Home page

يمكن تنزيل منشورات المشروع لأغراض البحث الشخصية فقط. إن أيّ استنساخٍ إضافيّ لأغراض أخرى، سواء على شكل نسخ مطبوعة أم إلكترونية، يتطلّب موافقة المؤلّفين.
أما في حال الاستشهاد بالنص أو اقتباسه، فيجب الإشارة إلى الأسماء الكاملة للمؤلّفين والمحرّرين، إضافةً إلى العنوان، والسنة التي نُشِر فيها، والناشر.

الغوطة الشرقية تحت وطأة وباء كورونا

  • الكاتب: نينار الراعي
  • التاريخ: الخميس, 07 أيَّار 2020

تحميل الملف pdf

مقدّمة

منذ استيلائه على الغوطة الشرقية، عمل النظام السوري على إدارة بلداتها عبر مؤسساته الأمنية. ونظراً لهشاشة مؤسسات الدولة بعد تسع سنوات من الحرب، يعتبر فيروس كورونا أحد أكبر الإشكاليات التي يواجهها النظام السوري اليوم، خصوصاً في المناطق التي استعادها مؤخراً. ومع انتشار الوباء في سوريا، حيث تم تسجيل ٤٤ إصابة في بداية أيار٢٠٢٠ في جميع أنحاء البلاد،[1] اتخذ النظام السوري تدابير وقائية صارمة في الغوطة الشرقية عبر وزارة الداخلية، في محاولة للحد من انتشار الوباء.

وفقاً لسلسلة القرارات الصادرة من وزارة الداخلية، فُرض حظر تجوال في ٢٧ آذار ٢٠٢٠ بين دمشق وريفها. إلا أن هذه القرارات لم تشمل جميع المناطق، واقتصرت على المناطق التي استعادها النظام مؤخراً مثل الغوطة الشرقية.[2] وفي مطلع نيسان، أعلنت وزارة الصحة عن إصابات في الغوطة الشرقية (دوما وحرستا وسقبا وحمورية).[3]

تأتي الإجراءات الحكومية المتخذة في الغوطة الشرقية على شكل تدابير أمنية أكثر من كونها وقائية. وبالتزامن مع تزايد إعلانات الحكومة السورية عن انتشار فيروس كورونا، عمد النظام السوري إلى توسيع تواجد الفرق التابعة لحزب البعث بهدف تعزيز سلطته في هذه المناطق.

الجزء الأول: الواقع الاجتماعي والصحي في الغوطة الشرقية

مع ضعف النظام الصحي ونقص الأدوية والكوادر الطبية في الغوطة الشرقية، بسبب دمار٧٠ بالمئة من البنية التحتية والمعمارية في أنحاء الغوطة الشرقية جراء الحرب، واستهداف النظام للمراكز الطبية،[4] فإن الغوطة الشرقية بالكاد قادرة على مواجهة الوباء. ورغم تصريحات السلطات السورية حول تلبية الاحتياجات الأساسية، لا توجد مراكز طبية فعالة في الغوطة الشرقية، وتقتصر الخدمات الطبية الموجودة على مستوصفات متواضعة بإمكانيات قليلة. ورغم قلّتها، تعمل الكوادر الطبية المتواجدة في الغوطة على استقبال الحالات المشتبه بإصابتها، وتقديم إرشادات الوقاية من انتشار الفيروس. إلا أن نقص الخبرات الطبية المؤهلة يسبب حالة من الذعر بين السكان، فهم يدركون عدم توفر مراكز الرعاية الصحية في حال تفشي الوباء، كما أنهم يشعرون بالتهديد في بعض الأحيان نتيجة قيام الكوادر الطبية بإبلاغ السلطات الأمنية في حال إصابة أي شخص.

