنظيم الأتاوات على المُهرّبين والعبّارات في الفرات ومسؤولي الإدارة الذاتية.[71] ويواجه المتخلفون عن الدفع التهديدات، ويعاقَبون بهجمات على عائلاتهم وقنابل صوتية على منازلهم ليلاً.[72]

علاوةً على ذلك، ترمي جهود التنظيم للتحكم بالسكان إلى إضعاف المنظومة الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، ما يدفعها إلى التصرف كقوة احتلال تنفذ مداهمات وعمليات أمنية متكررة ضاغطة على السكان المحليين. بعبارة أخرى، لا يسعى التنظيم إلى انهيار المؤسسات أو استعادة السيطرة على الأراضي، بقدر ما يسعى إلى خلق بيئة ملائمة لجمع الموارد المالية. يمكن اعتبار انبعاث التنظيم حقيقياً من خلال النظر إلى قدرته على شنّ عمليات مسلحة وعلى التجنيد والسيطرة على الموارد.[73] ولكن لا يرجّح أن التنظيم يسعى إلى شن تمرد واسع النطاق ضد الحركة الكردية أو قوات التحالف الدولي،[74] بل هو يفضّل في الوقت الحالي الإبقاء على معاقله في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية كمنصات انطلاق يشنّ منها معارك ضد النظام وحلفائه العراقيين لدى انسحاب القوات الأميركية، حيث يرى التنظيم أنهما هدف أسهل وأولى بالحرب أيديولوجياً (نظراً لهويتهما العلوية والشيعية).

ضبط الوضع داخل المخيمات

إلى جانب الضفة الشرقية للفرات في دير الزور، تشكل السجون ومراكز اعتقال عائلات أعضاء التنظيم مكان انبعاثه الثاني. وتشكّل السجون الأربعة وعشرون في الشمال الشرقي، المكتظة بما يزيد على ١٠ آلاف مقاتل سابق، تحدياً حقيقياً للإدارة الذاتية.[75] اندلعت عدة انتفاضات في سجون المالكية والشدادي، وشهدت سجون كسرة في دير الزور والغويران في الحسكة وصوار عدة هجمات.[76]

الاستقرار في المخيمات في تراجع، والوضع في مخيم الهول، السيء أصلاً قبل الهجوم التركي، يزداد سوءاً. وقد أحصت إدارة المخيم عشرين اغتيالاً منذ تموز ٢٠١٩، ومن المرجح أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير، نظراً لإخفاء جثث القتلى.[77] يمكن تفسير هذا التدهور بتراجع أعداد عناصر الأمن المسؤولين عن المخيم بأكثر من الثلث بسبب الهجوم التركي. فقد أُرسِل ١٥٠ حارساً من أصل ٤٠٠ إلى الجبهات مع تركيا.[78] وعلى صعيد آخر، تفتقر الأجهزة الأمنية لمعدات الاتصال والمراقبة وغيرها، بينما يتعرض أفرادها للهجوم بشكل منتظم، ما يدفعهم إلى التمترس، ويحد من الدوريات وبخاصة الليلية منها. توقف الشرطة نحو ٥٠ شخصاً يومياً لمحاولتهم الهرب، وتقدّر وجود عدد مماثل ينجح بالهرب، كما سُجّلت هجمات على الحواجز المحيطة بالمخيم. وتساعد شبكات المهربين على استمرار اتصال السجناء داخل المخيم بالعالم الخارجي، كما وتنتشر الهواتف غير المرخّصة.

قررت السلطات عزل قسم السجناء الأجانب من النساء، الذين تعتبرهم الأكثر تطرفاً، بسبب تأثيرهم المتزايد على الأقسام العراقية والسورية. إلا أنه لم تكن لهذا الإجراء أية فعالية، وما تزال سلطة المعتقلين الأجانب مستمرة عبر إنشاء قوة فرض دينية تدعى بالحسبة.[79] وفق مسؤولين إداريين، تكاد قدرات الإدارة الذاتية الخاصة على ضبط وتنظيم المخيم تصل مداها الأقصى وتُستنفد.[80]

