Home page

يمكن تنزيل منشورات المشروع لأغراض البحث الشخصية فقط. إن أيّ استنساخٍ إضافيّ لأغراض أخرى، سواء على شكل نسخ مطبوعة أم إلكترونية، يتطلّب موافقة المؤلّفين.
أما في حال الاستشهاد بالنص أو اقتباسه، فيجب الإشارة إلى الأسماء الكاملة للمؤلّفين والمحرّرين، إضافةً إلى العنوان، والسنة التي نُشِر فيها، والناشر.

فهم الأزمة السورية المستمرة

  • الكاتب: بيتر بوث
  • التاريخ: الإثنين, 15 آذار 2021
  • ترجمة: دوكستريم

في إطار المساعي الرامية إلى التوصل لفهم دقيق لتركيبة الصراع في سوريا واتجاهاته، نظر فريق "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا" في مجمل الأبحاث التي أُجرِيت حول سوريا في العقد الماضي. في هذا المنشور، نستخدم كلمة "بحث" بالمعنى الواسع الذي يشمل البحث الأكاديمي وأبحاث السياسات والصحافة الاستقصائية وغيرها من الأدبيات المتعلقة بسوريا.

الانتفاضة الشعبية السورية، التي اندلعت منذ عشر سنوات، تبعتها حرب وأزمة إنسانية جعلتها - وفق مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة - أكبر كارثة من صنع البشر منذ الحرب العالمية الثانية. وهي تتراجع إلى خلفية الأحداث مع تغيّر أولويات السياسات الخارجية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ورغم الأزمات المتداخلة والمتبدلة - ومنها حروب بالوكالة – التي شهدتها "الحروب السورية"، يوصَف الصراع اليوم بأنه في حالة جمود، فيما تحظى خمس قوى أجنبية بتواجد عسكري على الأراضي وفي الأجواء السورية، بما يقسم البلاد إلى عدة مناطق نفوذ. على السطح، قد يبدو الوضع داخل سوريا راكداً. في ظل حفاظ النظام العائلي، الحاكم منذ عقود، على سيطرته على ثلثي الأراضي السورية (بما فيها المدن الرئيسية) وعلى أغلبية من بقوا داخل البلاد، فيما يواصل حليفا النظام روسيا وإيران مساندته، قد يبدو لصنّاع السياسات الغربيين، الذين بدأوا حديثاً بالعمل على الملف السوري، أن سوريا عادت إلى حالة "الاستقرار" ما قبل عام ٢٠١١.

لطالما نظرت الدول الغربية إلى سوريا كقوة إقليمية محورية نظراً لدورها في الصراعات التي نشبت في الدول المجاورة لها، إلا أن واقع البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالكاد كان مفهوماً قبل وصول احتجاجات "الربيع العربي" بشكل غير متوقع إلى سوريا. ولعل تعذّر التواصل مع السكان والاطّلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية في المدن المختلفة، من دون رقابة، كان تحدياً أساسياً يواجه دارسي سوريا الحديثة قبل الحرب. ومنذ آذار ٢٠١١، تعاظم هذا التحدي، أو تضاءل، حسب الظروف في كل حالة، فشجاعة الكثير من السوريين والتزامهم بإسماع العالم صوتَهم وقصتهم، بالإضافة إلى التكنولوجيا الحديثة، عوّضت غياب القدرة على الوصول الى الداخل السوري لدراسة التطورات السياسية مباشرة. في المقابل، كان لاستعادة النظام سيطرته على مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة تأثير سلبي على إمكانيات العمل الميداني عن بُعد، وهي الاستعادة التي بدأت من شرق مدينة حلب في كانون الأول ٢٠١٦ وتسارعت عام ٢٠١٨ مع سقوط الغوطة الشرقية والمناطق الجنوبية وشمال حمص، والتي انقطعت سُبُل متابعة مجرياتها تماماً بعد عودة أجهزة الأمن إليها.

ورغم التوثيق غير المسبوق في العقد الماضي والإنتاج البحثي الغزير، ما زالت بعض الملامح الاساسية من الصراع، وآثارها بعيدة الأمد، غير مدروسة بصورة وافية. ويمكن إعادة بعض هذه الديناميات في زمن الحرب وما بعد الصراع إلى فترة حكم آل الأسد قبل الحرب، بالإضافة لديناميات أخرى ظهرت خلال الصراع. ويتطلب فهم مستقبل سوريا إيلاء عناية أكبر بهذه الديناميات.