في الوقت ذاته، تسبب منع التجوال بنقص مصادر الدخل، حيث فقد كثيرون أعمالهم، ويعود ذلك إلى عدم إمكانية التنقل والوصول إلى أماكن العمل.[5] وقد فُرض على من يخالف الحظر مبلغ مالي يتراوح بين ٥٠ ألف و٣٠٠ ألف ليرة سوري، فضلاً عن الاعتقال لمدة بين ثلاثة وستة أشهر.[6] وبما أن انتشار الوباء تزامن مع انخفاض حجم الواردات، مع حلول ٣٠ آذار، قامت وزارة التجارة وحماية المستهلك برفع الأسعار في الأسواق، بما في ذلك معظم المواد الأساسية،[7] وعملت على ضبطها بعد ذلك. ومع حلول شهر رمضان، تم السماح لأصحاب المهن التجارية والمهنية والخدمية بفتح محالهم يوماً أو يومين في الأسبوع، من الثامنة صباحاً حتى الثالثة ظهراً.

أصبح شراء المواد الأساسية ودفع إيجار المنازل أمراً في غاية الصعوبة، مع طلب النظام السوري من السكان البقاء في منازلهم خشية من توسع انتشار الفيروس. وتتزايد مخاوف السكان من تردي الوضع المعيشي وغياب الخدمات، وعدم الحصول على مساعدات إنسانية كافية نتيجة توقف معظم المنظمات عن العمل، باستثناء مبادرات يقوم بها الهلال الأحمر والفرق التابعة لحزب البعث والبلديات.

ويعاني معظم سكان الغوطة من بنية جسدية ضعيفة، بسبب قلة الموارد وتردّي الأمن الغذائي، وانتشار الفقر المدقع بعد الحرب وكثرة جرحى الحرب والمصابين بالأمراض المزمنة وأصحاب الاحتياجات الخاصة بين مختلف الفئات العمرية، وهو ما يُضعف فرص مقاومة الفيروس في حال انتشاره. على الرغم من ذلك يحاول سكان الغوطة بالالتزام بالتعاليم الصحية التي تقيهم من الإصابة بالفيروس.

انتقل الفيروس إلى مدينة دوما عبر رجلين من قوات النظام عادا من الشمال السوري، فيما ظهر في سقبا وحرستا وحمورية بعد عودة عدة عائلات من لبنان. وبسبب تفشي الوباء في المنطقة، تم حجر العائلات المصابة داخل منازلها، ومنع أفرادها من التنقل إلا بموافقة أمنية، فضلاً عن حجر الأحياء التي تقطن فيها هذه العائلات. ويعود سبب انتشار الوباء إلى أن المطارات العسكرية داخل سوريا ما زالت تستقبل مقاتلين وشحنات عسكرية من إيران.[8] وتشهد منطقة القلمون خصوصاً اجتماعات وتنقلات للميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني بين الأراضي السورية واللبنانية، ومن المرجح أن تكون الإصابات ناتجة عن التواصل بين هؤلاء المقاتلين وقوات النظام السوري. وأبلغت مصادر طبية أن عناصر من الفرقة الرابعة نُقلوا إلى المشفى الوطني في القطيفة بريف دمشق بعد إصابتهم بفيروس كورونا.[9]

الجزء الثاني: تدابير النظام وشبكاته الأمنية في التعامل مع انتشار الوباء في الغوطة الشرقية

بالتزامن مع تزايد الإعلان عن انتشار فيروس كورونا، أعاد النظام السوري العديد من الحواجز الأمنية إلى الغوطة الشرقية، وأغلق الطرق الفرعية بين البلدات بالمتاريس الترابية. ويُخشى أن يقوم النظام بإغلاق كامل لتلك البلدات، خاصة وأنه أغلق بالفعل بلدات الغوطة الجنوبية.

ولأن المؤسسات الأمنية تمتلك حرية اتخاذ القرارات الأمنية، اتخذت الفرقة الرابعة، بحلول شهر شباط، قراراً غير رسمي بإيقاف إدخال الأدوية والمواد الطبية إلى دوما عبر حاجز مشفى حرستا، وهو المعبر الوحيد إلى العاصمة دمشق، الأمر الذي تسبب بنقص الأدوية في بلدات الغوطة الشرقية.  وفي ٢٢ آذار أيضاً، اتخذت الفرقة قراراً غير رسمي بمنع إدخال المحروقات عبر الحاجز ذاته إلى مدينة دوما، ما دفع العديد من السكان إلى إيقاف أعمالهم المرتبطة بالوقود، وقد انعكس القرار على توفّر التيار الكهربائي، حيث يعتمد السكان على المولدات الكهربائية في توفير الكهرباء لمنازلهم.