نجحت الإدارة في تنظيم بقية المراكز الخاضعة لسيطرتها عبر نظام "كومونات"، ما يتيح لها تأمين بعض الخدمات، والحصول على المعلومات، وتعيين محاوِرين في المخيمات (خاصة في مخيم الروج حيث يتواجد عدد كبير من المعتقلين الأجانب). ولكن المعتقلين الأجانب في مخيم الهول قاوموا بنجاح هذه المحاولات التنظيمية. وسهّلت ضعف السيطرة عليه إعادة تشكل خلايا داعش داخل هذا المخيم. وقد أقام التنظيم حالياً محاكم له في المخيم تنفذ أحكاماً بالإعدام، فيما تلاحق الحسبة من تعتبرهم منحرفين، وتنشر "لجان توعية" الأفكار وتيسّر التجنيد.[81]

خاتمة: استعصاء الوضع القائم

ساد مناخ من الهدوء الحذر والهش إثر انتهاء الجولة الأولى من المواجهات بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية في تشرين الثاني من دون انتصار حاسم لأي من الطرفين. ولا يُنبئُ الوضع بالضرورة بانتهاء الحرب.

على المدى القصير، أدت العملية العسكرية التركية إلى مفارقة، حيث حقق الطرف المستهدف الذي اعتُبر أنه الأضعف، أي الحركة الكردية، أكبر المكاسب، بينما تعرضت الدول (أنقرة وموسكو ودمشق) إما للإحراج أو أصبحت عالقة في حالة من الانتظار والترقب. رغم فقدانها جزءاً من الأراضي الواقعة سابقاً تحت سيطرتها، حافظت الحركة الكردية على قدراتها العسكرية وعلى هياكل حوكمتها، باستثناء المناطق الواقعة بين تل أبيض ورأس العين. وكفل الانسحاب الأميركي في أقصى الشمال الشرقي للقوات الكردية النفاذ إلى الموارد النفطية. في الوقت نفسه، تعثر التقدم العسكري التركي بسبب إعادة انتشار الجيش السوري واتفاق تركيا مع روسيا وخطر العقوبات الأميركية. كما تجد أنقرة نفسها في مواجهة حملة زعزعة استقرار مكلفة في المناطق التي سيطرت عليها حديثاً. أما روسيا فقد ورثت تناقضات الموقف الأميركي، وهو ما حدّ من تدخلها في الشمال الشرقي بانتظار الانسحاب الأميركي. وأخيراً يتعثّر النظام السوري بنقاط ضعفه الخاصة وبقدرة مؤسسات الإدارة الذاتية على التأقلم.

على الرغم من قوتها النسبية ميدانياً (من حيث القوة العسكرية والإدارة المدنية)، يبقى موقع الحركة الكردية غير مستقر وإشكالياً على المدى الطويل بسبب المخاطر المحدقة بها على الصعيد الاستراتيجي. فمن جهة، تعتبرها تركيا "تهديداً وجودياً" وتبقي الخيار العسكري قائماً. ومن جهة أخرى، تواجه الحركة حصيلة اتفاق مصالح عدة قوى دولية على عودة كاملة للنظام بدلاً من الإبقاء على مؤسسات الإدارة الذاتية، التي تعتبرها دمشق "مشروعاً انفصالياً" وتعتبرها أنقرة "دولة مصغّرة لحزب العمال الكردستاني"، بينما تعتبرها طهران حليفاً للولايات المتحدة يقف في وجه "محور الممانعة"، وتصنّفها موسكو عائقاً في وجه الانتصارات العسكرية التي تحققها بالتحالف مع الجيش السوري منذ عام ٢٠١٥. من الناحية السياسية، يبدو الهدوء الحذر والهش أقل استقراراً من أن يستمر.

لا يمكن لتركيا أن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة قوة الحركة الكردية، لذلك فإن موقع الحركة معتمد على استمرار الوضع الحالي الهش. لقد خسرت الحركة رهانها الاستراتيجي على تحويل شراكتها العسكرية مع الولايات المتحدة إلى تحالف استراتيجي.[82] ولن تكون قادرة على البقاء على المدى البعيد من دون "مبادرة سياسية"،[83] سواء كانت هذه المبادرة تقارباً مع دمشق أو خفضاً في التصعيد مع تركيا. لكن هذا الانتقال لحل سياسي يبدو غير مرجح في هذه المرحلة، لأنه بالنظر إلى مواقف أنقرة ودمشق، فإن الكلفة تبقى عالية للغاية بالنسبة للحركة الكردية من حيث التنازلات اللازمة لإبرام صفقة. ومع الوقت يزداد احتمال عودة تركيا للعمليات العسكرية نتيجة غياب البديل. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي ازدياد الضغوط الأمنية (من تركيا وداعش والنظام)، ولا سيما في سياق التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، إلى زيادة الصراعات المحلية، ما سيعرّض النموذج السياسي في الشمال الشرقي إلى ضغط كبير. من المرجح أن يشكل هذا الاحتمال استكمالاً لهلال الأزمة الممتد من سهوب حمص إلى تلال حمرين جنوب كركوك، والذي يتسم بضعف تشريعات الدولة وديناميات ميليشوية متعددة ليس أقلها داعش.

