Home page

يمكن تنزيل منشورات المشروع لأغراض البحث الشخصية فقط. إن أيّ استنساخٍ إضافيّ لأغراض أخرى، سواء على شكل نسخ مطبوعة أم إلكترونية، يتطلّب موافقة المؤلّفين.
أما في حال الاستشهاد بالنص أو اقتباسه، فيجب الإشارة إلى الأسماء الكاملة للمؤلّفين والمحرّرين، إضافةً إلى العنوان، والسنة التي نُشِر فيها، والناشر.

الانتخابات في زمن الحرب: مجلس الشعب السوري (٢٠١٦-٢٠٢٠)

  • الكاتب: زياد عواد وأغنيس فافييه
  • التاريخ: الخميس, 30 نيسان 2020
  • تحرير: مايا صوّان

تحميل الملف pdf

تحميل الملف pdf

ملخّص تنفيذي

إذ تحدّت انتفاضة العام ٢٠١١ النظام السلطوي بشدّة في عددٍ من المناطق، يبدو تحليل انتخابات ما بعد العام ٢٠١١ محورياً لفهم كيفية سعي النظام إلى تجديد قاعدته الاجتماعية، التي يُفترَض أنها تقلّصت إلى حدّ كبير خلال سنوات الصراع الأولى.

أُجريَت آخر انتخاباتٍ لأعضاء مجلس الشعب السوري البالغ عددهم ٢٥٠ عضواً، في نيسان ٢٠١٦، وذلك في بلدٍ منقسمٍ بشدّة، وفي وقتٍ كانت قوات النظام لا تزال ضعيفةً، وتسيطر على أقلّ من ٤٠ في المئة من الأراضي. وعلى الرغم من الاضطّرابات العميقة التي أسفر عنها الصراع، نظّمت السلطات السورية تلك الانتخابات بطريقةٍ مماثلةٍ للطريقة التي كانت تُجرى بها قبل الحرب، علماً أن القيادة القطرية لحزب البعث اضطّلعت بدورٍ رئيس في الاختيار الأوّلي للمرشّحين، مع أن الحزب كان خسر دوره بوصفه الحزب الحاكم في المجتمع والدولة في دستور العام ٢٠١٢. فقد أشرفت القيادة على عملية تشكيل قوائم "الوحدة الوطنية"، التي ضمّت مرشّحين بعثيين، وآخرين من الأحزاب الأخرى في الجبهة الوطنية التقدّمية، وأحياناً مرشّحين مستقلّين، فازوا جميعاً بهذه الانتخابات.

نتيجة هذا الاختيار قبل يوم الانتخاب، لم يتغيّر توزّع المقاعد وفق الانتماء السياسي تغيّراً جذرياً خلال الحرب، كما لم يتغيّر تمثيل مختلف الفئات الاجتماعية، وإن كان النواب قد تغيّروا إلى حدّ كبير. فقد حافظ حزب البعث على نسبة الأغلبية من مقاعد المجلس التي شغلها منذ العام ١٩٧٣ (إلى أكثر من ٦٧ في المئة من المقاعد). إلا أن هذا الارتفاع الطفيف جاء على حساب الأحزاب السياسية الأخرى المُرخَّص لها (فاز بمقاعد في العام ٢٠١٦ ستّةٌ فقط من أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية، وحزب واحد أُسّس حديثاً بعد العام ٢٠١٢)، وعلى حساب المستقلّين (لم يكن عددهم بهذه الضآلة منذ العام ١٩٩٠). ومع أن توزّع المقاعد بحسب الفئة المذهبية والإثنية، والجندر، ليس شكلاً معترفاً به من التمثيل في مجلس الشعب، بقيت الحصص الضمنية للأقلّيات، التي اعتُمِدَت في العقد السابق للحرب، على حالها تقريباً في انتخابات العام ٢٠١٦.

بيد أن خصائص النواب تعكس صورةً مختلفةً عن الفئات التقليدية التي كانت مُمثَّلةً عادةً في المجلس قبل الحرب، وكانت تشمل أعضاء فاعلين في حزب البعث، أو التنظيمات الشعبية والنقابية التابعة له، والوجهاء وشيوخ العشائر، ورجال الأعمال، ورجال الدين السنّة، والشخصيات العامة. فباستثناء البعثيين التقليديين الذين كانوا لا يزالون يشكّلون أغلبيةً في العام ٢٠١٦، تبدّلت خصائص ممثّلي مجموعات المصالح (مثل رجال الأعمال، ورجال الدين السنّة، وشيوخ العشائر، الذين يُنتخَبون تقليدياً بصفتهم "مستقلّين")، تبدّلاً كبيراً، في حين برزت فئات اجتماعية جديدة (على غرار قادة الميليشيات وأُسَر الشهداء). أما السمة المشتركة التي تجمع بين هؤلاء النواب الجدد، فهي مشاركتهم الفاعلة في جهود الحرب إلى جانب النظام. وكانت التغيرّات واضحةً في المحافظات التي كانت شهدت اضطّرابات عسكرية وسياسية وديمغرافية كبيرة (حلب، ودرعا، وريف دمشق، ودير الزور، والرقّة)، وضوحاً أكبر مما كانت عليه في المحافظات التي لم يطَلها العنف (دمشق، واللاذقية، وطرطوس)، أو التي سرعان ما استعادتها قوات النظام (حمص).

لقد بدا مجلس ٢٠١٦-٢٠٢٠ أشبه بـ"مجلس حرب" شكّل انعكاساً للأولويّات الثلاث التي حرص عليها النظام في واحدةٍ من أكثر الفترات دقّةً في مسار الصراع المسلّح. أولاً، احتاج النظام إلى ترويج أشدّ مناصريه نشاطاً (المنخرطين في أنشطة عسكرية أو دعائية)، في أنحاء البلاد كافّة، في وقتٍ كان هدفه الأوّل كسب المعركة العسكرية. ثانياً، تعكس النسبة المرتفعة للنواب البعثيين التقليديين في المجلس، قراراً بإعادة الدور المركزي للبعث في الحفاظ على مؤسسات الدولة، عقب ما شهده الحزب من أزمة داخلية وتغيّرات في السنوات الأولى من الانتفاضة. أخيراً، يشي انتخاب لاعبين جدد (مثل أفراد أُسَر الشهداء: القتلى من جيش النظام)، بحاجة النظام إلى المحافظة على قاعدته الاجتماعية، خصوصاً ضمن الأقلّيات.

مقدّمة

خلال تسع سنوات بعد اندلاع الصراع في سوريا، لم تتوقّف السلطة الحاكمة عن تنظيم انتخابات مجلس الشعب، فأُجريَت مرّةً في العام ٢٠١٢، ومرّة ثانية في العام ٢٠١٦. وكان مُقرَّراً تنظيم انتخابات ثالثة في ١٠ نيسان ٢٠٢٠، إلا أنها أُجّلَت في ظلّ الإجراءات المُتّخَذة لمنع تفشّي وباء كوفيد-١٩.[1] وحتى إن تأجلت مرّةً أخرى للسبب نفسه، يبقى هذا الاستحقاق قائماً، ويعكس اهتمام السلطة بإعطاء انطباعٍ عن استمراريةٍ في مؤسسات الدولة في زمن الصراع.

وعلى الرغم من أن مجلس الشعب مؤسسة قديمة وموجودة بأسماء مختلفة منذ تأسيسها في العام ١٩١٩، لا يزال المجلس جسماً غير معروفٍ لمعظم الباحثين وصانعي السياسيات، حيث لم تتناوله إلا قلّةٌ من الدراسات.[2] وفي ظلّ استبدادٍ ترسّخ منذ ستينيات القرن الماضي، لم تكن لمجلس الشعب أهميةٌ تُذكَر لدى غالبية السوريين، إذ لم يكن وفق ما يرى كثرٌ من مراقبي الشأن السوري، سوى غرفةٍ للتصفيق لأعلى سلطةٍ في الدولة، ولتسجيل قرارات الحكومة. وأمام الأحداث والتغيّرات الكبرى التي أخذت تعصف بالبلاد منذ آذار ٢٠١١، أصبحت الانتخابات قضية هامشية جداً بالنسبة إلى عموم السوريين.

مع ذلك، كان مجلس الشعب بالنسبة إلى القيادة السياسية التي تحكم باسم حزب البعث، مؤسسةً طالما حاول هذا الأخير الهيمنة عليها منذ أوّل انتخابات نُظّمَت في عهد حافظ الأسد في العام ١٩٧٣. ففي الانتخابات التشريعية التسع التي أُجريَت كلّ أربع سنوات خلال حكم الأسد الأب ثم ابنه بشار حتى العام ٢٠٠٧، حافظ حزب البعث على أغلبية مباشرة عبر أعضائه في مجلس الشعب، بنسبةٍ تراوحت ما بين ٥٣ و٦٧ في المئة، وعلى أغلبية أوسع عبر الجبهة الوطنية التقدّمية التي يقودها الحزب (ثلاثة أرباع المقاعد تقريباً).[3] وبعد توسيع المجلس من ١٨٥ مقعداً إلى ٢٥٠ في العام ١٩٩٠، ازداد عدد النواب المستقلّين من ٣٥ نائباً قبل التوسيع، إلى ٨٣ بعده، وذلك حتى العام ٢٠٠٣.

لكن نظراً إلى أن المرشّحين كافّة، بمَن فيهم المستقلّون، خضعوا تاريخياً لتدقيق الحزب الحاكم والأجهزة الأمنية، لم تعكس تركيبة مجلس الشعب أيّ حياة سياسية حقيقية قبل العام ٢٠١١، بل عكست أولويات النظام السوري القائمة على إعادة تشكيل قاعدته الاجتماعية بحسب الظروف التاريخية المحدّدة. فقد أظهر إدماج مختلف الشرائح الاجتماعية، والإثنية، والدينية، في البرلمان من انتخاباتٍ إلى أخرى، كيف وسّع النظام شبكات المحسوبية الخاصة به، وغيّرها عبر العقود، ليستجيب للتحدّيات الداخلية أو الخارجية، ويصون سلطة الأسرة الحاكمة في نهاية المطاف. وفي العام ٢٠٠٣، جاءت الانتخابات في لحظة مفصلية لتعزّز سلطة الرئيس الجديد، بشار الأسد،[4] ثم أُجريَت انتخابات العام ٢٠٠٧ قبيل تسمية مجلس الشعب بشار مرشّحاً لولايةٍ رئاسيةٍ ثانية.

وإذ تحدّت انتفاضة العام ٢٠١١ النظام السلطوي بشدّة في عددٍ من المناطق، يبدو تحليل انتخابات ما بعد العام ٢٠١١ محورياً لفهم كيفية سعي النظام إلى تجديد قاعدته الاجتماعية، التي يُفترَض أنها تقلّصت إلى حدّ كبير خلال سنوات الصراع الأولى. انطلاقاً من هذا المنظور، تقدّم هذه الدراسة تحليلاً لنتائج انتخابات العام ٢٠١٦، من دون أن تتطرّق إلى الحياة البرلمانية للنواب المُنتخَبين، أو علاقاتهم بالمجتمع في دوائرهم الانتخابية.[5] ونظراً إلى قلّة المعلومات المتاحة حول مجلس الشعب في العقد السابق للحرب، لا تستطيع الدراسة الاستناد إلى أيّ مقارنةٍ شاملةٍ بين انتخابات قبل العام ٢٠١١، وانتخابات العام ٢٠١٦، إلا أنها تقارن، متى أمكن، نتائج انتخابات العام ٢٠١٦، بنتائج انتخابات العام ٢٠٠٧. لذا تطرح الورقة فرضيّاتٍ تُبيّن كيف بدّل الصراع المسلّح تركيبة المجلس، موضحةً كيف أن كلّاً من توزّع المقاعد بحسب الانتماء السياسي، وتمثيل مختلف الشرائح الاجتماعية، لم يتغيّرا بشكلٍ جذريّ خلال الحرب. لكنها تجادل بأن ممثّلي هذه الفئات جمعهم رابطٌ مشتركٌ هو الانخراط في مختلف أنشطة النظام خلال الحرب في أغلب الحالات، ما أضفى على مجلس شعب ٢٠١٦ صبغةً محدّدة.

استند البحث في هذه الدراسة إلى قاعدة البيانات المفتوحة لمجلس الشعب، وبيانات اللجنة القضائية العليا للانتخابات، وتغطيات وسائل الإعلام الرسمية والموالية للنظام، ووسائل التواصل الاجتماعي (حسابات أعضاء مجلس الشعب على الفايسبوك). اعتمدت الدراسة أيضاً على لقاءاتٍ أجراها الباحثان عبر شبكة الإنترنت مع ٣٠ شخصاً في مناطق جغرافية مختلفة في سوريا، من البيئات الاجتماعية المباشرة لأعضاء مجلس الشعب. وقد جُمِعَت البيانات حول هوية أعضاء المجلس بالتركيز على ١٠ مؤشّرات (مكان وتاريخ الولادة؛ والمؤهّلات العلمية؛ والمهنة؛ والانتماء السياسي؛ والانتماء الديني؛ وعدد المرّات التي انتُخِب فيها النائب؛ والأنشطة السياسية، والحزبية، والنقابية، والمؤسّسية، والاقتصادية الرئيسية لكلّ نائب قبل دخوله البرلمان وبعده؛ والمكانة الاجتماعية والنفوذ؛ والبيئة العائلية؛ وشكل الدعم الذي ساهم في إيصال النائب إلى المجلس). شملت هذه البيانات محافظات سوريا كلّها تقريباً.[6]

الجزء الأوّل: الانتخابات في زمن الحرب: لا تغييرات كبرى في توزّع المقاعد

أُجريَت انتخابات نيسان ٢٠١٦ في بلدٍ منقسمٍ بشدّة، يشهد حرباً شرسة متعدّدة الجبهات، وفي وقتٍ لم يكن التدخّل العسكري الروسي، الذي بدأ في أيلول ٢٠١٥، قد أدّى بعد إلى قلب ميزان القوى العسكري لصالح النظام، الذي كانت سيطرته تقتصر آنذاك على أقلّ من ٤٠ في المئة من الأراضي. ولم تبدأ القوات الموالية للحكومة باستعادة عسكرية تدريجية للمناطق الخاضعة لسيطرة الثوّار، إلا في النصف الثاني من العام ٢٠١٦ (مدينة حلب في كانون الأول ٢٠١٦، ثم أجزاء من ريف دمشق، ودرعا، وشمال حمص في العام ٢٠١٨). في غضون ذلك، كان التحالف الدولي بعيداً عن كسب الحرب ضدّ تنظيم داعش، ولكنه كان قد مكّن قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي أسّس بنية حكمٍ خاصةً به، وأجرى انتخابات ضمن منطقة نفوذه في شمال شرق البلاد. وقد أُجريَت انتخابات مجلس الشعب، التي أدانتها المعارضة السورية، والدول الحليفة لها، باعتبارها غير شرعية، في ١٣ نيسان، اليوم الأول من جولةٍ جديدةٍ من المحادثات الدبلوماسية في جنيف، ما بدا أنه تناقضٌ مع الجدول الزمني للانتقال السياسي الذي اتفّقت عليه الولايات المتحدة وروسيا.[7]

وعلى الرغم من الاضطرابات العميقة التي تسبّب بها الصراع، نظّمت السلطات السورية انتخابات العام ٢٠١٦ بطريقةٍ مماثلةٍ نسبياً للطريقة التي كانت تُجرى بها الانتخابات قبل الحرب. ففضلاً عن بعض التعديلات التي أُدخِلَت إلى قانون الانتخابات، راعى تشكيل القوائم تحت رعاية حزب البعث، حصصاً ضمنيةً في ما يتعلّق بكلّ من التمثيل الحزبي/المستقلّ، والانتماء المذهبي، والجندر.