واتخذ حاجز دوما-مسرابا أيضاً الإجراءات ذاتها، فيما نفّذ فرع أمن الدولة حملة اعتقالات استهدفت العاملين في المجال التجاري في مدينة دوما بهدف التجنيد العسكري، علماً أن القيادة العامة في وحدات الجيش السوري أعلنت بتاريخ ٢٠ آذار عن وقف السوق إلى الخدمة الإلزامية.[10] ونظم عناصر النظام دوريات جابت بلدات الغوطة، وفرضت إتاوات مالية على المارة تصل إلى ٥٠ ألف ليرة سورية، مقابل إطلاق سراح من يتم إيقافه خلال فترة الحظر. ويجد السكان صعوبة في المواصلات، ما يدفع كثيراً منهم إلى التأخر بالعودة إلى منازلهم، بسبب كثرة الحواجز والدوريات الأمنية، فيما تتزايد مخاوف السكان جراء فرض عقوبات بالسجن والغرامات المالية. من المرجح أن النظام السوري يعمل على حرمان الغوطة الشرقية من المستلزمات الأساسية والضرورية لمواجهة الوباء، إلى جانب فرض قرارات أمنية عبر سلطة أجهزته.

فضلاً عن ذلك، استفاد النظام السوري من وجود حزب البعث داخل الغوطة الشرقية، إذ أطلق الحزب، بإشراف القيادة المركزية، مبادرة تهدف إلى الحد من انتشار الوباء، تتضمن أنشطة لتسهيل وصول السكان إلى الموارد الغذائية، وعمل على حشد المناصرين له والمنتسبين للحزب. وتم تشكيل فرق أُطلق عليها اسم "فرق البعث التطوعية"، بإشراف وقيادة فرق الحزب في كل بلدة. عملت هذه الفرق، مع الهلال الأحمر، على تعقيم المرافق العامة في بلدات الغوطة، كالشوارع والمدارس والمساجد. وشكلت قيادة فرق الحزب لجاناً تتألف من ثمانية أعضاء لمساعدة المختار والبلدية في ضبط عملية توزيع الخبز على السكان. يظهر حزب البعث عبر هذه الإجراءات كمستفيد من انتشار الوباء، فعبر إدارة الموارد والعمل إلى جانب المجتمع للحد من انتشار الوباء، يسعى الحزب إلى كسب التأييد وتعزيز دوره في تقوية سلطة النظام في سوريا.[11]

أياً تكن الغاية من تبني الحكومة السورية لإجراءات الحد من انتشار الوباء، يتضح عموماً أن معظم هذه الإجراءات هدفت إلى تعزيز دور شبكات النظام في إعادة ترسيخ السيطرة على المناطق التي استعادها مؤخراً. ويعزى ذلك إلى رغبة النظام السوري في استبعاد أي تهديد للعاصمة دمشق، ناتج عن احتجاج السكان بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية.

خاتمة

شهدت الأزمة الحالية في سوريا الناجمة عن انتشار فيروس كورونا قدراً من التباين على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي، فقد خسر سكان الغوطة الشرقية الكثير من مصادر دخلهم. وفشل النظام السوري في معالجة الوضع الصحي المتردي، متخذاً تدابير ذات طبيعة أمنية أكثر منها وقائية، وموظفاً شبكات السلطة لضبط العلاقة مع المجتمع، بدلاً من السماح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل إلى جانب وزارة الصحة لاحتواء الوباء. وقد يسبب ذلك تكاليف بشرية إضافية يكون الوباء سبباً في حدوثها، ولا سيما في ظل غياب الرقابة، واستمرار تدهور أو حتى غياب الخدمات في الغوطة الشرقية، وعدم إيجاد بديل لتغطية الاحتياجات الاجتماعية والطبية، وتفاقم الوضع الاجتماعي الاقتصادي والسياسي. وأخيراً، قد يسبب انتشار فيروس كورونا زيادة في الاستبداد والقمع، وتكريس دور شبكات النظام في إرساء سلطته في المناطق التي استعادها في السنوات الأخيرة.