* باتريك هايني هو دكتور في العلوم السياسية وباحث في معهد الجامعة الأوروبية ومستشار رفيع في مركز الحوار الإنساني. يركز في دراساته منذ عام ٢٠١٣ على الديناميات السياسية في مناطق المعارضة السورية. وهو مؤلف كتابين: إسلام السوق (باريس، سوي، ٢٠٠٥)، ونظام القادة (باريس، كارتالا، ٢٠٠٥).
* آرتور كويسناي هو دكتور في العلوم السياسية وباحث في مركز دراسة الديناميات الاجتماعية للحروب الأهلية ضمن مجلس البحوث الأوروبي في جامعة باريس الأولى – بانتيون سوربون. تركز أبحاثه منذ عام ٢٠٠٩ على العراق وسوريا، وقد ساهم، مع آدم باجكو وجيل دورونسورو، في نشر كتاب الحرب الأهلية في سوريا (منشورات جامعة كامبريدج، ٢٠١٨).
عُرضت النتائج الأولية لهذا البحث في اجتماع طاولة مستديرة بعنوان "تحولات موازين القوى شمال شرق سوريا" الذي نظمه برنامج مسارات الشرق الأوسط في ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٩ ضمن مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا". تم نشر هذه الورقة البحثية أولاً باللغة الفرنسية في ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٠ من قبل مسارات الشرق الأوسط وقام بترجمتها إلى الإنكليزية والعربية فريق دوكستريم

[1] تأسس حزب الاتحاد الديمقراطي عام ٢٠٠٣، وهو ينتمي أيديولوجياً إلى حزب العمال الكردستاني. وقد بنى مشروع حكم خاص به في شمال شرق سوريا (سيُشار إليه في هذه الورقة باسم "الإدارة الذاتية") منذ عام ٢٠١٢، وبذلك أصبح الحزب السياسي الكردي الرئيسي في سوريا. ومن باب التبسيط سنشير إلى الحزب بمصطلح "الحركة الكردية" أو "قيادة الإدارة الذاتية".

[2] تأسست قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول ٢٠١٥، وهي تحالف غير متجانس لقوات مسلحة متعددة الإثنيات تخضع للقيادة العسكرية لوحدات حماية الشعب، وهذه الأخيرة تشكل قوات النخبة بوصفها الأكثر تدريباً والتزاماً من الناحية الأيديولوجية.

[3] بعد إعلان الرئيس أردوغان عن هجوم تركي وشيك على المنطقة الواقعة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، فاجأ الرئيس دونالد ترامب العالم يوم ٦ تشرين الأول ٢٠١٩ بإعلانه عبر الهاتف لنظيره التركي عن انسحاب الجيش الأميركي من المنطقة نفسها. ويوم ١٣ تشرين الأول، أعلن وزير الدفاع مارك إسبر عن قرار ترامب بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من شمال شرق سوريا. جوليان إي بارنز وإيريك شميت، "ترامب يأمر بسحب القوات الأميركية من شمال شرق سوريا" (بالإنكليزية)، نيويورك تايمز، ١٣ تشرين الأول ٢٠١٩، https://nyti.ms/2rS8dys.

[4] أدت العملية إلى مقتل أكثر من ٤٥٠ مدني ونزوح أكثر من ٢٠٠ ألف شخص في أسبوع واحد. مركز روجافا للمعلومات، "وراء الجبهة – بناء النظام الديمقراطي في شمال وشرق سوريا" (بالإنكليزية)، ١٩ كانون الأول ٢٠١٩، http://bit.ly/2TM3GsQ.

[5] مكتب العلاقات الخارجية في البيت الأبيض، "الولايات المتحدة وتركيا تتفقان على وقف إطلاق نار في شمال شرق سوريا" (بالإنكليزية)، ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، http://bit.ly/2sHc2GJ؛ سميح إديز، "هل ستتحقق خطط أردوغان لشمال شرق سوريا؟" (بالإنكليزية)، المونيتور، ٤ تشرين الأول ٢٠١٩، http://bit.ly/2s4PW0C.