وقائع انتخابية ثابتة في ظلّ عنوان قانوني جديد

لم يكن للدستور الجديد، الموضوع في شباط ٢٠١٢، أو القوانين الجديدة حول الأحزاب السياسية (٢٠١١)، والانتخابات العامة (٢٠١١ و٢٠١٤)، أيّ أثرٍ ملموسٍ على انتخابات مجلس الشعب التي أُجريَت في نيسان ٢٠١٦.[8] فقد بقي على حاله كلٌّ من تقسيم الدوائر الانتخابية، وعدد المقاعد في كل دائرة، والحصص التي حدّدتها الأحكام القانونية "للعمّال والفلاحين" بنسبة ٥٠% على الأقلّ من عدد المقاعد (الرسم ١).[9] فضلاً عن ذلك، استمرّت القيادة القطرية لحزب البعث في الاضطّلاع بدور رئيسي في تشكيل القوائم الانتخابية، على الرغم من خسارة البعث صفة الحزب الحاكم للمجتمع والدولة في الدستور الجديد.[10]

الرسم ١ - توزيع المقاعد بحسب الفئتَين (أ) و(ب)، وعدد المرشّحين بحسب الفئة  (٢٠١٦)

الدوائر الانتخابية

عدد المقاعد للفئة (أ)

عدد المرشّحين للفئة (أ)

عدد المقاعد للفئة (ب)

عدد المرشّحين للفئة (ب)

إجمالي عدد المرشّحين

إجمالي عدد النواب

دمشق

١٠

٤٤

١٩

٣٠٩

٣٥٣

٢٩

ريف دمشق

١٠

٥٠

٩

١٧٠

٢٢٠

١٩

حمص

١١

٥٠

١٢

١١٨

١٦٨

٢٣

حماة

١٣

٤١

٩

٩٩

١٤٠

٢٢

حلب

٧

٧٦

١٣

٣٢٧

٤٠٣

٢٠

مناطق حلب

١٧

٧٩

١٥

١٧٨

٢٥٧

٣٢

إدلب

١٢

٣٢

٦

٦٠

٩٢

١٨

اللاذقية

٩

١٤١

٨

١٨٣

٣٢٤

١٧

طرطوس

٦

٥١

٧

٨٢

١٣٣

١٣

الرقّة

٤

١٠

٤

٣٨

٤٨

٨

دير الزور

٨

٤٥

٦

٦٠

١٠٥

١٤

الحسكة

٨

١٠٤

٦

١١٥

٢١٩

١٤

درعا

٥

٢٥

٥

٢٥

٥٠

١٠

السويداء

٤

١٧

٢

١٨

٣٥

٦

القنيطرة

٣

٥١

٢

٥١

١٠٢

٥

المجموع

١٢٧

٨١٦

١٢٣

١٨٣٣

٢٦٤٩

٢٥٠

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[11]

إضافةً إلى إنشاء اللجنة القضائية العليا للانتخابات لتحلّ محلّ وزارة الداخلية في الإشراف على العملية الانتخابية منذ العام ٢٠١١، اعتُمِدَت، في العام ٢٠١٦، بضعُ تعديلاتٍ كانت قد أُدخِلَت إلى قانون الانتخابات، بما يتناسب مع الواقع العسكري وخريطة السيطرة حينذاك.[12] وهكذا، أصبح لعناصر الشرطة والجيش، للمرّة الأولى، الحقّ في الاقتراع (أينما كانوا في البلاد) في الانتخابات التشريعية، بعد أن كان النظام قد حظّر ذلك لمدّة طويلة، تفادياً لتدخّل ضباط الجيش في هذه الانتخابات. وسُمِح للناخبين باستخدام بطاقاتهم الشخصية أو العسكرية، بدلاً من بطاقاتهم الانتخابية التي بدأ العمل بها في العام ١٩٩٨، والتي أصبحت الوثيقة الرسمية الوحيدة المقبولة للاقتراع منذ دورة ٢٠٠٣. وكان للجنة القضائية، عند الضرورة، صلاحية نقل مراكز الاقتراع من دائرة انتخابية أو أكثر، إلى دوائر أخرى، كي يتمكّن النازحون من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إلى مناطق سيطرته، من التصويت.[13] مع ذلك، لم تؤدّ هذه الإجراءات إلى زيادةٍ كبيرةٍ في نسبة الإقبال، التي قيل رسمياً إنها بلغت ٥٧،٥ في المئة (الرسم ٢).

الرسم ٢- عدد الأشخاص الذي يحقّ لهم الاقتراع، ونسب الإقبال (٢٠٠٣-٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[14]

بلغ عدد الأشخاص الذين تقدّموا بطلبات ترشّح ١١ ألف شخص تقريباً، في حين لم يستمرّ في الترشّح حتى يوم الانتخاب إلا ٢٦٤٩ مرشّحاً. والواقع أن نسبة سحب الترشيحات الكبيرة خلال الحملة الانتخابية، هي ظاهرةٌ تقليديةٌ سبق أن لوحظت في الانتخابات قبل العام ٢٠١١، ويعود سببها إلى الآلية التي تعتمدها القيادة القطرية لحزب البعث في التحكّم بعدد المرشّحين. فبموجب توصيات القيادة القطرية لقياداتها الفرعية في كل محافظة، عادةً ما تطلب تلك الفروع من عددٍ كبيرٍ من أعضاء الحزب الترشّح لبضعة أيام، قبل أن تطلب منهم الانسحاب، لإعطاء زخمٍ لدعاية النظام عن الاهتمام العام، والمشاركة الشعبية في الانتخابات.

وعلى الرغم من أن قانون الانتخابات يعتمد مبدأي الاقتراع الفردي، والترشّح الفردي، وكذلك فرز الأصوات الفردي، ثم إعلان النتائج لكل مرشّح على حدة، أصدر حزب البعث، كما فعل سابقاً، قوائم مرشّحي الجبهة الوطنية التقدّمية. وبدءاً من انتخابات العام ٢٠١٢، غيّرت القيادة القطرية لحزب البعث اسم قوائم مرشّحيها من "قوائم الجبهة الوطنية التقدّمية"، إلى "قوائم الوحدة الوطنية"، في إشارةٍ ضمنيةٍ إلى أن "الوطن يمرّ بأزمةٍ تقتضي الوحدة الوطنية". وضمّت قوائم "الوحدة الوطنية" في محافظات حمص، وإدلب، وحماة، ودير الزور، والقنيطرة، مرشّحين تابعين للجبهة وآخرين مستقلّين، وذلك بأعدادٍ مساويةٍ لعدد المقاعد المتبقّية. في المقابل، ترك حزب البعث في دوائر أخرى بعض المقاعد المستقلّة مفتوحة، أي من دون تحديدٍ مُسبَق، ما ترك نظرياً هامشاً للمنافسة.

توزّع المقاعد بحسب الانتماء السياسي: البعثيون، وحلفاء الجبهة الوطنية التقدّمية، والمستقلّون

على الرغم من النسبة العالية للنواب الجدد الذين دخلوا المجلس للمرّة الأولى في انتخابات العام ٢٠١٢، وبدرجةٍ أقلّ في العام ٢٠١٦ (الرسم ٣)، وهو منحى تاريخي لوحظ في الانتخابات قبل العام ٢٠١١، لم يتغيّر توزّع المقاعد وفق الانتماء السياسي تغيّراً جذرياً خلال الحرب (الرسم ٤).

الرسم ٣- أعداد النواب الجدد من انتخابات إلى أخرى (٢٠٠٣-٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[15]

فقد فاز مرشّحو قوائم "الوحدة الوطنية" كلّهم، ما يعني أنهم خضعوا لمجرّد استفتاء في يوم الانتخاب، بعد أن اختارتهم القيادة القطرية لحزب البعث. وتجلّى غياب التنافس بين المرشّحين بوضوحٍ أكبر في التفاوت بين أعداد الأصوات التي فاز بها المرشّحون، حيث حصل ٦٩ في المئة من المرشّحين على أقلّ من ألف صوت، وأكثر من نصفهم على أقلّ من ١٠٠ صوت، في حين فاز ثلثهم بأقلّ من عشرة أصوات، ولم يحصل عُشر المرشّحين على أيّ صوت.[16] وأظهرت الأرقام التي نشرتها اللجنة العليا للانتخابات تفاوتاً كبيراً في أعداد الأصوات بين آخر مرشّح فائز، وأوّل مرشّح خاسر، في الدوائر كافّة، ما عدا في حالتَين.[17] تجدر الإشارة إلى أن المرشّحين البعثيين كانوا في كل دائرة انتخابية في مقدّمة الفائزين عن الفئة (أ)، يليهم مرشّحون من أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية، ثم مستقلّون. وفاز البعثيون في الدوائر كافّة بالمقاعد الثلاثة الأولى على الأقلّ في الفئة (ب)، فيما ذهبت المقاعد المتبقّية إما إلى مرشّحين من البعث أو الجبهة الوطنية التقدّمية، وإما إلى مرشّحين مستقلّين، بترتيبٍ تفاوتَ من دائرةٍ إلى أخرى.

الرسم ٤- توزّع الأعضاء الـ٢٥٠ في مجلس الشعب بحسب انتمائهم السياسي (٢٠٠٣-٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[18]

أغلبية متزايدة لحزب البعث

ارتفع عدد أعضاء حزب البعث في مجلس الشعب من ١٣٦ في انتخابات العام ٢٠٠٧، إلى ١٦٨ من أصل ٢٥٠ مقعداً في العام ٢٠١٦. وحافظ الحزب على هيمنته (أكثر من ٦٧ في المئة من المقاعد) في المجلس، على الرغم من تراجع دوره كأداةٍ أساسيةٍ للسلطة في يد النظام، وذلك منذ تولّى بشار الأسد سدّة الرئاسة في العام ٢٠٠٠، وبعد أن تركت الثورة، التي أصبحت حرباً، البعث في حالة اضطراب وأزمة داخلية، في العامَين ٢٠١١ و٢٠١٢.

بيد أن الحزب كان بدأ برصّ صفوفه عبر تعيين قيادةٍ قطريةٍ جديدةٍ بالكامل في تموز ٢٠١٣، كان المطلوب منها تخطّي العوائق التي حوّلت البعث من "حزب نضالي إلى حزب مصاب بجزء من بيروقراطية الدولة"، وفق النقد الذي وجّهه بشار الأسد نفسه لأداء حزبه آنذاك.[19] بدءاً من العام ٢٠١٤، شرعت القيادة القطرية في اتّخاذ خطواتٍ لإعادة بناء قواعد الحزب، من خلال إجراءٍ سمّته "تثبيت العضوية"، يقوم على فرز المنتسبين الفعليين إلى الحزب، عن المنتسبين الإسميين في سجلّاته.[20] ثم أعقبت ذلك الإجراء سلسلةُ قراراتٍ بإعادة تشكيل قيادات الفروع الحزبية في المحافظات. وقد يكشف هذا التناقض بين تراجع دور البعث قبل الثورة وخلال سنواتها الأولى، وبين ازدياد عدد ممثّليه في مجلس الشعب في دورة ٢٠١٦، عن ضآلة المجال السياسي المُتاح أمام النظام لمواجهة الانتفاضة الشعبية المتصاعدة في دورة ٢٠١٢، ثم عن عزمه على إحياء دور الحزب، وتمكينه كأداةٍ متعدّدة الاستخدام.

أما على صعيد التوزيع الجغرافي، فكان النواب البعثيون تاريخياً أقلّ تمثيلاً في دمشق من بقيّة البلاد، وهو ما أثبتته انتخابات العام ٢٠١٦. يدلّ هذا الاستثناء على محاولات النظام لاستقطاب الطبقة البرجوازية الدمشقية، التي استطاعت أن تحافظ على قاعدتها الشعبية في المدينة، وهي قاعدةٌ كانت على مرّ التاريخ أقلّ انخراطاً في صفوف حزب البعث، والأحزاب القومية العربية واليسارية الأخرى، مقارنةً بنظيراتها في مدنٍ كبرى أخرى. واللافت أن نسبة تمثيل البعثيين كانت الأعلى في ريف دمشق، التي كانت أجزاء كبيرة منها في يد الثوّار في العام ٢٠١٦، ومحافظة إدلب التي كانت أيضاً خارج سيطرة النظام (الرسم ٥). تلك كانت الحال أيضاً، وإن بدرجةٍ أقلّ، في محافظة دير الزور، حيث اقتصرت سيطرة النظام على جيبٍ صغيرٍ فقط داخل أحياء المدينة أثناء الانتخابات. والحال نفسها كانت في درعا إلى حدّ ما.

الرسم ٥- توزّع النواب البعثيين في كل دائرة انتخابية (٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[21]

تخفيض مقاعد الأحزاب السياسية الأخرى

بعد أن كانت أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية قد تمثّلت كلّها، واحتلّت ٣٦ مقعداً في انتخابات العام ٢٠٠٧، دخل المجلس منها ستّةُ أحزاب فقط في انتخابات ٢٠١٦ (الرسم ٦)، وتناقص عدد مقاعدها لصالح البعث إلى ١٦ مقعداً.

وعلى النقيض من التمثيل المتناقص لحلفاء البعث الآخرين كافّة، ارتفعت حصّة الحزب السوري القومي الاجتماعي من المقاعد، بفضل الخصائص الثلاث التي ميّزته عن الأحزاب الأخرى: قاعدته الشعبية الأوسع نسبياً خصوصاً في أوساط الأقلّيات؛ ونشاطه المدني، وقدرته النسبية على التحشيد؛ وانخراطه المبكر والمباشر في الحرب، عبر ميليشيا نسور الزوبعة، ذراعه العسكرية.[22] فضلاً عن ذلك، استفاد جناح الحزب المعروف بالمركز، من علاقته التنظيمية بأصله اللبناني الأمّ، الذي يحظى بدعم حزب الله، ثم استفاد الحزب من الدعم المالي الكبير الذي قدّمه ابن خال بشار الأسد، رجل الأعمال ذائع الصيت رامي مخلوف، لجناح الحزب المعروف بجناح الأمانة العامة. أخيراً، استفاد الحزب أيضاً من موقع الطبيب علي حيدر، زعيم جناح الانتفاضة في الحزب، الذي عُيّن وزيراً للمصالحة الوطنية في حزيران ٢٠١١. وتألّفت الكتلة غير الرسمية للحزب السوري القومي الاجتماعي في مجلس ٢٠١٦، من طبيب، وثلاثة محامين (من بينهم سيدة)، ومهندس زراعي، وكاتب إعلامي، ومدير فرع شركةٍ صناعيةٍ خاصة.