صندوق النظام الأسود

لعبت المخابرات السورية دوراً محورياً في القمع والفساد، اللذين كانا من الملامح الأساسية لسوريا طيلة عقود، وكانت ممارساتها من الأسباب الرئيسية للانتفاضة. كغيرها من أجهزة الدولة، شهدت الأجهزة الأمنية بفروعها المتعددة تغيرات عدة في إطار تأثرها بضغوط الصراع وتكيفها معها. رغم ذلك، تظل طبيعة هذه الأجهزة وعلاقة التنافس فيما بينها غامضة نسبياً. ومع تشتّت وتفتّت البلاد، لم تخضع أجهزة الأسد الأمنية والعسكرية للبحث الموسع الذي خضعت له مختلف القوى غير الحكومية المشاركة في الصراع - ومنها جماعات المعارضة المسلحة التي تأسست في معظم الأحيان كردّ على وحشية قوات النظام، ولكنها هُزِمت أو استُغِلّت كأطراف في حرب بالوكالة؛ وكذلك الميليشيات التي تأسست كامتداد لأجهزة الدولة؛ والقوات الأجنبية. يبقى فهم الوضع الحالي للأجهزة الأمنية والعسكرية في سوريا، وتحليل علاقاتها مع مراكز القوى الأخرى، مدخلاً ضرورياً لفهم استمرار القمع والفساد بوصفهما ركيزتين لبقاء النظام في السلطة. ومن جوانب نظام الحكم التي تستحق بحثاً معمّقاً شبكات المصالح التي تجمع رجال الاعمال والأجهزة الامنية، والتي تتمثّل مصلحتها في استمرار بقاء نظام استبدادي بات غير قادر على توفير الغذاء حتى لقاعدته الشعبية.

سقوط الاقتصاد المتسارع

بعد مرور عقد على الصراع، تُشكّل الأزمة الاقتصادية الحادّة في سوريا تحدياً مُلحّاً، خاصة بعدما فاقمت الأزمة الاقتصادية من الفقر المدقع الذي كانت تعانيه أغلبية السكان وجعلتهم على حافة المجاعة. من غير الواضح كم من الزمن ستبقى العائلات السورية المُنهَكة والمُفقَرة قادرة على التأقلم مع الظروف المعيشية المتردية، ومن غير الواضح إلى أين سيتجه الاقتصاد إذا ظلّ التعافي الاقتصادي الحقيقي مستبعَداً على المدى القريب والمتوسط، كما هو مرجَّح. تقتضي الإجابة على السؤال الأخير فهماً متجدداً وشاملاً لمدى الدمار الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية والبنى التحتية الأساسية، وآفاق تعافيها أو إعادة تأهيلها، ليس فقط من وجهة نظر اقتصادية كلية وإحصائية - وهو ما ركزت عليه دراسات كثيرة حتى الآن - بل أيضاً من حيث إعادة تنظيم الاقتصادات المحلية، بما في ذلك مصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة والمراكز الاقتصادية الناشئة، ودور القوى القادرة على إفساد خطط التعافي وإعادة التأهيل الاقتصادي.

خُصِّص جزء كبير من النقاش حول الأزمة الاقتصادية في سوريا للعقوبات الدولية، والتي دافع أنصارها عن مفاهيم مثل "أوراق التفاوض" و"المحاسبة"، فيما اعتبر خصومها معاناة السوريين الاقتصادية دليلاً على أن العقوبات تؤذي السوريين العاديين. ولكن نقاشاً جوهرياً مثل هذا يجب أن يُبنى على بحث جادّ آثار العقوبات المباشرة وغير المباشرة على السكّان، بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية للحكومة السورية وطبيعة النظام السياسي القائم على علاقات المحسوبية.

أجيال ومجتمعات محلية تغيّرت بفعل الصراع

شهد المجتمع السوري تغيرات كبيرة خلال السنوات العشر الماضية، وذلك بعد اقتلاع مجتمعات محلية كاملة من مكانها والتسبّب بنزوح ملايين الناس. ما زالت العديد من هذه التغيرات غير مدروسة بدرجة كافية، وسيكون لها أثر هائل في المستقبل. ومن هذه التغيرات ما سبّبه الصراع ضمن الجماعات الدينية والإثنية، والبُنى العائلية والقبلية، ولا سيما تلك الخاصة بإعادة توزيع السلطة ضمن هذه المجموعات الاجتماعية.