[6] بدءاً من عام ٢٠١١، أجرت الحركة الكردية مفاوضات مع دمشق لنشر قوات في مناطق سكن الأكراد الثلاث على الحدود التركية مقابل التزامها بالقتال ضد المعارضة السورية إلى جانب النظام. عام ٢٠١٢، قرر النظام الانسحاب جزئياً من شمال شرق سوريا، ما سمح لوحدات حماية الشعب بالسيطرة على المناطق الكردية.

[7] بناء على أبحاث منتظمة في شمال شرق سوريا منذ عام ٢٠١٢، ومقابلات منتظمة مع ممثلين عن مختلف الأطراف المعنية في موسكو وإسطنبول وواشنطن وطهران وأنقرة وبروكسل وباريس ولندن وبيروت.

[8] تستخدم الإدارة الأميركية هذا المصطلح لوصف عملياتها في شمال شرق سوريا. مقابلة مع مسؤولين أميركيين، تشرين الأول ٢٠١٩.

[9] بحسب مسؤول أميركي سابق كان على رأس عمله حين بدأ التعاون بين الولايات المتحدة وقوات حماية الشعب، فإن صناع السياسة الأميركيين كانوا مدركين للمخاطر ولكن اتخذوا القرار فقط بعد استكشاف كافة البدائل المحتملة الأخرى (تواصل عبر الإيميل في كانون الثاني ٢٠٢٠).

[10] كانت السيطرة على منبج في حينه ذات قيمة استراتيجية عالية. حاولت قوات سوريا الديمقراطية ربطها بمنطقة عفرين، ولكن تركيا أطلقت عملية "درع الفرات" للتصدي لهذه المحاولة. فقدت المدينة أهميتها الاستراتيجية إلا ما يتعلق بموقعها غرب الفرات، وهي المنطقة التي تعتبرها تركيا باحتها الخلفية. مقابلات وملاحظات في منبج منذ عام ٢٠١٧ ومناقشات مع مسؤولين أتراك وأميركيين عامَي ٢٠١٧ و٢٠١٨ في واشنطن وأنقرة.

[11] قال عضو في الحركة الكردية: "مع امتداد زمن علاقتنا بالولايات المتحدة وتطورها نتيجة تأكيد الأميركيين المتكرر بأن القوات الأميركية ستبقى في المنطقة، صدّقنا حقاً أننا لأول مرة في تاريخ حركتنا بدأنا ببناء علاقة استراتيجية حقيقية، وكنا مستعدين لإضعاف تواصلنا مع دول المنطقة في سبيل ذلك". (مقابلة في الرقة في تشرين الثاني ٢٠١٩).

[12] في آذار ٢٠١٨، أعلن الرئيس الأميركي بوضوح عن نيته سحب القوات الأميركية قريباً من سوريا. كريستيانو ليما، "ترامب: ’أريد الخروج‘ من سوريا" (بالإنكليزية)، بوليتيكو، ٤ آذار ٢٠١٨، https://politi.co/38W2pnW. أكّد لاحقاً اعتزامه الانسحاب في محادثة هاتفية مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني (مقابلة مع القيادة العسكرية الكردية في الحسكة في كانون الثاني ٢٠٢٠).

[13] حسب اتفاق ضمني بين روسيا والولايات المتحدة، ينقسم استخدام المجال الجوي السوري إلى منطقتَي نفوذ تلتقيان عند الخط فوق مدينة تل تمر، غرب الخط لروسيا وشرقه للولايات المتحدة. مقابلات مع مسؤولين أميركيين وروس في تشرين الثاني ٢٠١٩.

[14] من المرجح أن المنطق نفسه كان سيُستَخدم لتحديد عدد الجنود. مقابلات مع مسؤولين أميركيين وأكراد في تشرين الثاني ٢٠١٩ وكانون الثاني ٢٠٢٠؛ روبن رايت، "خطة ترامب المحيّرة لنهب النفط السوري" (بالإنكليزية)، نيويوركر، ٣٠ تشرين الأول ٢٠١٩، http://bit.ly/34EQAPM.

[15] مكتب الرئاسة الروسية، "مذكرة تفاهم بين تركيا والاتحاد الروسي" (بالإنكليزية)، ٢٢ تشرين الأول ٢٠١٩، http://bit.ly/370CbPJ.