الرسم ٦- توزّع نواب أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية (٢٠٠٧-٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[23]

باستثناء الحزب السوري القومي الاجتماعي، يكشف تضاؤل تمثيل أحزاب الجبهة الأخرى عن ضيق قاعدتها الحزبية، وعدم قدرتها على التكيّف مع متطلّبات النظام في زمن الحرب. فمن المقاعد التسعة التي احتلّتها هذه الأحزاب، ذهب ستّةٌ إلى رؤسائها أو رؤساء فروعها المحلية، حيث احتلّ الحزب الشيوعي السوري مقعدَين، شغل أحدهما عن دمشق عمار بكداش، رئيس الحزب وابن زعيمه التاريخي، الذي يحتكر هذا المقعد منذ العام ٢٠٠٣، فيما شغل المقعد الآخر عن حمص جرجس عزيز الشنور، عضو اللجنة المركزية في الحزب. ونال الحزب الشيوعي السوري الموحّد مقعدَين أيضاً، شغلهما عضوا المكتب السياسي فيه، المحامي خليل الحجو عن الرقّة، والمهندس ملول الحسين عن الحسكة.  وفاز حزب الاتحاد الاشتراكي بمقعدَين أيضاً، شغل أحدهما عن حماة عبد الرحمن أزكاجي، عضو المكتب السياسي فيه.  وشغل المقعد الوحيد المُخصَّص لحزب العهد الوطني أمين فرعه في حلب، المهندس محمد يحيى كعدان.[24]

لم يكن الانخفاض في تمثيل أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية لصالح الأحزاب السياسية الجديدة المُرخَّص لها بموجب قانون الأحزاب الجديد الصادر في العام ٢٠١١.[25] فمن بين الأحزاب السياسية العشرة الجديدة، فاز مرشّحان ينتميان إلى حزب الشعب المؤسَّس حديثاً، بعد أن خاضا الانتخابات بصفتهما مستقلَّين.[26] في المقابل، قاطعت الانتخابات بعض هذه الأحزاب، مثل الحزب الذي يترأّسه قدري جميل الموالي لروسيا، الذي عيّنه الأسد نائباً لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزيراً للتجارة الداخلية، بين العامين ٢٠١٢ و٢٠١٣.[27]

المستقلّون: عدد المقاعد الأقلّ منذ العام ١٩٩٠

 في عرضٍ للانفتاح الاقتصادي والاجتماعي النسبي بعد عقدٍ من الأزمات، شجّعت القيادة السياسية ترشيح شخصيّاتٍ مستقلّةٍ، في انتخابات ١٩٩٠، لتوسيع تمثيل البرجوازية التجارية، ورجال الدين السنّة، والعشائر من وسط البلاد وشرقها، وتمثيل الأوساط الثقافية أحياناً.[28] بين العامَين ١٩٩٠ و٢٠٠٣، شكّل المستقلّون في مجلس الشعب كتلةً جديدةً غير متجانسةٍ تألّفت من ٨٣ نائباً، كان ممثّلوها أقلّ عرضةً للتغيير من دورة انتخابية إلى أخرى، من نظرائهم في كتلتَي البعث والجبهة الوطنية التقدّمية. ومثلما كانت الحال في المجلس بأكمله، تجدّد الأعضاء المستقلّون بأعدادٍ كبيرةٍ في العام ٢٠١٢، حيث لم يُنتخَب مجدداً سوى ١٣ من النواب المستقلّين الذين كانوا انتُخِبوا في العام ٢٠٠٧، ثم أُعيد انتخاب ٢٣ نائباً في العام ٢٠١٦، ممَّن كانوا انتُخِبوا في العام ٢٠١٢ كمستقلّين. وعلى الرغم من دخول عددٍ كبيرٍ من الوجوه الجديدة المجلس، بقي المستقلّون يمثّلون نظرياً الشرائح الاجتماعية نفسها التي مثّلوها قبل العام ٢٠١١ (رجال الأعمال، وشيوخ العشائر، والتيار الديني السني. أنظر "المحاسيب الرأسماليون، ورجال الدين السنّة، وشيوخ العشائر").

الرسم ٧- توزّع النواب المستقلّين في كل دائرة انتخابية (٢٠١٦)

المصدر: المؤلّف (بناءً على مصادر رسمية)[29]

تجدر الإشارة إلى أن دمشق، وبدرجةٍ أقلّ حلب، وهما المدينتان الأهمّ سياسياً واقتصادياً وسكانياً بالنسبة إلى النظام، انتخبتا منذ العام ١٩٩٠ الحصّة الأكبر من المستقلّين، الذين يتنافسون عادةً عبر قوائم انتخابية (الرسم ٧). في العام ٢٠١٦، شُكّلَت أربع قوائم مستقلّة في دمشق، اثنتان منها تتقاسمان ١٤ مقعداً مُخصّصاً للمستقلّين في العاصمة، وهما "قائمة مرشّحي دمشق" بقيادة سامر الدبس، العضو البارز في مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها، ثم رئيسها لاحقاً؛ و"قائمة الشام" بقيادة محمد حمشو، رجل الأعمال الشهير، والعضو البارز في مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، الذي أصبح لاحقاً أمين سرّها. أما في حلب، فشُكّلَت قائمة واحدة من المستقلّين، هي "قائمة حلب الأصالة"، التي فاز أعضاؤها السبعة.[30]

لا بدّ من التشديد ختاماً على أن الانتماء الحزبي، وهو من البيانات القليلة المُتاحة على الموقع الإلكتروني لمجلس الشعب، لا يحمل في طيّاته أيّ معنى سياسي فعلي، لا بل يمكن أن يكون مُضلّلاً. فكما يُظهِر تشكيل القوائم الانتخابية، قد يجري استقطاب المرشحّين "المستقلّين" في بعض الدوائر الانتخابية على قوائم "الوحدة الوطنية" التابعة للبعث. فضلاً عن ذلك، يُعَدّ القرب من مسؤولين كبار، ودعم أجهزة المخابرات، من الوسائل الفعّالة الأخرى للبعثيين والمستقلّين لدخول مجلس الشعب من دون تمييز. فقد بدا معظم المستقلّين المُنتخَبين في العام ٢٠١٦ أكثر ولاءً للنظام حتى من بعض النواب البعثيين في مجلس الشعب، كما سنبرهنه في ما بعد. فلماذا إذاً لا تنضمّ هذه الشخصيات إلى حزب البعث نفسه؟ قد يكون للإجابة شقّان. أولاً، تحوّل حزب البعث تدريجياً في عهد حافظ الأسد من حزب حاكم إلى أداةٍ للإدارة والتنظيم، في ظلّ تركُّز السلطة لدى شخص الرئيس، ثم أجهزة المخابرات. ثانياً، قد يحقّق هؤلاء المستقلّون مكاسب أكبر خارج هياكل الحزب، على غرار ثروات كثيرة يمكنهم مراكمتها بشكلٍ أسرع مما لو كانوا بعثيين، ومكانة اجتماعية يمكنهم الحصول عليها وترسيخها تحت لقب "مستقلّين". ولأسباب إجرائية قد يصبح بعض "المستقلّين" السابقين مرشّحين بعثيين، كما في حالة أحمد الكزبري، الذي كان نائباً مستقلّاً عن دمشق في العام ٢٠١٢، وأُعيد انتخابه بصفته بعثياً في العام ٢٠١٦، بعد مشاركته في الوفد الحكومي السوري المُفاوِض في مؤتمر جنيف منذ العام ٢٠١٤، وقبل تعيينه رئيساً لوفد الحكومة في اللجنة الدستورية في العام ٢٠١٩.

تمثيل الأقلّيات والنساء

على عكس الخطاب الرسمي الذي يتجنّب الخوض في الاختلافات العرقية والدينية تحت رايةٍ وطنية، لطالما أدمج النظام المكوّنات المذهبية والعرقية، وتلاعب بها، من خلال أشكالٍ أخرى من التمثيل في توزيع مقاعد مجلس الشعب. وفي غياب البيانات الرسمية عن الانتماء الديني للنواب، استُقيَت الأرقام الواردة في الرسم ٨ من المسح الميداني، ما قد يجعلها منطويةً على هامش خطأ. مع ذلك، تبيّن هذه الأرقام أن الحصص الضمنية لتمثيل الأقلّيات وفقاً للثقل الديمغرافي لكلّ شريحة على مستوى البلاد، وفي كل دائرة انتخابية، في العام ٢٠٠٧، بقيت على حالها إلى حدّ كبير في العام ٢٠١٦، بالرغم من تناقصٍ محدودٍ في عدد النواب السنّة في بعض الدوائر الانتخابية لصالح الأقلّيات.

الرسم ٨- توزّع النواب بحسب المذاهب الدينية والدائرة الانتخابية (٢٠١٦)

الدائرة الانتخابية

سنّة

علويون

مسيحيون

دروز

إسماعيليون

شيعة

مرشديون

غير محدّد

العدد الإجمالي

دمشق

٢١

١

٥

 

 

٢

 

-

٢٩

ريف دمشق

١٥

 

٢

٢

 

 

 

-

١٩

اللاذقية

٤

١١

٢

 

 

 

 

-

١٧

طرطوس

٣

٩

١

 

 

 

 

-

١٣

حمص

٩

١٠

٣

 

 

١

 

-

٢٣

حماة

٩

٨

٢

 

٢

 

١

-

٢٢

حلب

١٥

 

٣

 

 

١

 

١

٢٠

مناطق حلب

٢٩

 

 

 

 

١

 

٢

٣٢

إدلب

١٦

١

 

 

 

١

 

-

١٨

دير الزور

١٣

 

 

 

 

١

 

-

١٤

الرقّة

٨

 

 

 

 

 

 

 

٨

الحسكة

١٢

 

٢

 

 

 

 

 

١٤

درعا

٧

 

٢

 

 

١

 

 

١٠

السويداء

 

 

 

٦

 

 

 

-

٦

القنيطرة

٤

 

 

١

 

 

 

 

٥

العدد الإجمالي

١٦٥

٤٠

٢٢

٩

٢

٨

١

٣

٢٥٠

المصدر: المؤلّف[31]

وكما كانت عليه الحال في الانتخابات السابقة، دخل الجزء الأكبر من المرشّحين المسيحيين مجلس الشعب عبر مقاعد حزب البعث، والأحزاب الحليفة في الجبهة الوطنية التقدّمية. فمن بين النواب المسيحيين الـ٢٢ المُنتخَبين في العام ٢٠١٦، ترشّح نصفهم تقريباً عبر قوائم حزب البعث، وثلاثةٌ منهم على مقاعد الحزب السوري القومي الاجتماعي، وواحد عبر مقاعد الحزب الشيوعي. وأظهر حزب البعث اهتمامه بالوجهاء التقليديين من الطائفة المسيحية في بعض الدوائر الانتخابية، كما في حالة حمودة الصباغ، حفيد أحد الرموز التاريخية لمدينة الحسكة، الذي أصبح في العام ٢٠١٧ رئيساً لمجلس الشعب، في سابقةٍ لم تحدث منذ العام ١٩٤٣. إلا أن السلطة الحاكمة انطلقت في اختيارها المرشّحين المسيحيين، من اعتباراتها الخاصة في معظم الحالات، كما حصل في دمشق حيث انتُخِب ضابطان سابقان في الشرطة أو الجيش، ورجل أعمال من المرتبة الثانية مقرّب من النظام. أما المستقلّون منهم فدخلوا في تحالفاتٍ عقدوها مع مرشّحين أقوياء، أمثال محمد حمشو أو سامر الدبس في دمشق، وفارس الشهابي في حلب، أو بدعم خاص ومباشر من الكنيسة الأرثوذكسية التي اتّسع تأثيرها في دوائر النظام من جهة، وفي أوساط تابعيها من جهة أخرى.[32] لكن على الرغم من تصاعد دور الكنيسة، قد يكون دخول غالبية المسيحيين المجلس، من خلال إدراجهم في قوائم "الوحدة الوطنية"، مؤشّراً مهماً على درجة الضعف التي أصابت المجتمع المسيحي، واضطّراره إلى الاعتماد على النظام.  

أما تمثيل العلويين، فتركّز في أربع محافظات (اللاذقية، وحمص، وطرطوس، وحماة)، إضافةً إلى نائب واحد عن دائرة دمشق، وآخر عن دائرة إدلب. وقد خاضت الغالبية العظمى من المرشّحين العلويين الانتخابات، في كل مكان، على قوائم حزب البعث، ولم يكن بينهم سوى ثمانية مستقلّين من أصل ٤٠ نائباً. يبدو أن النواب العلويين من حمص وحماة كانوا أكثر انخراطاً في أنشطة الحرب من نظرائهم من طرطوس واللاذقية. ففي دائرة حمص، ساهم أربعة نواب علويين في تشكيل اللجان الشعبية ودعمها في بداية الثورة، قبل أن تتحوّل هذه اللجان إلى ميليشيات تحت أسماء متنوّعة. كذلك كان ثلاثة نواب علويين من أصل النواب الثمانية المُنتخَبين في دائرة حماة، منخرطين في أنشطة مماثلة، مقابل نائب واحد في اللاذقية، ولا أحد في طرطوس. لا شكّ في أن هذا التوزيع جاء إلى حدّ كبير، نتيجة تجاور المجتمعات المتباينة مذهبياً في مدينة حمص وريفها، وريف حماة، حيث كانت المحافظتان ساحتَين للعديد من المعارك خلال سنوات الحرب.

في المقابل، استقرّ تمثيل الدروز على تسعة مقاعد، كما كانت عليه الحال تقريباً قبل العام ٢٠١١، وتركّز بشكل أساسي في محافظة السويداء، حيث تشكّل الطائفة الدرزية الغالبية العظمى من السكان، مع ستّة مقاعد.  فيما خُصّص مقعدان للدروز في ريف دمشق، نظراً إلى تموطنهم في منطقتَي جرمانا وصحنايا، وفي قرى جبل الشيخ جنوب وجنوب غرب دمشق، وخصص المقعد الأخير للدروز في دائرة القنيطرة

أما الشيعة، وهم أقلّية صغيرة جداً حظيت تاريخياً بمقعدٍ أو اثنين، فازداد تمثيلهم من مقعدَين في دورة ٢٠١٢، إلى ثمانية مقاعد في دورة ٢٠١٦. وقد يعكس هذا الارتفاع التأثير السياسي لإيران، بما أن ستّةً منهم تمتّعوا بالدعم الإيراني.[33] كان نصف هؤلاء بعثيين، في حين ترشّح آخرون بصفتهم مستقلّين، وتحدّر نائبان من بلدتَي الفوعة في ريف إدلب، ونبل في ريف حلب الشيعيتين، فيما تحدّر نائبان آخران من أقلّيتَين شيعيتَين في بلدتَي بصرى الشام في ريف درعا، وحطلة في ريف دير الزور. ويُذكَر أن عمر الحسن، النائب المُنتخَب في دائرة مناطق حلب، كان القائد الفخري لميليشيا لواء الباقر الموالية لإيران. أخيراً، انتُخِب في دمشق المهندس الزراعي هادي شرف، الذي يترأّس شقيقه الفرع السوري لمؤسسة الشهيد التابعة لحزب الله. لكن يبدو أن الأكثر تمثيلاً للدور السياسي الإيراني في سوريا من بين هؤلاء هو محمد راغب حسين (من الفوعة)، إذ باشر مبكراً بأنشطة متنوّعة، أبرزها تأسيس حزب الإصلاح الوطني في العام ٢٠٠٩. وقد أظهرت إيران، من خلال رعاية شخصيات مقرّبة منها، نفوذاً أكثر وضوحاً مما أظهرت روسيا في انتخابات العام ٢٠١٦، وإن كان تدخّلها في العملية الانتخابية بقي هامشياً، أو على الأقلّ غير متناسب مع حجم تدخّلها العسكري.

أخيراً، امتنع معظم الأكراد، الذين عانوا من تمييز الدولة لعقود،[34] عن المشاركة في انتخابات العام ٢٠١٦. ففي مناطق التموطن الكردي شمال شرق البلاد، أعلنت السلطات المحلية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي أنها لن تشارك في الانتخاب، بعد المكاسب التي بدأت تحصدها منذ صيف العام ٢٠١٤، بوصفها شريكةً في التحالف الدولي ضدّ تنظيم داعش. وهكذا، لم يكن أيٌّ من النواب الأكراد الثلاثة المُنتخَبين، واحد لكلّ من دوائر دمشق، ومناطق حلب، والحسكة، يعبّر عن التيار السياسي الكردي السائد آنذاك. ومثالٌ على ذلك النائب عمر أوسي من دمشق، الذي كان عضواً في حزب العمّال الكردستاني في تسعينيات القرن الماضي، وانتُخِب للمرّة الأولى في العام ٢٠١٢، ثم أعيد انتخابه في ٢٠١٦ بفضل الوساطة السياسية التي قام بها بين حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام.