* نينار الراعي باحثة سورية في مشروع زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا، لبرنامج مسارات الشرق الأوسط في مركز روبرت شومان للدراسات المتقدمة، في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا. تركز عملها منذ عام ٢٠١٢ على الوضع الإنساني والتطورات الاجتماعية والإنسانية في سوريا.

[1] وورلد ميتر (بالإنكليزية)، "سوريا"، ٤ أيار ٢٠٢٠، https://bit.ly/2YuJApe

[2] سانا، "قرار بمنع التنقل بين مراكز المحافظات وجميع المناطق والأرياف في جميع الأوقات اعتباراً من الساعة الثانية ظهر الأحد القادم"، ٢٠ آذار ٢٠٢٠، https://sana.sy/?p=1129370

[3] شام إف إم، "إحصائيات فيروس كورونا في المحافظات السورية"، منشور فيسبوك، ٥ نيسان ٢٠٢٠، https://bit.ly/2xvOQOq  

[4] نينار الراعي، "أوجه سلطة النظام السوري في الغوطة الشرقية"، تقرير مشروع بحثي (فلورنسا، إيطاليا: مشروع "زمن الحرب وما بعد الصرع في سوريا"، معهد الجامعة الأوروبية)، ٢٣ آب ٢٠١٩، https://bit.ly/3bXLceV

[5] تم تحديد يومَي الإثنين والثلاثاء للسماح بالتنقل، إلى جانب منع التجول من السادسة مساءً وحتى السادسة صباحاً خلال أيام الأسبوع، وفي أيام العطل من الساعة ١٢ ظهراً. ومع حلول شهر رمضان في ٢٣ نيسان، تم تعديل ساعات الحظر من الساعة ٧:٣٠ مساءَ حتى السادسة صباحاً. سانا، "الفريق الحكومي المعني بإجراءات التصدي لفيروس كورونا يقرر تعديل أوقات حظر التجول المفروضة في جميع المحافظات اعتباراً من بداية شهر رمضان المبارك لتصبح من السابعة والنصف مساءً حتى الساعة السادسة صباحاً"، ١٨ نيسان ٢٠٢٠، https://bit.ly/2SuN9YJ

[6] بلغ سعر صرف الليرة السورية ١٢٤٥ ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق السوداء يوم ٢٢ نيسان ٢٠٢٠.

[7] مقارنة نشرة الأسعار بين شهري شباط وآذار.

[8] زياد الريس، "حقيقة انتشار فيروس كورونا في سوريا"، الحرة، يوتيوب، ١٤ نيسان ٢٠٢٠، https://bit.ly/2Kpe7wn

[9] مقابلة عبر سكايب مع ناشط وعامل في المجال الإنساني، ٢٠ نيسان ٢٠٢٠.

[10] سانا: "القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة تعلن ايقاف السوق للخدمة بسبب الأوضاع الصحية"، ٢٠ أذار ٢٠٢٠، https://bit.ly/2SIPQWX

[11] مقابلة عبر سكايب مع ناشط وعامل في المجال الإنساني، ٢٠ نيسان ٢٠٢٠.  مقابلة عبر سكايب مع ناشط وصحفي سابق، ٢٢ نيسان ٢٠٢٠.

من نحن

  • يروّج برنامج مسارات الشرق الأوسط البحوث المتعددة التخصّصات، بناءًا على نتائج العمل الميداني وبالتعاون مع باحثين من المنطقة.
    يعتمد هذا البرنامج على: 
    تحليل على أساس بحوث تجريبية أُجريت في الميدان
    مقاربة متعدّدة التخصّصات تُركزّ على دراسة الديناميكيّات الرئيسيّة والمتشابكة 
    منظور متوسط الأجل إلى طويل الأجل، يهدف إلى تحديد الإتجاهات، مُتميّز عن منظور
    المؤسسات الفكرية والمعاهد غير الأكاديمية الأخرى، التي نِتاجها وتمويلها تُحدَّدُ بواسطة خُطط سياسية قصيرة المدى.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union