[16] مقابلات مع الدبلوماسيين الروس في جنيف وأنقرة وموسكو من تشرين الثاني إلى كانون الأول ٢٠١٩.

[17] تؤكد العديد من المصادر أن روسيا كانت مستعدة، خلال المرحلة الأولى من عملية نبع السلام، للسماح لتركيا بقيادة الهجوم العسكري على مدينة كوباني. مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين أمنيين، تشرين الأول، تشرين الثاني ٢٠١٩. وكالة تاس الروسية للأنباء، "لافروف: اهتمام الأكراد بمذكرة سوتشي يتراجع مع عودة القوات الأميركية إلى شمال سوريا" (بالإنكليزية)، 26 تشرين الثاني ٢٠١٩، http://bit.ly/2ttfZyY.

[18] مقابلات مع دبلوماسيين روس في جنيف وأنقرة وموسكو، تشرين الثاني، كانون الأول ٢٠١٩.

[19] المصدر نفسه.

[20] "نحن نؤيد التوصل إلى اتفاق بين حزب الاتحاد الديمقراطي ودمشق، لكننا نمارس ضغطاً على الحكومة السورية في العديد من الملفات، ونفوذنا السياسي محدود. لا يمكننا ممارسة الضغط على دمشق لتكون أكثر مرونة بشأن المسألة الكردية لأن ذلك يؤثر على علاقتنا بتركيا"، مقابلة مع دبلوماسي روسي، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[21] قال قيادي في قوات سوريا الديمقراطية انشق خلال المعركة: "لم يكن هناك قتال حقيقي، وكان إشراف الكوادر العسكرية الكردية محدوداً جداً. كنا نعلم أننا نواجه أقاربنا. قرر الأكراد والأتراك أن يرسلوا أبناء دير الزور ليقاتل بعضهم ضد البعض الآخر". مقابلة في دير الزور، تشرين الأول ٢٠١٩.

[22] مقابلة مع مستشار سياسي للإدارة الذاتية في تشرين الثاني ٢٠١٩. من جانبهم، يعترف المسؤولون الأتراك بأن قواتهم الداعمة للجيش الوطني السوري تكبدت خسائر أكبر بعد تنفيذ وقف إطلاق النار مقارنةً بخسائرها خلال معارك الأسبوع الأول: ٦٣ قتيلاً حتى ١٧ تشرين الأول و٢٣٤ قتيلاً في ١٨ تشرين الأول. مقابلات أجريت في تشرين الثاني ٢٠١٩.

[23] من ٢٢ تشرين الأول إلى ٢٠ كانون الأول ٢٠١٩، وقع ٤٣ هجوماً في منطقة تل أبيض ورأس العين، أودت بـ٧٢ ضحية من المدنيين و٢٥٨ جريحاً. قال مسؤول في الأمم المتحدة: "في كل مرة يحدث فيها تفجير، تستخدم وزارة الخارجية التركية ذلك بالكامل في الدعاية التابعة لها. قد يعني هذا في النهاية أن تركيا ستعود للقتال، والولايات المتحدة تتبنى الرواية التركية وتتحدث عن أنشطة "إرهابية" في تل أبيض ورأس العين". مقابلة أُجرِيت في كانون الأول ٢٠١٩.

[24] مقابلات مع مسؤولين أتراك في تشرين الثاني ٢٠١٩.

[25] المصدر نفسه.

[26] المصدر نفسه.

[27] مقابلات مع أعضاء في الإدارة الذاتية بين أيلول وتشرين الثاني ٢٠١٩.

[28] نشرت الإدارة الذاتية في كانون الثاني ٢٠٢٠ حالة حساباتها لأول مرة. وصل إنفاقها عام ٢٠١٩ إلى ٤٥ مليون دولار شهرياً على رواتب الموظفين المدنيين (نقاشات مع مسؤولين في الإدارة الذاتية، آب ٢٠١٩). بالتالي، يُخصّص القسم الأكبر من الميزانية غير العسكرية للرواتب، وهو ما يدل على اقتصاد سياسي قائم على الرعاية الزبائنية. للاطلاع على تفاصيل الميزانية: الإدارة المستقلة لشمال شرق سوريا، ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٠، فيسبوك، http://bit.ly/2GdYPIS.