فضلاً عن تمثيل الأقلّيات، ازداد تمثيل المرأة في مجلس الشعب من ٤ نساء في العام ١٩٧٣، إلى ٢١ في العام ١٩٩٠، ليتجاوز الـ٣٠ امرأة في كل دورة انتخابية منذ العام ٢٠٠٣.[35] لكن التمثيل النسائي بقي، على مرّ العقود، حكراً على ناشطات حزب البعث، وقياديات الاتحاد العام النسائي. لكن في دورة العام ٢٠١٦، بدت المؤشّرات جليّةً على حصول تغيير جزئي في التمثيل النسائي، إذ دخلت المجلس سبع سيدات مستقلّات في سابقة تاريخية، إلى جانب ٢٤ امرأة من حزب البعث، وامرأة من الحزب السوري القومي الاجتماعي. وكان القاسم المشترك بين أولئك النساء المستقلّات السبع أنهنّ انصرفن عن أيّ نشاط نسائي، ونشَطنَ في أشكالٍ أخرى من العمل في الشأن العام. فبينما اضطّلع بعضهنّ بدورٍ في المجال الديني (فرح حمشو في دمشق، وريم الساعي في الحسكة)، انخرط بعضهنّ الآخر في الدفاع عن قضايا ثقافية وسياسية (نورا أريسيان في دمشق)، أو في العمل الخيري (زينب خولا في حلب). يُذكَر أن ثلاثاً أخريات هنّ من "ذوي قتلى جنود النظام" (أنظر "بروز نوع جديد من النواب: النائب المحارب"). وفي سابقةٍ أخرى في العام ٢٠١٦، انتُخِبَت هدية عباس، وهي قيادية بعثية مخضرمة من دير الزور، رئيسةً لمجلس الشعب، قبل أن تُعزَل من منصبها بعد عام ونصف العام، لأنها "لم تتمكّن من إدارة الجلسات تحت سقف الدستور"، وفقاً لتبرير المجلس.[36]

الواقع أن علم الاجتماع الانتخابي التقليدي، الذي يركّز على توزّع المقاعد وفقاً للانتماءات الحزبية، والمذهبية، والجندرية، لا يزال مثيراً للاهتمام لأنه يُبيّن أن الحصص، المُحدَّدة في الأحكام القانونية للفئتَين (أ) و(ب)، وبواسطة القرارت السياسية المؤقّتة حول المقاعد المُخصَّصة لكلّ من الجبهة الوطنية التقدّمية، والمستقلّين، والأقلّيات، والمرأة، بقيت كما هي تقريباً في دورتَي ٢٠٠٧ و٢٠١٦، على الرغم من التحوّلات الاجتماعية والسياسية العميقة بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الصراع المسلّح. مع ذلك، لا تزال هذه المقاربة غير كافية لفهم التغيّرات التي طرأت على تركيبة مجلس الشعب، ما يدعو إلى إجراء مزيد من التحليل لسمات النواب، بغية تحديد اللون الفعلي لمجلس العام ٢٠١٦.

الجزء الثاني: وجوه قديمة وجديدة لتمثيل الفئات التقليدية

ضمّت تركيبة مجالس الشعب قبل الحرب أعضاء فاعلين في حزب البعث، أو في التنظيمات الشعبية والنقابية التابعة له، ووجهاء، وشيوخ عشائر، ورجال أعمال، ورجال دين، وشخصيات عامة. هذه الفئات الاجتماعية، التي تُحدَّد وفقاً للحالة الاجتماعية أو النشاط الرئيسي لكل عضو، والتي قد تتداخل في ما بينها، بقيت مُمثَّلةً في مجلس العام ٢٠١٦، وإن كانت خصائص النواب في هذه الدورة أظهرت تغييرات كبيرة ضمن كل فئة. فقد برز نوعٌ جديدٌ من النواب تجمع بينهم سمةٌ مشتركةٌ، وهي مشاركتهم النشطة والفعّالة في جهود الحرب إلى جانب النظام. وتبدو التغيّرات في تمثيل مجموعات المصالح تلك، أكثر وضوحاً في الدوائر الانتخابية التي شهدت اضطّرابات عسكرية، وسياسية، وديمغرافية كبيرة (حلب، ودرعا، وريف دمشق، ودير الزور، وإدلب، والرقّة)، من الدوائر التي لم يطَلها العنف (دمشق، واللاذقية، وطرطوس)، أو التي استعادتها قوات النظام بسرعة (حمص).

الواقع أن ثلاثة أسباب مترابطة يمكن أن تفسّر التركيبة الجديدة لمجلس الشعب في العام ٢٠١٦. أولاً، كان للتحوّلات الداخلية ضمن حزب البعث خلال سنوات الصراع الأولى، تأثيرٌ على خصائص النواب البعثيين في مجلس العام ٢٠١٦. ثانياً، مع اندلاع الثورة والحرب، غادر البلاد العديد من شيوخ العشائر، ووجهاء الأُسَر البارزة، ورجال الأعمال، ما أفسح المجال أمام بروز أطراف فاعلة جديدة. ثالثاً، احتاج النظام إلى ترويج مناصريه الأشدّ نشاطاً في أرجاء البلاد كافّة، في وقتٍ كان هدفه الأول الفوز في المعركة العسكرية.

بقاء "البعثيين التقليديين"

 

كشفت انتخابات العام ٢٠١٦، على نحوٍ أوضح مما كشفت انتخابات العام ٢٠١٢، المعايير التي اعتمدها النظام في انتقاء الأعضاء البعثيين لمجلس الشعب، ولا سيما أن الحزب كان بدأ برصّ صفوفه عبر تعيين قيادة قطرية جديدة بالكامل في تموز ٢٠١٣. وقد تكون الخطوة الأهمّ التي قامت بها قيادة البعث الجديدة، هي دفع الحزب إلى العمل العسكري المُنظَّم، من خلال تأسيس المزيد من الفروع المحلية لكتائب البعث في معظم المحافظات السورية، ووضعها تحت قيادة مركزية واحدة في دمشق، وتخصيص نفقات مالية لها من ميزانية القيادة القطرية.[37]  وإذا كانت هذه التغييرات الداخلية أفرزت بعثيين ذوي سمات جديدة في مجلس الشعب (أنظر "بروز نوع جديد من النواب: النائب المحارب")، فإن النموذج الذي كان سائداً قبل الثورة، ظلّ يشكّل ٧٠ في المئة تقريباً من النواب البعثيين في العام ٢٠١٦، وبقي سائداً في كل المحافظات ما عدا طرطوس.

ولا يزال عضو البعث في مجلس الشعب، كما كان قبل الثورة، يتمتّع بشكل عام بسِمتَين رئيسيتَين يُستنَد إليهما في اختياره لقوائم الحزب الانتخابية: سيرته البعثية، ومؤهّلاته العلمية. أما الخلفية العائلية فتظهر بشكل رئيسي لبعض الأعضاء المتحدّرين من عائلات عريقة، لا سيما في مدينة دمشق.[38] وتقدّم القيادة القطرية للحزب، أو الأعضاء النافذون فيها، الدعم الرئيسي لمعظم النواب البعثيين، إلا أن الروابط العامة أو الخاصة بشخصيات نافذة ضمن الأجهزة الأمنية، مفيدة أيضاً هي الأخرى.  ويمكن أن يكون هذا الدعم الحزبي والأمني خالياً من الشبكات الشخصية، ومستنداً فقط إلى تاريخ المرشّح ضمن الحزب قبل الثورة وبعدها.

إن التاريخ الطويل من القيادة النشطة داخل الحزب، أو إحدى التنظيمات الشعبية أو النقابية التابعة له، هو السمة الأولى للنواب البعثيين التقليديين. الواقع أن تاريخ النائب البعثي غالباً ما كان ينطلق في مرحلة الدراسة الثانوية، فيبدأ مع اتحاد شبيبة الثورة، ثم ينتقل إلى اتحاد الطلبة في الجامعات أو المعاهد، بالتزامن مع الانتساب إلى حزب البعث. وبعد التخرّج يعمل الجميع، ما عدا المحامين والأطباء، بنسبة أقلّ في مؤسسات القطاع العام. لقد مرّ معظم البعثيين التقليديين في مجلس العام ٢٠١٦، في واحدٍ من المسارات التالية: (١) بقيت قلّةٌ منهم في المؤسسات الحكومية، وشركات القطاع العام، وانخرطت في الوقت نفسه في أنشطة الحزب ضمن تلك المؤسسات، ثم مضت في الترقّي الوظيفي الذي تخلّله أحياناً الترشّح لانتخابات الإدارة المحلية، والفوز بمناصب في المجالس البلَدية. (٢) تفرّغت الأكثرية لصالح الحزب في إحدى قيادات الشعب أو الفروع الحزبية، أو في مدارس الإعداد الحزبي، أو لصالح إحدى التنظيمات الشعبية والنقابية التابعة للبعث. وثمّة أمثلةٌ مشابهةٌ في كل دائرة انتخابية، لقادةٍ مركزيين وفرعيين في اتحاد طلبة سوريا، و/أو واتحاد شبيبة الثورة، ومنظمة طلائع البعث، والاتحاد العام للفلاحين، واتحاد نقابات العمّال، والاتحاد الرياضي العام، والاتحاد العام النسائي. أما محامو البعث، وأطبّاؤه، فكان عليهم في أغلب الحالات أن ينشطوا في نقاباتهم المهنية، قبل وصولهم إلى مجلس الشعب.

أما في ما يتعلّق بالمؤهّلات العلمية، فينبغي أن يكون نائباً بعثياً واحداً على الأقلّ في كل دائرة حاصلاً على شهادة الدكتوراه، أو أن يكون ثلثا النواب في معظم الدوائر من حملة الشهادات الجامعية. فعلى سبيل المثال، إن النائب عن دائرة دير الزور، طه خليفة، أستاذ في كلية الزراعة في جامعة الفرات، وأمين سابق لفرع حزب البعث في دير الزور (٢٠٠٨-٢٠١٣)، لم ينزح عن المدينة خلال الصراع كي يحافظ، ولو رمزياً، على ما تبقّى من الحزب هناك. كذلك انتُخِب، في العامَين ٢٠١٢ و٢٠١٦، زميلُه في الكلية نفسها، عبد السلام الدهموش، وهو أيضاً يمتلك سجّلاً بعثياً بارزاً قبل الثورة. وفي دمشق، حصل أربعة نواب بعثيين على شهادة الدكتوراه، وكان سبعة على الأقلّ من خرّيجي الجامعات.

 فضلاً عن ذلك، تؤخذ الخلفية العائلية أيضاً في الحسبان، إذ لا بد أن يظهر، خصوصاً من المدن الكبرى، أعضاء متحدرّون من عائلاتها العريقة. ففي مدينة دمشق، ينتمي محمد مظهر عربي كاتبي، وهو أستاذ جامعي، إلى عائلة دمشقية عريقة خرج منها في الماضي رجال دين بارزون. ومثله ينتمي عهد صالح الكنج إلى عائلة كبيرة ذات تاريخ حافل في المجتمع العلوي في ريف اللاذقية. وفي حمص، يتحدّر محمد معروف عبد الوارث السباعي، وهو ناشط قيادي في نقابة الأطباء البيطريين، من عائلة السباعي السنّية الحمصية العريقة، التي خرج منها الشيخ مصطفى السباعي، أول مراقب لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا بعد تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي.

وبالمقارنةً بانتخابات ما قبل الحرب، نجد أن الاختلاف الوحيد في فئة البعثيين التقليديين في العام ٢٠١٦، هو غياب البعثيين على وشك التقاعد، الذين طالما شغلوا من ثمانية إلى عشرة مقاعد على الأقلّ في المجلس قبل العام ٢٠١١، فازوا بها كمكافآت تكريمية لنهاية الخدمة، وقبل الخروج نهائياً من الجو الرسمي العام.[39]

مع هذا النموذج التقليدي للنواب البعثيين، تمكّن النظام من الحؤول دون تفكّك هيكل الحزب والتنظيمات التابعة له، أو انهيارها بالكامل، على الرغم من الضعف الذي أخذ يصيب هذا الهيكل في معظم المحافظات. وساهم هذا النموذج بوضوحٍ أيضاً في استمرارية مؤسسات الحكومة، التي واجهت تحدّيات مماثلة، خصوصاً في المحافظات التي بقيت تحت سيطرة النظام. فضلاً عن استنساخ النموذج البعثي، أُعيد انتخاب بعض الحلفاء القدامى للنظام في العام ٢٠١٦، ولا سيما من رجال الأعمال، الذين كانوا نواباً مستقلّين في العقد السابق للحرب، فساهموا بذلك في بقاء بعض المؤسسات الأخرى (مثل غرف التجارة والصناعة). بيد أن الحرب أرست ظروفاً ملائمةً لبروز العديد من اللاعبين الجدد من بين المستقلّين.

المحاسيب الرأسماليون، ورجال الدين السنّة، وشيوخ العشائر

منذ العام ١٩٩٠، كان شيوخ العشائر ووجهاء العائلات البارزة، ورجال الدين من التيار السنّي، ورجال الأعمال، مُمثَّلين في مجلس الشعب عبر مقاعد المستقلين بشكل رئيسي.[40] ثم مُثلت هذه الشرائح مجدداً في انتخابات ٢٠١٦، ولكن عبر نواب بسماتٍ مختلفةٍ في معظم الحالات.

المحاسيب الرأسماليون القدامى والجدد

منذ بداية الانفتاح الاقتصادي مطلع تسعينيات في القرن الماضي، نشأت شراكةٌ متناغمةٌ بين الحلقة القريبة من عائلة الأسد وطبقة رجال الأعمال، ما عدا بعض رجال الأعمال الدمشقيين الذين عارضوا سياسات بشار الأسد في أول سنوات حكمه، ودفعوا ثمن مواقفهم تلك.[41] ففي العام ٢٠٠٧، ضمّ مجلس الشعب ١٨ رجل أعمال من المرتبة الأولى (بمَن فيهم ثمانية في دمشق، وأربعة في حلب)،[42] إلا أن هذا العدد تراجع إلى أربعة نواب فقط في العام ٢٠١٢. أما مجلس العام ٢٠١٦، فضمّ ١٣ رجل أعمال، قلّةٌ منهم فقط يمكن اعتبارها راسخة في مجال التجارة أو الصناعة.

تجدر الإشارة إلى أن خمسةً من رجال الأعمال الفائزين بانتخابات ٢٠١٦، أسّسوا أعمالهم أو الجزء الأهمّ منها في العقد الأول من حكم بشار الأسد، واندمجوا في طبقة رجال الأعمال التقليدية الأوسع على مستوى محافظاتهم أو على المستوى الوطني، بغضّ النظر عن الطرق التي سلكها كلّ واحد منهم لبناء ثروته الضخمة. في دمشق، حافظ رئيسا القائمتَين "المتنافستَين"، محمد حمشو وسامر الدبس (سنّيان مدينيان)، على مقعدَيهما اللذين شغلاهما منذ العام ٢٠٠٣. وحافظ خضر حسين (علوي)، وهو وكيل لشركة تويوتا للسيارات في سوريا، ويتحدّر من ريف طرطوس، على مقعده في المجلس منذ العام ٢٠٠٧. أما في دائرة حمص، فأُعيد انتخاب بديع برهان الدروبي (سنّي مديني)، طبيب أسنان متفرّغ لأعماله في مجالات الصناعة، والبناء، والتأمين، والتعليم الجامعي الخاص، كان دخل المجلس للمرّة الأولى في العام ٢٠١٢. كذلك دخل المجلس في دورة ٢٠١٦ فارس الشهابي، رئيس غرفة صناعة حلب منذ العام ٢٠٠٩.

فضلاً عن هذه الشخصيات الخمس المعروفة، لم تكن لرجال الأعمال الآخرين سمعةٌ أو شبكاتٌ متشعّبةٌ في مجال الأعمال قبل وصولهم إلى مجلس الشعب. فهم إما تجّار أو رجال أعمال محليون، وإما أثرياء حرب بدأوا من مستويات دنيا، وراكموا الأموال بطرق غير مشروعة، باشروا بتبييضها من خلال تأسيس أعمال شرعية. جاء وصولهم إلى مجلس العام ٢٠١٦، من الفراغ الهائل الذي خلّفه رحيل معظم رجال الأعمال من الطبقة التقليدية، بدءاً من العام ٢٠١٢، خصوصاً إلى مصر والإمارات العربية المتحدة.

في دمشق، يجمع بين ثلاثةٍ من النواب الأربعة الجدد الذين مثّلوا شريحة رجال الأعمال، قاسمٌ مشتركٌ وهو أنهم تلقّوا الدعم من أعلى دوائر السلطة الحاكمة.[43] فقد دخل المهندس مسوتي (سنّي) مجلس الشعب بفضل زوجته لينا كناية، الموظّفة البارزة في القصر الرئاسي، علماً أن أوّل ظهور مسجّل رسمياً له في عالم الأعمال كان عن طريق شركة تجارية أسّسها في العام ٢٠١٥، قبل أن يؤسّس شركة سياحية في العام ٢٠١٨، وشركة صناعية في العام ٢٠١٩.[44] كذلك بدأ خليل جرجي طعمة (مسيحي) حياته المهنية من محلّ أبيه لبيع قطع غيار السيارات في منطقة حوش بلاس الصناعية قرب دمشق، قبل أن يغدو مقاولاً شبه دائم لمناقصات وزارة الداخلية، حيث عمل على توريد قطع الغيار لأسطول سياراتها قبل العام ٢٠١١، ثم على توسيع سجونها ومقرّاتها وتحصينها، بالتزامن مع أعمال أخرى كانت حصيلتها ورود اسمه ضمن ٧٠ من المساهمين في شركة شام القابضة، ما قد يشير إلى استفادته من دعم رامي مخلوف. وانتُخِب رجل الأعمال الرابع نبيل طعمة (سنّي) على قائمة البعث في واقعة غير معتادة، لكن الدعم الفعلي لطعمة، الذي أسّس في العام ١٩٩٩ شركة الشرق للإنتاج والتوزيع الفني، جاء من علاقته بمكتب ماهر الأسد.

وكان التجديد في شريحة رجال الأعمال أكثر وضوحاً في دائرة مدينة حلب، في العام ٢٠١٦، مع الغياب التام للصناعيين والتجّار، الذين رفض العديد منهم تمويل جهود الحرب الخاصة بالنظام، وأخذوا يغادرون البلاد ابتداءً من العام ٢٠١٢.[45] ففضلاً عن فارس الشهابي الذي مثّل وحده رجال الأعمال من حلب في دورة ٢٠١٦، دخل مجلس الشعب واحدٌ من أشهر أمراء الحرب بصفته رجل أعمال، وهو حسام القاطرجي (انتُخِب لأوّل مرة)، ابن الخيّاط الذي هجر مهنة أبيه ليعمل سمساراً لبعض الوزراء قبل الثورة، واستطاع مع شقيقيه أن يجمع بين العامين ٢٠١١ و ٢٠١٦، ثروة كبيرة جناها من وساطات النفط بين تنظيم داعش والنظام، ووساطات الحبوب والنفط بين القادة الأكراد في الجزيرة السورية والنظام. ثم أسّس مع شقيقيه أيضاً سلسلة شركات في مجالات التجارة والصناعة والنفط.[46] ويُعرَف القاطرجي ايضاً بأنه مؤسّس شركة أمنية خاصة تولّت حماية أعماله التجارية، قبل أن تتحوّل إلى ميليشيا فعلية انخرطت في المعارك إلى جانب قوات النظام.

أما وفي مناطق أخرى، وسع بعض التجّار المحليين أنشطتهم طوال فترة الصراع.  فدخل المجلس عن دائرة محافظة اللاذقية للمرة الأولى في دورة ٢٠١٦، عدنان الضرف، وهو مقاول وتاجر مواد بناء، ومتعهّد إطعام تشكيلات الجيش المنتشرة في اللاذقية. وفي حمص، أُعيد انتخاب فراس سلوم الهدبة، التاجر المقرّب من المكتب الأمني للفرقة الرابعة، الذي ضاعف ثروته بالتجارة مع المناطق الخارجة عن السيطرة، بتسهيلات خاصة تلقّاها من ضباطٍ في الفرقة الرابعة، ليؤسّس في العام ٢٠١٧ شركة مطاحن ضخمة بكلفة ١،٣ مليار ليرة سورية.[47] كذلك أُعيد انتخاب وائل ملحم في حمص، وهو شرطي متقاعد أصبح مقاولاً ورجل أعمال، وحظي بدعم القصر الرئاسي منذ دورة العام ٢٠٠٧. يُذكَر أن سلوم وملحم استخدما ثروتيهما لدعم الميليشيات المحلية، واللجان الشعبية في المحافظة.

أما القاسم المشترك بين معظم الواصلين الجدد هؤلاء، الذين كانوا غير معروفين إلى حدّ ما قبل العام ٢٠١١، فهو أن الوسائل التي استخدموها لجمع رأس المال اعتمدت بالكامل على علاقاتهم بالدوائر الداخلية للنظام، أو بالأجهزة الأمنية على المستوى المحلي. هذا الأمر يجعلهم يعيدون إنتاج نموذج المحاسيب التقليدي، الذي جسّده قبل الحرب محمد حمشو، الذي كان لا يزال غير معروف قبل بضع سنوات من انتخابه للمرّة الأولى في العام ٢٠٠٣. وأصبح هذا النموذج مهيمناً على مجلس العام ٢٠١٦، بعد أن اختفى عن الساحة أعضاء العائلات التجارية القديمة، باستثناء سامر الدبس في دمشق.

التحوّل العميق في تمثيل رجال الدين السنّة

اقتصر تمثيل التيار الديني السنّي حتى انتخابات العام ٢٠٠٧ بشكل رئيسي على مدينتَي دمشق وحلب، حيث شغل ثلاثة إلى أربعة من رجال الدين من هاتين المدينتين، مقاعد عنهما منذ العام ١٩٩٠. وكان ممثّلو رجال الدين معروفين بقربهم من النظام، وانتُخِبوا بشكل منهجي، في العقد الأول من القرن الحالي، على قوائم تدعمها الأجهزة الأمنية، أو حتى تضعها بنفسها.[48] أما الممثّل الأبرز لهذا التيار فكان الشيخ أحمد الحسون، الذي انتُخِب لعضوية المجلس عن دائرة حلب في العامَين ١٩٩٠ و١٩٩٤، قبل أن يصبح مفتياً لمحافظة حلب، ثم للجمهورية، بعد وفاة المفتي السابق الشيخ أحمد كفتارو في العام ٢٠٠٤. وفي انتخابات العام ٢٠٠٧، مثّل التيار الديني السنّي نائبان شابّان من المدرسة الكفتاروية في دمشق منذ دورة ٢٠٠٣، هما محمد حبش، وعبد السلام راجح، ونائب من حلب (منذ العام ١٩٩٠)، هو عبد العزيز الشامي، وأخيراً زكريا سلوايا من اللاذقية. ترشّح هؤلاء جميعهم على قوائم المستقلّين، وعقدوا تحالفات مع رجال أعمال في دمشق وحلب،[49] أو مع وجهاء علويين نافذين، كما فعل سلوايا في اللاذقية.[50]

جاءت انتخابات ٢٠١٦ لتكرّس واقعاً جديداً في التمثيل الديني السنّي،[51] حيث استُبدِل رجال الدين بناشطين دينيين يتبعون لحركة دينية جديدة أسّستها وزارة الأوقاف، في نهاية العام ٢٠١٥، وهي الفريق الديني الشبابي. ضمّ هذا الفريق عند تأسيسه ٦٠ عضواً من الناشطين والناشطات من مختلف المحافظات السورية، تراوحت أعمارهم ما بين ٢٥ و٤٠ عاماً، وهم من الحائزين على شهادات علمية،[52] وأغلبهم من السنّة، مع وجود رمزي لشيعة وعلويين للدلالة على تجاوز المذهبية.

كان هذا الفريق غير المسبوق في تاريخ التنظيمات الإسلامية السورية، وليد فكرةٍ مشتركةٍ لكلّ من بشار الأسد، ووزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد، من أجل "مواجهة الفكر الإرهابي التكفيري [...]، [والحفاظ] على أهمية التربية والتعليم الديني في تنشئة الجيل الواثق بوطنه ودينه، والقادر على مواجهة أعدائه بالعلم والفكر والعمل".[53] ويبدو أن المبادرة استندت إلى وجهة نظر الأسد نفسه حول النفوذ المتراجع لرجال الدين الكبار الموالين له، وضرورة استبدالهم برجال دينٍ أصغر سناً للتأثير بالجيل الجديد.

لقد احتكر الفريق الذي ترأّسه المهندس عبد الله السيد، نجل وزير الأوقاف، بعد خمسة أشهرٍ من انطلاقته، تمثيلَ "التيار الديني السنّي الرسمي" بأربعة مقاعد في انتخابات العام ٢٠١٦، بما فيها ثلاثة مقاعد لمستقلّين: المهندس والناشط أنس زريع، والناشطة والمهندسة الموظّفة في وزيرة الأوقاف، فرح حمشو، (وكلاهما من دمشق)؛ والمدّرسة ريم الساعي من دائرة الحسكة، وأصلها من دير الزور؛ ووصل النائب الرابع، خالد خدوج، إلى مجلس الشعب، عبر قائمة البعث في طرطوس.

واللافت أن الجو المشيخي السنّي في محافظة حلب لم يُمثَّل في مجلس العام ٢٠١٦، على الرغم من الدور الكبير الذي يضطّلع به المفتي أحمد حسون في تشكيل قائمة مستقلّي حلب. ربما يعود هذا التغيّب إلى رأيٍ لدى حسون نفسه بتنحية مشايخ حلب الذين يدين معظمهم بالولاء له كرجل دين أكبر في هذه المدينة، لصالح نواب من خلفيات أخرى احتاجت إليهم المدينة حين كانت شبه محاصرةٍ من قوات المعارضة في شتاء وربيع العام ٢٠١٦.

شيوخ العشائر: إتاحة مساحة أكبر للعشائر الصغيرة

في العام ٢٠٠٧، ضمّ مجلس الشعب ٢٨ وجيهًا بارزًا يتمتّع بوضع اجتماعي وراثي: ١٩ شيخاً من عشيرة سنّية، ورثوا المشيخة عن عائلاتهم، وانتُخِبوا في تسع دوائر انتخابية؛ وثلاثة رؤساء عائلات سنّية كبيرة من المدن أو البلدات الريفية؛ وثلاثة وجهاء علويين وراثيين؛ ووجيهان درزيان من أكبر عائلتَين في محافظة السويداء؛ ووجيه وراثي مسيحي من الأقلّية الآشورية في محافظة الحسكة.

ومع أن العديد من الأعضاء المستقلّين في مجلس شعب ٢٠١٦، يزعمون أنهم شيوخ عشائر، ١١ فقط هم شيوخ عشائرعربية سنّية، أو أبناء عائلات مشيخية مُعترَف بها في مجتمعاتها العشائرية. خمسةٌ من هؤلاء كانوا أعضاء في مجلس ٢٠٠٧، ليس بينهم أحد من دوائر درعا، أو الرقّة، أو مناطق/ريف حلب الخارجة بمعظمها عن سيطرة النظام (قبل انتخابات ٢٠١٦)، حيث انشقّ بعض ممثّلي الدوائر عن هذه الشريحة (درعا)، أو التزموا الحياد (الرقّة)، أو استُبدِلوا بمَن هم أنفع وأشدّ فعالية في خدمة النظام (ريف حلب).[54]

حافظ النواب العشائريون القدامى الخمسة على ولائهم العلني للنظام بعد اندلاع الثورة، كما فعل كلٌّ من عبد العزيز الملحم، شيخ عشيرة الحسنة في حمص، الذي أسّس ابنُه نواف المقرّب من إيران حزب الشعب، ومعه ميليشيا مقاتلة باسم الحزب، والتاجر والمهرّب الحسن شعبان بري، ممثّل عائلة بري المتحدّرة من عشيرة قيس، في الأحياء الشرقية من مدينة حلب. تجسّد هذه العائلة التي حافظت على تمثيلٍ ثابتٍ لها في مجلس الشعب منذ العام ١٩٩٤، نموذج العصابة العائلية، إذ تُعرَف على مستوى محافظة حلب بأنها تعمل منذ عقودٍ في تهريب المخدّرات والتبغ الأجنبي والسلاح، وذلك بدعمٍ من مسؤولين كبار في دمشق وحلب. كذلك يُعرَف عنها أنها ساندت النظام بعد الثورة من خلال تأسيس مجموعات "الشبيحة" المحليين لقمع المتظاهرين، قبل أن تتحوّل إلى ميليشيا مقاتلة.[55]وإضافةً إلى الملحم وبري، كان من بين ممثّلي العشائر عبد الكريم معاط الإسماعيل، شيخ عشيرة بني عز في ريف حماة، ونجم السلمان، الشيخ في قبيلة البقارة في ريف دير الزور، ومحمد الفارس العبد الرحمن، الشيخ في قبيلة طي في محافظة الحسكة.

فضلاً عن ذلك، كان نواب العشائر الجدد في مجلس ٢٠١٦ إما من عشائر صغيرة، وإما من عائلات مشيخية في عشائر معروفة، ولكن من دون المكانة الاجتماعية المطلوبة تقليدياً. يُذكَر من الأمثلة على الحالة الأولى كلٌّ من النائب المستقلّ عن الرقّة، خليل الكشة، شيخ عشيرة المجادمة الصغيرة، والنائب البعثي عن الرقّة أيضاً، فيصل السيباط، شيخ عشيرة الجعابات الصغيرة (فرع من الولدة، وهي فرع من البوشعبان)، إضافةً إلى النائب المستقلّ عن ريف دمشق، محمد خير النادر، شيخ الفرع الصغير من قبيلة النعيم المستوطن في أطراف الغوطة الشرقية. أما الحالة التي تُمثَّل فيها العائلة المشيخية بأفرادٍ لا يحظون بمكانة بارزة، فيعبّر عنها كلٌّ من النائب المستقلّ عن دير الزور، مهنا الناصر، نجل الشيخ الراحل لعشيرة البوسرايا، أحمد فياض الناصر، وسطام الدندل (بعثي)، ابن مجحم الدندل، الشيخ المعروف في عشيرة الحسون (فرع من البوكمال، وهي فرع قبيلة العكيدات). وعلى نحوٍ مشابه، مثّل حسن محمد المسلط (مستقلّ) من الحسكة، أباه المتوفّى وعائلته المسلط التي تتوارث مشيخة قبيلة الجبور.[56]

جدير ذكره أن القاسم المشترك بين معظم ممثّلي القبائل، بغضّ النظر عن وضعهم الشخصي والاجتماعي، كان ولاؤهم الحازم للنظام منذ بداية النزاع. فخمسةٌ منهم على الأقلّ كانوا مشاركين نشطين في اللقاءات القبلية المتتالية التي نظّمتها أجهزة المخابرات منذ العام ٢٠١١. كما إن ستّةً منهم أسّسوا ميليشيات قاتلت إلى جانب قوات النظام، أو أشرفوا على تأسيسها، مثل الميليشيا التي أسّسها العبد الرحمن في محافظة الحسكة في العام ٢٠١٣، والتي تُعَدّ أكبر الميليشيات العربية التابعة للنظام في محافظة الحسكة، والميليشيا الأصغر حجماً التي أسّسها مهنا الناصر، ودخلت قريته الشميطية إلى جانب قوات النظام في العام ٢٠١٧، والميليشيا التي أسّسها سطام الدندل، ودخلت مدينته البوكمال في العام نفسه.

إن رحيل العديد من رجال الأعمال، ورجال الدين السنّة، وشيوخ العشائر، أو انشقاقهم، أو حيادهم، بدءاً من العام ٢٠١٢، إما اعتراضاً على القمع الذي مارسه النظام، وإما لحماية أنفسهم، أتاح المجال لانتخاب لاعبين جدد في العام ٢٠١٦. وقد شارك العديد من الواصلين الجدد إلى المجلس في جهود النظام الحربية بطريقتهم الخاصة. لذا يتشاركون بالعديد من الخصائص مع مَن وصفناه أدناه بـ"النائب المحارب"، الذي لا يفرّقه عنهم إلا أنه نتاجٌ خالصٌ للحرب. وهذا النوع الجديد من النواب، الذي كان شبه غائب في العام ٢٠٠٧، يدين بانتخابه فقط للخدمات المتنوّعة التي قدّمها للنظام، وإن كان يمثّل فئات اجتماعية تقليدية.