[29] مقابلات مع مسؤولين أجريت خلال الإقامة في مناطق مختلفة في الشمال الشرقي عامَي ٢٠١٨ و٢٠١٩.

[30] تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، http://bit.ly/2TT0RGa.

[31] محسوبة على أساس بيانات عن هرم العمر في سوريا، وهي متاحة على الموقع http://bit.ly/2Rj7fVH.

[32] تذكر سجلات الدولة ٢٣ ألف موظف مدني ما زالوا يتقاضون رواتبهم من الدولة في الشمال الشرقي. من المرجح أن يكون الرقم أعلى من ذلك، ولكن التقديرات الأعلى تبقى في إطار التكهنات (مقابلة مع سنان حتاحت، كانون الثاني ٢٠٢٠). سنان حتاحت، "الاقتصاد السياسي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، ورقة بحثية صادرة في فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، مشروع مسارات الشرق الأوسط، مرحلة الحرب وما بعد النزاع في سوريا، ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٩، https://bit.ly/39ozlVz.

[33] في الطبقة، انسحب لواء محلي ثالث من مواقعه احتجاجاً على الاتفاق العسكري بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام، ولكن معظم المنسحبين عادوا سريعاً إلى القوات بعد الاتفاق مع القادة المحليين في قوات سوريا الديمقراطية.

[34] مقابلات مع مسؤولين محليين من الحركة الكردية في منبج والرقة ودير الزور في أيلول وتشرين الثاني ٢٠١٩.

[35] مقابلة مع أحد مستشاري مجلس منبج العسكري، تشرين الأول ٢٠١٩.

[36] مقابلة مع مسؤول أمني في دير الزور، تشرين الأول ٢٠١٩. بالمقارنة، في كانون الأول ٢٠١٨، تسبب الإعلان الأول عن الانسحاب الأميركي في العديد من الاستقالات في صفوف الحركة الكردية.

[37] مقابلة مع صحفي في القامشلي، أيلول ٢٠١٩.

[38] مقابلة مع سكان دير الزور، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[39] مقابلة مع مسؤول في الحركة الكردية في الرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[40] مقابلة مع قائد سابق في الجيش السوري الحر في الطبقة، أيلول ٢٠١٩.

[41] تطورت أسباب الاحتجاجات عبر الزمن واختلفت حسب المكان، فمنها الاحتجاج على مصادرة الإدارة الذاتية لعائدات النفط، والمطالبة بتفويض سلطات فعلية للسكان المحليين، والاحتجاج ضد سقوط ضحايا في غارات التحالف في معاقل داعش السابقة في شرق دير الزور، والدعوات لتحرير الأراضي التي يسيطر عليها النظام شرق الفرات في دير الزور.

[42] مقابلة مع منظمي المظاهرة في الرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[43] مقابلة مع مسؤول في الحركة الكردية في الرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[44] مقابلات في الرقة مع نشطاء مؤيدين للمعارضة ومسؤولين أمنيين وقادة منظمات غير حكومية محلية، تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠١٩.

[45] مقابلة مع ناشطين ومسؤولين أمنيين في منبج، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[46] مقابلة مع أحد نشطاء المعارضة السابقين في الرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[47] خُصّصت ٦٣ مدرسة لإيواء النازحين في الحسكة، واستضاف السكّان ٧٠ ألف نازح آخر. أُعيد توطين أغلبية النازحين من مخيم عين العيسى، الذي دُمر بالكامل في هجوم للجيش الوطني السوري، شرق الرقة في مخيم المحمودية، في إطار خطة إعادة توطين نظمها المجلس المحلي في المدينة. نقاشات منظمات غير حكومية محلية والمدير الحالي لمخيم المحمودية، الرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[48] مقابلة مع مسؤول أمني في كردستان العراق، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[49] قال عضو في الحركة الكردية: "في الوقت الحالي، الفهم السائد هو الفهم العسكري. الفكر السياسي مهم، فهو يسمح بوجود الحد الأدنى من الثقة عند النظام. لا يمكن للنظام اتهامنا بأننا انفصاليون". مقابلة في كانون الأول ٢٠١٩.

[50] وفق تعبير مسؤول عسكري كردي في إشارة إلى التحول نحو حرب بين تركيا وسوريا. مقابلة في الحسكة، كانون الثاني ٢٠٢٠.

[51] مقابلة مع مسؤول من الإدارة الذاتية، تشرين الأول ٢٠١٩.