بروز نوع جديد من النواب: النائب المحارب

لا تجمع بين بعض أعضاء مجلس الشعب، من البعثيين والمستقلّين، ونظرائهم من نواب ما قبل الحرب، قواسمُ مشتركةٌ كثيرة. لقد كان سبب انتخابهم في المقام الأول أنهم انخرطوا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أنشطة أمنية، أو عسكرية، أو دعائية، في السنوات الخمس الأولى من الصراع. وإذا كان عددهم يبقى قليلاً نسبياً، فإن ملفّهم الشخصي استثنائي إلى حدّ كبير، لا يمكن إلا تسليط الضوء عليه. فهؤلاء يمكن تصنيفهم وفق طبيعة الأنشطة التي اضطّلعوا بها قبل انتخابهم لعضوية المجلس : ففي حين أدّى بعضهم وظائف مهمة (ضمن الميليشيات) في ظروف استثنائية، وربما تكون لهم مكانةٌ أقلّ شأناً في المستقبل، قد يمثّل بعضهم الآخر قاعدةً اجتماعيةً مهمةً للنظام في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا (أُسَر الشهداء).

قادة الميليشيات

إلى جانب شيوخ العشائر الستّة الذين أسّسوا ميليشيات، أو أشرفوا على تأسيسها، دخل المجلس ١٥ قائداً فعلياً أو فخرياً لميليشيا، أو قيادياً في صفوفها، أو مساهماً بارزاً في تأسيسها: خمسة من مناطق حلب؛ وثلاثة من مدينة حلب؛ واثنان من إدلب؛ واثنان من ريف دمشق؛ وواحد لكلّ من اللاذقية، وحماة، ودير الزور. وباستثناء النائب من اللاذقية، جاء جميع "نواب الميليشيات" من مناطق تشهد مواجهات عسكرية عنيفة ومتواصلة.

يُشار إلى أن ثمانيةً منهم كانوا بعثيين، بمَن فيهم أربعة ناشطين في كتائب البعث: الأول هو باسم سودان (اللاذقية)، الذي أصبح قائداً للكتائب على مستوى سوريا، والثاني عمر العاروب (مناطق حلب)، الذي أصبح نائباً لسودان في قيادة الكتائب، وكلاهما كانا قياديَّين في الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، قبل أن يُعيَّن سودان في اللجنة المركزية لحزب البعث في نيسان ٢٠١٧، والعاروب نائباً لرئيس الاتحاد الرياضي العام في شباط ٢٠٢٠. والنائب الثالث هو طالب الحقوق السابق، مهند الحاج علي، الذي قاتل في صفوف الكتائب، قبل أن يُصاب ويعاود القتال بصفته قائد مجموعةٍ فيها. أما النائب الرابع فهو القيادي في صفوف اتحاد شبيبة الثورة في محافظة إدلب، عبد الواحد رزوق، الذي ساهم في تأسيس فرعٍ لكتائب البعث في منطقة حارم الحدودية شمال المحافظة.

إضافةً إلى ذلك، اختار حزب البعث على قوائمه لمجلس الشعب، قائد قوات الدفاع الوطني في منطقة السلمية في ريف حماة، فاضل وردة، وهو نجل رئيس المجلس الإسماعيلي (حتى كانون الأول ٢٠١٩). وروّج الحزب أيضاً لميليشيات عائلية أو جماعات أقلّية مسلّحة، كما في حالاتٍ كلّ من القاضي حسين فرحو، المؤسّس المشارك للذراع العسكرية لأقلّية الماردل الإثنية الصغيرة في مدينة حلب، الذي نسّق أيضاً مع أجهزة المخابرات الأحكام القضائية ضدّ المتظاهرين في المدينة؛ والمحامي جلال درويش ميدو، المؤسّس المشارك لميليشيا عائلية في المدينة نفسها، وابن العم البعيد لعضو القيادة القطرية، محمد شعبان عزوز؛ وتاجر السيارات الصغير السابق، خالد الضاهر من ريف إدلب الجنوبي، الذي أسّس وقاد ميليشيا صقور الضاهر المؤلّفة من أبناء عشيرته الصغيرة الحليبات.

كان الدور العسكري لهؤلاء البعثيين هو المصدر الرئيسي لرأس مالهم السياسي، إلى جانب نشاطهم في الحزب أو في إحدى التنظيمات التابعة له. فضلاً عن ذلك، كانت لمعظم هؤلاء علاقات متينة بقادة أو مسؤولين كبار في دمشق، ساهمت بلا شك في وصولهم إلى المجلس. مثالٌ على ذلك خالد الضاهر الذي تمتّع بدعم رئيس المخابرات الجوية اللواء جميل حسن، والضابط المؤثّر فيها العميد سهيل حسن، وباسم سودان، الذي رعاه أولاً ابنُ قريته (زنيو في ريف اللاذقية)، ضابط المخابرات ثم السفير السابق، بهجت سليمان، قبل أن يتولّى رعايته رئيس اتحاد الطلبة، عمار ساعاتي، صديق ماهر الأسد وزوج لونا الشبل المستشارة الإعلامية لبشار الأسد.

لم يكن رأس المال السياسي لقادة الميليشيات الذين دخلوا المجلس كمستقلّين، مختلفاً كثيراً عن نظرائهم من البعثيين. فمن المقاعد الثمانية للمستقلّين الممثّلين لمناطق حلب، فاز بأربعةٍ قادةُ ميليشيات، اثنان منهم يقودان ميليشيتَين مواليتَين لإيران: عمر الحسن، الرئيس الفخري لميليشيا "لواء الباقر"، التابعة للحرس الثوري الإيراني؛ والمحامي مجيب الرحمن الدندن، القائد الفخري لميليشيا عشائرية أسّسها مع عائلته ضمن عشيرته البوبنى، وكان اسمها الأخير فوج رعد المهدي، التابع لقوات الدفاع المحلي الموالية لإيران. وقاد الاثنان الآخران ميليشيتَين عشائريّتَين: حسن شهيد، قائد فوج العساسنة، وعبيد شريف العيسى، الذي شكّل ميليشيا من أبناء عشيرته البومسرة.[57] وفي ريف دمشق، ذهب اثنان من المقاعد الأربعة المُخصَّصة للمستقلّين، إلى قائدَي ميليشيا، وهما محمد عبده أسعد، قائد ميليشيا حصن الوطن، ومهند زيد، قائد ميليشيا درع القلمون، وكلاهما من قرية عين التينة الصغيرة في منطقة القلمون. وفي دير الزور، ساهم المقاول الصغير، والعامل السابق في الخليج، إبراهيم الداير من عشيرة الشعيطات (التي كانت ضحية مذبحة شهيرة ارتكبها تنظيم داعش في صيف العام ٢٠١٤)، في تأسيس ميليشيا عشائرية قادها بصورة فخرية خلال مشاركتها في القتال إلى جانب قوات النظام.

على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين مسارات البعثيين والمستقلّين، يتحدّر جميع هؤلاء النواب الجدد، الذين برزوا من خلال أنشطتهم العسكرية والأمنية، من أصول ريفية أو شبه ريفية، علماً أنهم جميعاً، باستثناء باسم السودان (العلوي)، وفاضل وردة (الإسماعيلي)، من السنّة. ولم يدخل مجلس الشعب أيٌّ من قادة الميليشيات العلوية الكثيرة، ما قد يشي بالآليات المتباينة المُستخدَمة لاختيار الوسطاء أو الوكلاء المحليين داخل المجتمعات السنّية والمجتمع العلوي. وفي حين أن الأكثرية السنّية، ولا سيما الريفية منها، تشكّل تهديداً عسكرياً، من شأن استقطاب قادة ميليشياتٍ منها للاضطّلاع بدور الوسيط أن يكون حاسماً للنظام. أما الأقلّية العلوية التي تُعَدّ النواة الأساسية للمجتمعات الموالية للنظام، فقد تشكّل تهديداً اجتماعياً يدفع النظام إلى اختيار بعض وسطائه فيها من عائلات القتلى في صفوف جيشه، بدلاً من قادة الميليشيات.

المحاربون الإعلاميون وشخصيات عامة أخرى

أطلق النظام حربه الإعلامية ضدّ معارضيه منذ الأيام الأولى للثورة، وقبل أن يتحوّل النزاع إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. وجاء انتخاب أو تعيين ١٢ عضواً في مجلس الشعب، في دورة ٢٠١٦، من الإعلاميين، والمثقّفين، والفنانين، ليعكس الجهود التي بذلها النظام من أجل بناء سرد متماسك عن النزاع.

اضطّلع أربعةٌ من هؤلاء بأدوار مهمة، على تباينها، في التغطية الإعلامية للأحداث: مراسل قناة الجديد اللبنانية نضال حميدي (من إدلب)، الذي رافق الجيش السوري خلال أول حملة كبيرة له إلى مدينة جسر الشغور، في حزيران ٢٠١١؛ ومراسل قناة الإشراق العراقية، والمنتج التلفزيوني الشاب، وليد درويش (من القنيطرة)؛ وحسين عباس (من حماة)، رئيس تحرير جريدة الفداء المحلية الرسمية. كان هؤلاء الصحافيون الثلاثة جنود النظام في تغطيتهم الإخبارية للمعارك العسكرية. وكان المحلّل السياسي خالد العبود الضيف شبه الدائم على القنوات الفضائية التابعة أو الموالية للنظام، يكمل هذه التغطية من جوانب أخرى في البرامج السياسية والحوارية التي دُعي إليها مراراً، ما جعله ناطقاً شبه رسمي باسم النظام.

فضلاً عن ذلك، أدّى ثلاثة ممثّلين مشهورين، دخلوا المجلس في العام ٢٠١٦، أدواراً دعائية: توفيق إسكندر (علوي) من حمص، الذي كثّف زياراته باللباس العسكري إلى مواقع انتشار الميليشيات الطائفية في مدينة حمص؛ وعارف الطويل (سنّي) من دمشق (برزة)، الذي عُرِف بسلوكه وتصريحاته المتشدّدةَ لصالح النظام؛ وزهير رمضان نقيب الفنانين، الذي عُرِف بعدائه الشديد للفنانين والفنانات المنخرطين في صفوف المعارضة.

إلى جانب هؤلاء، قدّمت شخصيات ثقافية وفكرية أخرى روايةً بديلةً عن تلك التي روّجت لها المعارضة، أمثال الكاتب نبيل صالح (من اللاذقية)، وهو أحد أكثر المروّجين المتحمّسين لحركة علمانية سورية، وناقد رئيسي لوزارة الأوقاف داخل مجلس الشعب بعد انتخابه؛ والمخرج السينمائي الشهير نجدت أنزور (عن دائرة مدينة حلب)، الذي أنتج أفلاماً عدّة تؤكّد رواية النظام عن الثورة والحرب والصراع، ويقال إن علاقات وثيقة تربطه بالقصر الرئاسي. واضطّلع بعض النواب المثقّفين بدور دعائي في أوساطهم الاجتماعية، كما فعل الملحّن الموسيقي الأرمني جيرار رئيسيان، والناشطة الثقافية الأرمنية نورا أريسيان، التي تُعَدّ وسيطًاً غير رسمي بين الأسد والحكومة الأرمنية، وتُعرَف ايضاً بقربها من أسماء الأسد.

بيد أن انتخاب هؤلاء الأعضاء المتنوّعين للغاية لم يكن مجرّد مكافأةٍ على أدوارهم الدعائية خلال سنوات الحرب، بل وسيلة تمكينٍ أيضاً تمنحهم المزيد من الأهمية والاعتبار، لمواجهة رواية المعارضة التي انضمّ إليها العديد من المثقّفين والفنانين. فقد كان انتخاب رياضيين معروفين، لم يؤدّوا بالضرورة أدواراً دعائيةً بارزة، أداةً مهمّةً لمواجهة الحالة التي شكّلها رياضيون معارضون، مثل لاعب كرة القدم عبد الباسط الساروت. وعلى أساس هذا التقابل الدعائي، انتُخِب في دورة ٢٠١٦ لاعب كرة السلة السابق الشهير، طريف قوطرش، الذي يقدّم برنامجاً رياضياً في التلفزيون الرسمي، وتربطه معرفة قديمة ببشار وماهر الأسد،[58] وكان ضمن وفد النظام في اللجنة الدستورية في العام ٢٠١٩. على هذا النحو أيضاً انتُخِب على قائمة مدينة حلب في دورتَي ٢٠١٢ و٢٠١٦، نجمان سابقان في كرة السلة، هما ماهر خياطة، صهر ضابط المخابرات السابق الشهير عمر حميدة،[59] وبطرس مرجانة الذي مثّل مسيحيّي حلب على مقاعد المستقلّين.

أُسَر "الشهداء"

في ظلّ الواقع الجديد للصراع، كانت عشرات آلاف العائلات من المناطق الموالية للنظام قد فقدت، بحلول العام ٢٠١٦، العديد من أفرادها بعد مقتلهم في الحرب ضدّ فصائل المعارضة المسلّحة. اعتُبِر هؤلاء القتلى شهداء، وصُوّر مقتلهم خلال المعارك في الرأي العام الموالي، على أنه تضحياتٌ بطوليةٌ تستحقّ التكريم. استجابةً لهذا الرأي السائد، وجد بعض أفراد أُسَر القتلى في جيش النظام طريقَهم إلى المجلس، علماً أن بعض ممثّلي عائلات الشهداء نالوا موارد دعمٍ أخرى بفضل اضطّلاعهم بأنشطة وأدوار مهمة لصالح النظام.  دخلت نساء عدّة المجلس في دورة ٢٠١٦، بصفتهنّ ممثّلات لـ"أُسَر الشهداء"، بمَن فيهنّ نور الشغري (السنّية المستقلّة من اللاذقية)، التي قتل شقيقها المجند بجيش النظام؛ والناشطة السياسية العلَوية أشواق عباس (العلوية المستقلّة من طرطوس)، التي فقدت اثنَين من أشقّائها؛ وديمة سليمان (العلوية البعثية من طرطوس)، شقيقة مجنّدَين قتيلَين؛ ونورا الحسن (العلوية البعثية من طرطوس)، التي أصبحت ناشطة في قضية أُسَر الشهداء، بعد مقتل زوجها وابنها الضابطَين في الجيش خلال المعارك ضدّ المعارضة. ومن القنيطرة، انتُخِبَت لعضوية مجلس الشعب في دورة ٢٠١٦، سيدة المجتمع واسعة النفوذ جانسيت قازان،[60] التي قُتِل ابنها في ميليشيا شركسية قاتلت إلى جانب قوات النظام.

لقد جسّدت أولئك النساء قبل دخولهنّ مجلس الشعب، باستثناء قازان، الحالة التي تكون فيها العائلة الممرَّ الذي يوصِل إلى المجلس، في غياب أيّ مورد دعم آخر. مع ذلك، لم تكن عملية الاختيار من بين آلاف الحالات عشوائية، فالشغري نالت شهرةً واسعةً بعد أن نشر تنظيم داعش شريطاً مصوّراً لإعدام شقيقها عقب أَسرِه في الرقّة. وعلى النحو نفسه ذاع صيت ديمة سليمان، بعد أن خُلّدَت ذكرى شقيقَيها بتمثالَين أزاح محافظ طرطوس الستار عنهما، في حدثٍ غطّته وسائل الإعلام المحلية هناك.