[52] بعد التدخل التركي في عفرين بوقت قصير، بحثت دمشق وقيادة وحدات حماية الشعب، دون نجاح، إمكانية عودة النظام لردع الهجوم الوشيك. عرضت وحدات حماية الشعب على النظام نشر عدد محدود من القوات على الحدود، ولكن دمشق كانت ترى أن عودة الدولة بمؤسساتها لتحل محل مؤسسات الإدارة الذاتية هي الإجراء الوحيد الذي يمكن أن يردع أنقرة. مقابلة مع مستشار للرئيس السوري في بيروت، آذار ٢٠١٩.

[53] المصدر نفسه.

[54] مقابلة مع القيادة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية في الحسكة، كانون الثاني ٢٠٢٠.

[55] مقابلات مع قادة عسكريين في قوات سوريا الديمقراطية، تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠١٩. ملاحظات ميدانية في الطبقة وكوباني/عين العرب ومنبج والرقة وتل تمر، تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠١٩.

[56] ملاحظات في تل تمر والرقة، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[57] مقابلة مع قائد عسكري في قوات سوريا الديمقراطية على جبهة تل تمر، تشرين الأول ٢٠١٩.

[58] "ستستغرق المفاوضات مع النظام وقتاً طويلاً. لن تنتهي المسألة في أسبوعين أو ثلاثة. يحتاج النظام ليعود إلى المنطقة إلى موارد لا يمتلكها. ولن يتمكن من العودة لوقت طويل جداً. وحتى ذلك الحين، يحتاج النظام لنا لأنه لا يستطيع إدارة الشارع السني في الشرق بنما نحن نستطيع ذلك". المصدر السابق.

[59] قال سياسي في الحركة الكردية: "دمشق ليست مستعدة للتفاوض. الحكومة تنتظر مغادرة الولايات المتحدة أو هجوماً جديداً من تركيا قبل التواصل معنا لعقد حوار وطني. في الوقت نفسه، لن نقبل أبداً بحلّ قوات سوريا الديمقراطية أو جهازنا الأمني لأن النظام، ببساطة، ضعيف جداً سياسياً وعسكرياً". مقابلة مع أحد الكوادر السياسية في الحركة الكردية، القامشلي، تشرين الأول ٢٠١٩.

[60] المصدر السابق.

[61] "لا يمكن استيعاب الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة إلا ضمن إطار النظام القانوني القائم (القانون ١٠٧ الخاص باللامركزية)، وبالتأكيد ليس وفق تغيير دستوري كما تدعي الحركة الكردية، التي تعتبر أن دستوراً يلبي مطالبها يمكن أن يشكل ضامناً لاتفاقية مع النظام". محادثات مع مستشار للرئيس السوري، حزيران ٢٠١٩.

[62] كما ذكر سياسي كردي بعد زيارته لدمشق: "لن يفاوض النظام أبداً على إعادة الخدمات وحدها، بل سيرغب دائماً في ربط عودة الدولة بعودة النظام". مقابلة، تشرين الأول ٢٠١٩.

[63] في زيارة إلى القامشلي يوم ٥ كانون الأول ٢٠١٩، رفض علي مملوك، رئيس مخابرات أمن الدولة، استقبال ممثلين عن الإدارة الذاتية، واكتفى بلقاء وجهاء القبائل وشخصيات موالية للنظام، وحث وجهاء القبائل على الضغط على أبناء قبائلهم للانسحاب من قوات سوريا الديمقراطية. مقابلات مع مسؤولين تنفيذيين في الحركة الكردية، كانون الثاني ٢٠٢٠.

[64] مركز معلومات روجافا، كانون الأول ٢٠١٩، سبق ذكره.

[65] مثال عائلة نجريس في قرية درنج دالّ للغاية. بعد تقاربها مع الحركة الكردية في أوائل كانون الأول ٢٠١٩، تعرّضت هذه العائلة على الفور للضغوط، وقُتِل ثلاثة من أفرادها ممن تعاونوا مع الإدارة الذاتية.

[66] مقابلات مع وجهاء محليين، آب وأيلول ٢٠١٩.

[67] مقابلات مع مسؤولين محليين وعناصر أمن في دير الزور، أيلول وتشرين الأول ٢٠١٩.

[68] الوحدة الأساسية هي "القطاع"، ويضم كل قطاع مجموعة من القرى. يتمتع كل قطاع بتنظيم هيكلي نسبي (يضم ضابط أمن وضابط الزكاة)، ويتم العمل في كل قطاع بشكل مستقل نسبياً عن القطاعات الأخرى. يُجرى التنسيق في اجتماعات قادة الأمن من مختلف القطاعات، بما في ذلك تلك المتمركزة منها في المناطق التي يسيطر عليها النظام في دير الزور.

[69] في أوائل تشرين الأول، قُبض على شخص يحمل ظرف رواتب يحتوي ٣٠٠ ألف دولار. مقابلة مع مسؤول أمني في دير الزور، تشرين الأول ٢٠١٩.

[70] مقابلات مع وجهاء محليين، كانون الأول ٢٠١٩.

[71] اضطر مسؤول في مجال الري لدفع ٥ آلاف دولار. واضطر معتز الحفيل، رئيس المجلس المحلي في ذيبان، لدفع ١٠ آلاف دولار لحماية نفسه، وقرر أخيراً النزوح إلى الحسكة.

[72] مقابلات مع وجهاء محليين في دير الزور، أيلول ٢٠١٩.

[73] تراوح عدد القتلى نتيجة عمليات داعش بين ٣٠ و٥٠ ضحية شهرياً مع ازدياد حرفية الهجمات (سيارات مفخخة واعتداءات على مبانٍ عامة). وبحسب أحد المقرّبين من التنظيم إن الحركة اليوم تمتلك من الرجال والموارد ما يمكنها من تنفيذ عمليات تودي بحياة ما يتراوح بين ١٥٠ و٢٠٠ شخص في الشهر في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.

[74] لا يبدو أن هذا التمرد هو الهدف الحالي، لأن "العمل بالإمكانيات الكاملة سيلفت انتباهاً أكثر من اللازم". مقابلة مع مؤيد لداعش، كانون الأول ٢٠١٩.

[75] بشكل خاص منذ دعوة رئيس داعش للهجوم على مراكز الاعتقال. أبو بكر البغدادي، ١٧ تموز ٢٠١٩. http://bit.ly/2r6kwqg.

[76] محادثات مع قضاة ومسؤولين عسكريين وأمنيين في دير الزور والقامشلي والشدادة، تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠١٩.

[77] عُثِر على جثث بالصدفة في خزان الصرف الصحي. مقابلات مع سكان ومسؤولين في مخيم الهول، تشرين الأول ٢٠١٩.

[78] مقابلة مع مسؤولين في مخيم الهول، تشرين الأول ٢٠١٩.

[79] الحدود بين الأقسام المختلفة لا تمنع المرور. ملاحظات ميدانية في مخيم الهول، تشرين الأول ٢٠١٩.

[80] مقابلة مع مسؤولين في مخيم الهول، تشرين الأول ٢٠١٩. للمزيد من التفاصيل حول الموقف في المخيمات وقضية التعامل مع أهالي النشطاء، انظر: مجموعة الأزمات الدولية، "النساء والأطفال أولاً: إعادة الغربيين المرتبطين بداعش" (بالإنكليزية)، العدد ٢٠٨، ١٨ تشرين الثاني ٢٠١٩. http://bit.ly/2s38I8D.

[81] مقابلة مع مسؤولين في مخيم الهول، تشرين الثاني ٢٠١٩.

[82] باتريك هايني، "مأزق الحركة الأوجلانية الاستراتيجي في سوريا" (بالفرنسية)، ميدل إيست، العدد ٤١، كانون الثاني – آذار ٢٠١٩.

[83] مقابلة مع القيادة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، الحسكة، كانون الثاني ٢٠٢٠.

من نحن

  • يروّج برنامج مسارات الشرق الأوسط البحوث المتعددة التخصّصات، بناءًا على نتائج العمل الميداني وبالتعاون مع باحثين من المنطقة.
    يعتمد هذا البرنامج على: 
    تحليل على أساس بحوث تجريبية أُجريت في الميدان
    مقاربة متعدّدة التخصّصات تُركزّ على دراسة الديناميكيّات الرئيسيّة والمتشابكة 
    منظور متوسط الأجل إلى طويل الأجل، يهدف إلى تحديد الإتجاهات، مُتميّز عن منظور
    المؤسسات الفكرية والمعاهد غير الأكاديمية الأخرى، التي نِتاجها وتمويلها تُحدَّدُ بواسطة خُطط سياسية قصيرة المدى.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union