وتحت راية شهداء النظام هذه وصل نواب آخرون إلى المجلس، ممثّلين عائلاتهم في كل الدوائر الانتخابية تقريباً، مثل المُدرّس أحمد أديب زيتون من ريف دمشق، الذي قُتِل شقيقه وثلاثة آخرون من أفراد عائلته في كمينٍ نصبته فصائل المعارضة. في المقابل، جاء انتخاب بعض الضبّاط المتقاعدين، الذين مثّلوا عائلات كلّ من الشهداء والمقاتلين السابقين، تكريماً رمزياً للجيش والشرطة، كما في حالة القائد السابق للفيلق الأول، اللواء كمال عياش من درعا، والمقدّم المسرّح طبّياً، حاتم عمران من اللاذقية، الذي اعتُبِر ممثّلاً لجرحى الحرب من جنود النظام.

خاتمة

كان مجلس الشعب المُنتخَب في دورة ٢٠١٦، والمُنتهية ولايته في نيسان ٢٠٢٠، "مجلس حربٍ" شكّل انعكاساً لأولويات النظام الرئيسية الثلاث خلال المرحلة الأخطر من الصراع المسلّح، وهي أولاً الانتصار عسكرياً على معارضيه؛ وثانياً الحفاظ على حزب البعث وتنظيماته، وعلى الكيان المدني للدولة التي تحوّلت إلى جزءٍ من الأدوات والأُطُر التي استعملها النظام خلال الحرب؛ وثالثاً الحفاظ على القاعدة الاجتماعية، لا سيما في أوساط الأقليات.

وعدا عن الزيادة الواضحة، في انتخابات ٢٠١٦، في الأغلبية التي يمتلكها حزب البعث، حيث فاز البعثيون التقليديون بالكتلة الأكبر من مقاعد الحزب، جاء توزيع المقاعد وفق الانتماء السياسي والطائفي والجندري في تلك الانتخابات، مساوياً تقريباً لتوزيعها في انتخابات العقد الأول من حكم بشار الأسد. وانطوى هذا الثبات العددي النسبي في التوزيع، على تحوّلٍ عميقٍ في خصائص مجموعات المصالح الأخرى، مثل رجال الأعمال وشيوخ العشائر، الذين يترشّحون عادةً بصفتهم "مستقلّين"، ناهيك عن تمثيل الميليشيات وعائلات القتلى في جيش النظام، وهي شرائح وليدة أنتجها الصراع.

على أعتاب دورةٍ انتخابيةٍ جديدة، وفي وقتٍ تعود الأفضلية إلى النظام على المستوى العسكري والأمني، كيف سيبدو مجلس الشعب الجديد؟ ستعمد القيادة السياسية على الأرجح فقط إلى تغيير عدد المقاعد المُخصَّصة للجبهة الوطنية التقدّمية والمستقلّين بنسبٍ ضئيلة. وستبقى إلى حد ّما طريقةُ اختيار المرشّحين على قوائم "الوحدة الوطنية" كما كانت عليه في العام ٢٠١٦، إلا أن "القوائم المغلقة" (التي ضمّت مستقلّين على قوائم "الوحدة الوطنية")، ستُعتمَد على الأرجح في عدد أقلّ من الدوائر الانتخابية، أو ستختفي بالكامل. يُرجَّح أيضاً أن يبقى حزب البعث مهيمناً على الساحة، وإن كان التوازن بين البعثيين التقليديين ونظرائهم الصاعدين لا يزال غير واضح. في المقابل، قد يتراجع عدد ممثّلي الحزب السوري القومي الاجتماعي على أثر تضاؤل نفوذ بعض قياداته. أما بعض الأحزاب السياسية المُسجَّلة بعد العام ٢٠١١، التي تقدّم نفسها على أنها "المعارضة الوطنية من الداخل"، فقد تحصل على بعض المقاعد منعاً لتلاشي هذه الأحزاب، ولإعطاء صورةٍ جديدةٍ عن "التعدّدية".[61]

ومن المتوقّع أن القيادة السياسية لن تغيّر عدد المقاعد المُخصَّصة للمستقلّين إلا بنسبة قليلة، لكنها ستوسّع الهامش الافتراضي لحرية انتخابهم، بتقليص عدد المرشّحين المستقلّين على قوائم "الوحدة الوطنية" التي تدعمها، وتضمن لها الفوز المعتاد في كل انتخابات.

ونظراً إلى تفاقم التحدّيات الاقتصادية، وما تولّده من أزمات اجتماعية، يبدو أن تمثيل رجال الأعمال سيكون عرضةً للتغيّر بدرجة أعلى من تمثيل باقي الشرائح، حيث سيزداد عدد ممثّلي هذه الشريحة على الأرجح. وقد أطلقت شخصيات عديدة بالفعل ترشّحها تحت شعار "إعادة الإعمار"، كما أطلق العديد من رجال الأعمال المرشّحين مبادرات لمواجهة وباء كوفيد-١٩. أما شيوخ العشائر والوجهاء، وعائلات القتلى في قوات النظام، فمن المرجّح أن يحافظوا على الحصّة نفسها تقريباً من المقاعد التي كانوا حصلوا عليها في العام ٢٠١٦. وقد يدخل المجلس مجدداً بعض قادة الميليشيات السابقين، لكن بعد إعادة تصنيف أنفسهم كوجهاء وشيوخ عشائر، أو رجال أعمال. وبغضّ النظر عن مدى النجاح أو الفشل في تجربة الفريق الديني الشبابي الذي أسّسته وزارة الأوقاف، يبدو أن هذا الفريق سيمثّل التيار الديني السنّي مجدداً. بيد أن التنافس بين وزير الأوقاف عبد الستار السيد، والمفتي حسون، على قيادة هذا التيار على المستوى الوطني، يمكن أن يؤدّي إلى انتخاب أحد أتباع المفتي في حلب. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يدخل المجلس المقبل بعضُ الشخصيات الرمزية من الشيوخ السنّة الذين شاركوا في "صفقات المصالحة" (كما في ريف دمشق).

وأخيراً، من المرجّح أن توضح تركيبة مجلس الشعب في انتخابات ٢٠٢٠، المدى الذي بلغته تأثيرات التدخّل الأجنبي، أي الروسي والإيراني، في الصراع. في العام ٢٠١٦، لم يُبدِ الروس أيّ اهتمام خاص بدعم المرشّحين، في حين أيّد الإيرانيون ثمانية نواب فقط، وهو دعم هامشي مقارنةً بالتدخّل العسكري والأمني الضخم لحليفَي النظام الرئيسيَّين. قد يتوسّع النفوذ الإيراني بشكل طفيف في العام ٢٠٢٠، وقد يكون لروسيا تأثيرٌ أكبر في الانتخابات القادمة، ولا سيما من خلال الدور المتنامي للكنيسة الأرثوذكسية المدعومة منها.

 

* زياد عواد صحافي وباحث سوري يعمل في مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا"، ضمن برنامج مسارات الشرق الأوسط الذي يُشرِف عليه مركز روبرت شومان للدراسات العليا، في الجامعة الأوروبية في فلورنسا.

* أغنيس فافييه باحثة زميلة في برنامج مسارات الشرق الأوسط، في مركز روبرت شومان للدراسات العليا. تدير فافييه "مبادرة سوريا"، ومشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا".

قامت مايا صوّان بترجمة وتحرير هذا البحث باللغة العربية.

 

[1] أرجأ مرسومٌ صادر في ١٤ آذار الانتخابات إلى أواخر أيار ٢٠٢٠. في ٨ نيسان، أصدرت المحكمة الدستورية العليا بياناً آخر مفاده أن رئيس الجمهورية يمكن أن يُرجئ الانتخابات مجدداً حتى انتهاء وباء كوفيد-١٩.

[2] فولكنر بيرثس، "الانتخابات التشريعية السورية: إعادة تشكيل قاعدة الأسد السياسية" (بالإنكليزية)، تقرير الشرق الأوسط، رقم ١٧٤، ١٩٩٢؛ سهيل بلحاج، (٢٠١٣) سوريا بشار الأسد: بنية نظام استبدادي (بالفرنسية)، ص. ٢٦١-٢٨٨ (باريس: بيلين، ٢٠١٣)؛ توماس بيريت، "الحملة الانتخابية السورية في نيسان ٢٠٠٧: النزعة المحلية، وهيمنة جماعات المصلحة، وتحالف المال والإسلام" (بالإنكليزية)، ٢٠٠٧، غير منشور؛ منى غانم، وصباح الحلاق، وآخرون، "المرأة ومجلس الشعب في الجمهورية العربية السورية"، صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، والهيئة السورية لشؤون الأسرة.

[3] تأسّست الجبهة الوطنية التقدّمية بقيادة حزب البعث في العام ١٩٧٢، وتضمّ عشرة أحزاب تمثّل الأحزاب السياسية المُعترَف بها رسمياً حتى العام ٢٠١٢، وهي: حزب البعث الحاكم، والحزب الشيوعي السوري، والحزب السوري الشيوعي الموحّد، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب العهد الوطني، وحركة الاشتراكيين العرب، وحزب الوحدويين الاشتراكيين، والحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الاتحاد العربي الديمقراطي، والحزب السوري القومي الاشتراكي، آخر الملتحقين بالجبهة في العام ٢٠٠٥.

[4] سهيل بلحاج، المرجع السابق، ص. ٢٨٧.

[5] تناولت الدراسة انتخابات العام ٢٠١٦ بدلاً من انتخابات ٢٠١٢، التي أُجريَت متأخّرةً عن موعدها المُفترَض بسبب اندلاع الثورة، وذلك لأن تأثيرات الصراع انعكست بصورة أوضح في نتائج دورة ٢٠١٦ المنتهية، ولأن تحليل هذه النتائج يشكّل اساساً مقارناً لدراسة نتائج الانتخابات المقبلة.

[6] في الإجمال، جمع هذا البحث بياناتٍ حول ٢٠٠ عضو من أصل الأعضاء الـ٢٥٠ في مجلس الشعب المُنتخَب في العام ٢٠١٦. أما المحافظات التي خضعت للقدر الأكبر من البحث فكانت عشرة، وهي: دمشق، وريف دمشق، وحلب، ومناطق حلب (ريف حلب)، واللاذقية، وطرطوس، وحمص، ودير الزور، والسويداء، ودرعا.

[7] آن بارنارد، "الانتخابات البرلمانية السورية تُبرِز الانقسامات وانعدام اليقين" (بالإنكليزية)، نيويورك تايمز، ١٣ نيسان ٢٠١٦، https://nyti.ms/2RDrYDe

[8] للحصول على لمحة عامة عن الإصلاحات الدستورية والانتخابية، أنظر المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، وبيت الخبرة السوري، "خريطة طريق الانتقال السورية" (بالإنكليزية)، ٢٠١٣، https://bit.ly/3ciulU3

[9] يخوض المرشّحون الانتخابات إما على قوائم الفئة (أ) (العمّال والفلاحون)، وإما على قوائم الفئة (ب) (باقي فئات الشعب). ويحدّد القانون عدد المقاعد للفئتَين (١٢٧ مقعداً للفئة (أ)، و١٢٣ مقعداً للفئة (ب)). لكن هذا التصنيف فقدَ كل أهمية اجتماعية منذ الانتقال إلى اقتصاد السوق في عهد بشار الأسد، لكن حزب البعث يستخدم هذه الحصص أداةً للفرز عند إعداد القوائم الانتخابية. يُحدَّد عدد المقاعد لكل انتماء سياسي على أساسٍ تحدّده القيادة السياسية لحزب البعث، وقد يختلف بحسب الظروف. يمكن للمرشّح البعثي الترشّح عن الفئة (أ) أو الفئة (ب)، ويمكن للمستقلّين أيضاً تقديم أنفسهم على أنهم "عمّال أو فلاحون" أو من "باقي فئات الشعب". ولا يُذكَر الانتماء السياسي للمرشّحين على قوائم المرشّحين أو قوائم النتائج التي تنشرها اللجنة القضائية العليا للانتخابات.

[10] أغنيس فافييه وماري كوسترز، "الانتخابات المحلية: هل تتّجه سوريا نحو إعادة إحكام السيطرة المركزية؟"، تقرير مشروع بحثي، مشروع زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا، شباط ٢٠١٩، https://bit.ly/2yflt2M

[11] بناء على معطيات نشرتها اللجنة القضائية العليا للانتخابات، https://bit.ly/2VOYqWo

[12] الموقع الإلكتروني لمجلس الشعب، "القانون ٨ لعام ٢٠١٦: تعديل قانون الانتخابات العامة رقم ٥ لعام ٢٠١٤"، https://bit.ly/2WrP0R5

[13] افتُتِحَت مراكز اقتراعٍ للنازحين من محافظتَي الرقّة وإدلب، في كلّ من حماة، وحمص، واللاذقية، وطرطوس، ودمشق؛ وللنازحين من محافظة دير الزور، في دمشق، واللاذقية، والحسكة؛ وللنازحين من محافظة حلب، في دمشق، واللاذقية، وطرطوس. في الوقت نفسه، لم تتّخذ اللجنة القضائية العليا أيّ تدابير تسمح لكلّ من اللاجئين والنازحين خارج مناطق سيطرة النظام بالتصويت. سانا، "استعداداً للاستحقاق الدستوري.. المراكز الانتخابية بالمحافظات تستكمل جاهزيتها"، ١٢ نيسان ٢٠١٦، https://bit.ly/2V8ZBzc

[14] للاطّلاع على أرقام العامَين ٢٠١٦ و٢٠١٢، زيارة الموقع الإلكتروني لمجلس الشعب، على الرابط https://bit.ly/39yHdVi، والرابط https://bit.ly/3cBLU2g. للحصول على معلومات حول انتخابات العام ٢٠٠٧، أنظر القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، "انتخابات الدور التشريعي التاسع لمجلس الشعب في سورية"، ٢٣ نيسان ٢٠٠٧، https://bit.ly/3cz174j؛ للحصول على معلومات في ما يتعلَق بدورة العام ٢٠٠٣، أنظر صحيفة تشرين، "نتائج انتخابات الدور التشريعي الثامن لمجلس الشعب"، ٦ آذار ٢٠٠٣، https://bit.ly/2THX8cXX

[15] المصادر نفسها المذكورة في الهامش. ١٤

[16] أنظر النتائج المفصّلة التي نشرتها اللجنة القضائية العليا للانتخابات على موقعها الإلكتروني https://bit.ly/2VOYqWo

[17] الحالة الأولى في دائرة طرطوس، حيث كان الفارق في الأصوات بين آخر مرشّح فائز (رجل الأعمال خضر محمد حسين)، وأوّل مرشّح خاسر (المحامي محمود علي بلال)، ٢١٩٦ صوتاً. الحالة الثانية كانت في دائرة مدينة حلب، حيث بلغ الفارق في الأصوات بين آخر مرشّحة فائزة (زينب خولا، رئيسة إحدى المؤسسات الخيرية)، وأوّل مرشّح خاسر (محمد ربيع عفر، تاجر وقائد ميليشيا)، ٦٩٤٧ صوتاً.

[18] المصادر نفسها المذكورة في الهامش ١٤

[19] موقع أرشيف لكلمات بشار الأسد ولقاءاته، "مقابلة السيد الرئيس بشار الأسد مع صحيفة البعث بتاريخ ١١ تموز ٢٠١٣"، https://bit.ly/33kKuVO

[20] فافييه وكوسترز، "الانتخابات المحلية: هل تتّجه سوريا نحو إعادة إحكام السيطرة المركزية؟".

[21] تستند الأرقام إلى بيانات الموقع الإلكتروني لمجلس الشعب، بعد تصحيح ستّة أخطاء تقنية.

[22] كريستوفر سولومون، وجيسي مكدونالد، ونيك غرينستيد، "الصقور يخوضون عاصفة الحرب" (بالإنكليزية)، ملخّص سياسات، معهد كلينغندايل، كانون الثاني ٢٠١٩، https://bit.ly/2XLOWw9

[23] المصادر نفسها المذكورة في الهامش ١٤. تعيين الدائرة الانتخابية لمقاعد كل حزب يتوافق مع انتخابات ٢٠١٦.

[24] شغل المقعد الثاني المُخصَّص للاتحاد الاشتراكي، السمسار وثري الحرب الصاعد، محمد المشعلي عن دير الزور، فيما خُصّص الوحدويون الاشتراكيون بمقعدَين، شغل أوّلهما عن درعا خالد العبود، المعلّق التلفزيوني الشهير في الوسط الموالي، بعد أن كان مثّل الحزب في الدورتين الماضيتين، الأولى (٢٠٠٧) عن درعا، والثانية (٢٠١٢) عن ريف دمشق. وشغل المقعد الثاني المعلّق الأقلّ شهرة، زكوان عاصي عن إدلب، بعد أن دخل المجلس في الدورة الماضية بصفته عضواً في الحزب الوحدوي الاشتراكي.  

[25] الأحزاب العشرة التي تنافست في انتخابات العام ٢٠١٦ خارج الجبهة الوطنية التقدّمية هي: التضامن، وسوريا الوطن، والطليعة الديمقراطي، والديمقراطي السوري، والتضامن العربي الديمقراطي، والتنمية الوطني، والشباب الوطني السوري، والشباب الوطني للعدالة والتنمية، والإرادة الشعبية، والشعب.

[26] عبد العزيز ملحم في دائرة حمص، ونشأت الأطرش في السويداء. وفي الحالتَين، لم تتح لهما عضويتهما في الحزب، الذي تتبع له فصائل شبه عسكرية، أيّ دعم إضافي بسبب المكانة الكبيرة التي يتمتّعان بها في مجتمعَيهما.

[27] انتُخِب الناشط الشيوعي المخضرم قدري جميل في العام ٢٠١١ رئيساً للجبهة الشعبية للتحرير والتغيير، التي أُسّسَت في آب ٢٠١١، واعتُرِف بها على أنها معارضة سياسية رسمية. ثم أسّس جميل حزب الإرادة الشعبية بدعم من روسيا. أُسقِطَت عضويته من مجلس الشعب في العام ٢٠١٥، عقب مقاطعته الانتخابات الرئاسية في العام ٢٠١٤. البعث ميديا، "مجلس الشعب يسقط عضوية عدد من أعضائه بينهم قدري جميل"، ٣٠ تموز ٢٠١٥، https://bit.ly/2vR0Nxk

[28] بيرثس، المرجع السابق؛ حنّا بطاطو، فلّاحو سوريا: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم (برنستون: منشورات جامعة برنستون، ١٩٩٨).

[29] تستند الأرقام إلى بيانات الموقع الإلكتروني لمجلس الشعب، بعد تصحيح ستّة أخطاء تقنية.

[30] تنافست قائمتان في العام ٢٠٠٧، في دمشق، وتقاسمت المقاعد المستقلّة: قائمة "الفيحاء" برئاسة محمد حمشو (مع سامر الدبس)، وقائمة "الشام". وشُكّلَت قائمتان في حلب أيضاً: قائمة "الشهباء"، وهي تحالف من رجال أعمال ورجال دين، فازوا بالمقاعد كلّها؛ وقائمة "أصدقاء حلب"، وهي قائمة البرجوازية الحضرية المفضّلة، ولكن أجهزة المخابرات منعتها من الفوز بأيّ مقعد. بييريت، "الحملة الانتخابية السورية في نيسان ٢٠٠٧" (بالإنكليزية).

[31] تستند الأرقام إلى بيانات جمعها المؤلّف من خلال لقاءات أجراها عبر الإنترنت مع أشخاص على معرفة شخصية بالنواب، ودقّق فيها بمقارنتها بإعلانات الوفاة لأقارب هؤلاء النواب، التي تُظهِر الانتماء الديني والطائفي، فضلاً عن صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تكشف هذا الجانب أيضاً، ولا سيما خلال الأعياد والمناسبات الدينية.

[32] كما في المثال الذي يجسّده بوضوح المهندس المدني رياض شتيوي، ابن محافظة القنيطرة الذي يقيم في دمشق، والذي ترشّح عن درعا حيث يترأّس فرع الدائرة المسكونية للتنمية، الذراع الخيرية لبطركية الروم الأرثوذكس.

[33] انتُخِبَت شخصيتان شيعيتان بعثيتان بفضل مواقفهما الاجتماعية أو الحزبية (عباس عبد الكريم صندوق في دمشق، وسامي قاسم أمين في ريف حمص)، أكثر مما انتخبتا بسبب الدعم المباشر من إيران. وحصل نائبان آخران، يُقال إنهما تشيّعا، على الدعم من إيران: انتُخِب في دائرة مناطق حلب مجيب الرحمن الدندن؛ وانتُخِب المحامي عبد المجيد الكواكبي، المتحدّر من عائلة حلبية عريقة، في الدائرة التي ينتمي إليها، قبل أن يُعيَّن محافظاً لدير الزور.

[34] في محافظة الحسكة، المعقل الرئيسي للأكراد في سوريا، جرى تبديد أصوات الأكراد باستمرار على "القوائم المغلقة" المدعومة من حزب البعث. حول المسألة الكردية في سوريا، أنظر جوردي تيجيل، أكراد سوريا: التاريخ والسياسة والمجتمع، (نيويورك: راوتلدج، ٢٠٠٩).

[35] نالت المرأة في سوريا حقّ الترشّح للمجلس التشريعي في العام ١٩٥٣، وانتُخِبَت أول امرأة لعضوية البرلمان في العام ١٩٥٨. غانم والحلاق، "المرأة ومجلس الشعب في الجمهورية العربية السورية".

[36] سبوتنك، "مجلس الشعب السوري يكشف الأسباب الحقيقية وراء حجب الثقة عن رئيسة المجلس"، ٢١ تموز ٢٠١٧، https://bit.ly/2x7AR0T

[37] كان أوّل ظهورٍ لكتائب البعث في مدينة حلب، في نهاية العام ٢٠١٢، بناءً على أوامر هلال هلال، الأمين السابق لفرع حلب للحزب في العام ٢٠١١، الذي جرت ترقيته في تموز ٢٠١٣ إلى أمين قطري مساعد لحزب البعث. عبدالله الجباصيني، "من متمرّدين إلى جنود: الفيلق الخامس في درعا جنوب سوريا" (بالإنكليزية).

[38] تدخل الخلفية العائلية في عملية الانتقاء إلى حدّ ما. عباس عبد الكريم صندوق هو أحد الأمثلة النموذجية التي تجمع ما بين هذه الخصائص، حيث انتُخِب في دمشق بعدد الأصوات الأعلى في سوريا (أكثر من مليون صوت). يحمل صندوق شهادة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من جامعة دمشق، التي يشغل منصب أمينها منذ العام ٢٠٠٤. وتولّى قبل ذلك منصب نائب أمين فرقة حزب البعث في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، وهو يتحدّر من عائلة قديمة ومرموقة في دمشق (حيّ الشاغور).

[39] مثل المتقاعدين في دورة ٢٠٠٧: معاون وزير الخارجية السابق سليمان حداد، ومحافظ دمشق السابق محمد زهير تغلبي، والرئيستان السابقتان للاتحاد العام النسائي، سعاد شيخ بكور، ونهاد سيريس، وغيرهم من الأعضاء الأقلّ شأناً في معظم المحافظات.

[40] بيرثس، "الانتخابات التشريعية السورية" (بالإنكليزية). كان من النادر للغاية أن يترشّح رجال أعمال أو وجهاء عشائريون على قوائم البعث. وإن حصل ذلك، فكان المرشّح يتمتّع أيضاً بتاريخ طويل في حزب البعث الذي أوصله إلى مجلس الشعب. على سبيل المثال، انتُخِب عدنان السخني، صاحب شركة آسيا للصناعات الدوائية، على قوائم البعث في مدينة حلب، في الأعوام ١٩٩٨، و٢٠٠٣، و٢٠٠٧، ثم عين محافظاً للرقّة (٢٠١٠-٢٠١٢)، فوزيراً للصناعة حتى العام ٢٠١٣. كان السخني عضواً قديماً في حزب البعث، ومديراً سابقاً لمديرية صناعة حلب.

[41] أبرزهم رياض سيف (الذي انتُخِب نائباً في العامَين ١٩٩٤ و١٩٩٨)، ومأمون الحمصي (١٩٩٠، و١٩٩٤، و١٩٩٨)، وكلاهما من دمشق. أُدخِلا السجن في العام ٢٠٠١ لمدّة خمس سنوات.

[42] في دمشق، انتخب محمد حمشو، وبهاء الدين حسن (تاجر مواد البناء والمعدّات الطبية، ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق في العام ٢٠٠٩)، وسامر الدبس (رئيس الشركة السورية للاستثمارات الغذائية، ورئيس غرفة صناعة دمشق)، وهاشم العقاد، وزاهر دعبول، ومحمد رضوان المصري، ومحي الدين حبوش. وفي حلب، انتُخِب أربعة رجال أعمال من القائمة نفسها: صالح الملاح، رئيس غرفة تجارة حلب؛ وخالد علبي، أحد أثرى رجال الأعمال في البلاد؛ وعبد الكريم السيد، الذي عمل بشكل رئيسي في التجارة مع لبنان؛ وإدوار مكربنة، نائب رئيس غرفة صناعة حلب المسيحي. بييريت، "الحملة الانتخابية السورية في نيسان ٢٠٠٧" (بالإنكليزية).

[43] لا يوجد تأكيد على مثل هذا الدعم لمحمد ماهر البستاني. فقد نال رخصةً لإذاعة خاصة في العام ٢٠٠٧، ولكن لم يتمكّن من تشغيلها، فانتقل إلى قطاع العقارات والإعلانات.

[44] الاقتصادي، "محمد همام محمد عدنان مسوتي"، https://bit.ly/2Un0Uch

[45] كان تهميش رجال الأعمال التقليديين في حلب واضحاً في العامَين ٢٠١٢ و٢٠١٦، لكنه لم يكن ظاهرة جديدة تماماً. بعد أن أدّت الانتفاضة الإسلامية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، إلى جمع دعم في صفوف التجّار أوسع بكثير في حلب منه في العاصمة، بقيت السلطات تبدي ثقةً ضئيلةً حيال ولاء العائلات السنّية القديمة في ثاني أكبر مدينة، فحالت دون انتخاب قائمة البرجوازية الحضرية في العام ٢٠٠٧.

[46] الاقتصادي، "حسام أحمد رشدي قاطرجي"،   https://bit.ly/2XPPUav

[47] بانوراما سورية، "تدشين مطحنة الهدبة بطرطوس بطاقة إنتاجية ٣٥٠ طن يومياً"، ٢٤ شباط ٢٠١٧، https://bit.ly/34L0lxy

[48] توماس بييريت، العلماء السوريون في القرنَين العشرين والحادي والعشرين. التقليد كمورد في مواجهة تحدّيات التغيير الاجتماعي والاستبداد (بالفرنسية). أطروحة دكتوراه في العلوم السياسية بإشراف فيليس داسيتو (جامعة لوفين الكاثوليكية)، وجيل كيبيل (معهد الدراسات السياسية في باريس)، ٢٠٠٩.

[49] بييريت، المرجع السابق.

[50] عصام خوري، "تقرير الانتخابات التشريعية السورية التاسعة"، الحوار المتمدن، ١٨ حزيران ٢٠٠٧، https://bit.ly/2Vpme2u

[51] بدأ تهميش رجال الدين السنّة في انتخابات ٢٠١٢، حيث انتُخِب فقط الشيخ أنس الشامي في حلب.

[52] سهى سليمان، "دام برس تلتقي مدير أوقاف طرطوس ومدير الفريق الديني الشبابي"، دام برس، ١ شباط ٢٠١٦ https://bit.ly/2wUn1ii

[53] سانا، "الأوقاف تطلق المنتدى الحواري للفريق الديني الشبابي"، ٢٥ نيسان ٢٠١٦، https://bit.ly/3cZkOBJ

[54] الأعضاء هم ناصر الرفاعي وخليل الحريري من درعا؛ وعبد المحسن الراكان (شيخ عشيرة البوسبيع، وهي فرع بارز من قبيلة البوشعبان)، الذي غادر إلى السعودية؛ ومحمد فيصل الهويدي (شيخ عشيرة العفادلة، وهي فرع بارز من قبيلة البوشعبان)، الذي بقي محايداً وملتزماً بيته في الرقّة، قبل أن يغادر إلى دمشق في العام ٢٠١٧؛ ومحمد خير الماشي (شيخ عشيرة البوبنى) من ريف حلب، الذي ورث مقعد أبيه ذياب الماشي، بعد وفاته في العام ٢٠٠٩، وانتُخِب في دورة ٢٠١٢، وغاب عن المجلس في دورة ٢٠١٦.

[55] مدوّنة أيمن جواد التميمي، "لواء الشهيد علي زين العابدين بري: وحدة من وحدات الدفاع المحلي"، ٢٩ أيار ٢٠١٩، https://bit.ly/3f67jSr

[56] الكشة، والنادر، والناصر، والدندل أعضاء في المجلس من دورة ٢٠١٢.

[57] باستثناء المحامي الدندن، الذي ينتمي إلى عائلة متعلّمة ومعروفة (من عشيرة البوبنى في منطقة منبج)، ينتمي قادة الميليشيات الآخرون من حلب بشكلٍ خاص إلى ما يمكن تسميته بالبروليتاريا المنحطّة، التي بدأت بعض عائلاتها منذ تسعينيات القرن الماضي، رحلة صعود خاصة بدعم من أجهزة المخابرات، بالرغم من تورّط الكثير منها في أعمال إجرامية، مثل تهريب المخدرات والسطو المسلّح. يتحدّر معظم قادة الميليشيات من عشائر استقرّت في الأحياء الطرفية والهامشية من مدينة حلب، أو كانت مستوطنة في الأصل في قرى قريبة منها. وقد انخرطوا بعد اندلاع الثورة في قمع المتظاهرين في تلك الأحياء ووسط المدينة أيضاً، قبل أن يسارعوا إلى تأسيس ميليشيات مقاتلة بدءاً من النصف الثاني من العام ٢٠١٢.

[58] منذ دراسته الثانوية في مدرسة اللاييك الشهيرة وسط دمشق، حيث درس أيضاً باسل وبشار وماهر، أبناء حافظ الأسد.

[59] رئيس فرع أمن الدولة في حلب في ثمانينيات القرن الماضي.

[60] عبر زوجها العميد المتقاعد وليد أباظة، ضابط المخابرات البارز في عهد حافظ الأسد، ثم أمين فرع حزب البعث منذ العام ٢٠١٢، وحتى وفاته في العام ٢٠١٧، حيث خلفه ابنهما خالد في هذا المنصب.

[61] أصدر فاتح جاموس الرئيس السابق لحزب العمل الشيوعي المعارض، ومؤسّس تيار "طريق التغيير السلمي" في شباط ٢٠١٢، الذي يُعَدّ شخصيةً أساسيةً في المعارضة داخل سوريا، بياناً دعا فيه "قوى المعارضة الوطنية الداخلية الجادة" إلى المشاركة في انتخابات مجلس الشعب. ويُذكَر من بين المرشّحين من القادة أو الناشطين في الأحزاب السياسية المُسجَّلة بعد العام ٢٠١٢، ماهر مرهج، أمين عام حزب الشباب الوطني السوري، وماهر الشريف، رئيس فرع الحزب الديمقراطي السوري في حماة.

من نحن

  • يروّج برنامج مسارات الشرق الأوسط البحوث المتعددة التخصّصات، بناءًا على نتائج العمل الميداني وبالتعاون مع باحثين من المنطقة.
    يعتمد هذا البرنامج على: 
    تحليل على أساس بحوث تجريبية أُجريت في الميدان
    مقاربة متعدّدة التخصّصات تُركزّ على دراسة الديناميكيّات الرئيسيّة والمتشابكة 
    منظور متوسط الأجل إلى طويل الأجل، يهدف إلى تحديد الإتجاهات، مُتميّز عن منظور
    المؤسسات الفكرية والمعاهد غير الأكاديمية الأخرى، التي نِتاجها وتمويلها تُحدَّدُ بواسطة خُطط سياسية قصيرة المدى.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union