وإلى جانب التوترات الطائفية والإثنية الواسعة التي نجمت عن استمرار العنف في سوريا، فقد عمق الصراع في بعض الأحيان وخلق في أحيان اخرى انقسامات مجتمعية ليست ظاهرة دوماً، إلا أنها مهمة، مثل انقسام سكان المدن مقابل سكان الأرياف، والنازحين داخلياً مقابل من لم يغادروا بيوتهم قط، بالإضافة إلى سوريين الداخل مقابل سوريين الشتات. سيتأثر مستقبل سوريا بالآثار بعيدة المدى للصدمة التي أصابت عدة أجيال نتيجة للصراع، والتي تؤثر على العائلات والمجتمعات السورية، بالإضافة إلى أثر غياب التعليم الجيد - وتلقي الطلبة تعليماً من مناهج ومنظومات تعليمية متعددة في الدول المجاورة - على الأجيال الجديدة من السوريين.

ليس الوقت مناسباً لغض النظر

لعل من الواضح وجود مزيج قابل للاشتعال من مصادر الاضطراب والتطرف والصراع في سوريا اليوم. وفي حال تُركت تلك الظواهر تتفاقم دون علاج، فإن على البيئة المحيطة بسوريا - بما ذلك الاتحاد الأوروبي - الاستعداد مستقبلاً لصياغة سياسات عاجلة لمواجهة الآثار المحتملة لتلك الظواهر. أبرز هذه التحديات هي المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي سبّبت الانتفاضة أساساً دون أن تُعالَج بعد، بل والتي توسّع نطاقها وتكاد تتسبّب بانفجار جديد يخلّف عواقب إنسانية وسياسية كبيرة. ومن العوامل التي يجب مراقبتها عن كثب درجة سيطرة النظام على المناطق الريفية المتقلّبة، وجاذبية السلفية الجهادية في المناطق السنّيّة المهمَّشة في سوريا والعراق. علاوةً على ذلك، أغفلت أغلب الأبحاث الحالية عن سوريا الضرر البيئي الذي سببه الصراع، فتدمير القطاع الزراعي وشحّ المياه النظيفة هما من العوامل المساهمة في الأزمة الغذائية والمائية المتفاقمة.

لكي يستطيع العمل البحثي التأثير على السياسات وصانعيها فيما يتعلق بالتحديات السابقة، لا بديل عن العمل الميداني، وعن استمرار الحوار والتعاون بين الباحثين المهتمين بالشأن السوري. ينبغي توجيه الاهتمام نحو المزيد من الأبحاث الأصيلة وعدم الانشغال بالتعليق على الأحداث المتسارعة يومياً في الملف السوري. ومن المهم تشجيع نشر وتوزيع أدبيات المنظمات الدولية والمحلية ومراكز الأبحاث على نطاق واسع. ويجب أن يُبنى العمل البحثي على المزيد من البيانات الكمية، وأن يغطي كامل سوريا (مع أخذ المشكلات والموضوعات المذكورة أعلاه في الاعتبار)، بما في ذلك المدن والمناطق التي تجاهلها البحث حتى الآن، مثل حمص وحماة وحلب والساحل السوري. أخيراً، بدل الحديث عن السوريين، يجب أن يزداد العمل المُنتَج من قِبَل سوريين، فضمّ الأصوات السورية الصاعدة وتلك التي كانت مهمّشة شرط لازم للبحث الجاد والناجع. وقد بذلت عدة مؤسسات سورية وغربية بارزة - من مراكز الأبحاث إلى الصحف – جهوداً مهمة في هذا الإطار، ولكن الأمر ما زال يتطلب عملاً كبيراً.

تأسس مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا" جزئياً لمواجهة هذه التحديات. ومنذ انطلاقه في كانون الأول ٢٠١٨، سعى المشروع للتوصل إلى فهم دقيق لديناميات واتجاهات الصراع المستمر من خلال إجراء بحث قائم على العمل الميداني، كما ساهم في بناء وتمكين شبكة من الباحثين السوريين الذين يُجرون أبحاثاً وينشرونها باللغتين العربية والإنكليزية، ويساهمون في النقاش والتأثير على سياسات المؤسسات والأطراف الدولية الخاصة ببلادهم.

للمزيد من المعلومات العامة حول منشوراتنا، يرجى زيارة موقعنا الإلكتروني: زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا | مسارات الشرق الأوسط.

من نحن

  •  

    أسَّسَ مركز روبرت شومان للدراسات العليا في معهد الجامعة الأوروبية برنامج مسارات الشرق الأوسط في العام ٢٠١٦، استكمالاً للبرنامج المتوسّطي الذي وضع المعهد في طليعة الحوار البحثي الأورومتوسّطي بين العامَين ١٩٩٩ و ٢٠١٣.

    يطمح برنامج مسارات الشرق الأوسط إلى أن يصبح جهة مرجعية دولية للأبحاث التي تتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تنظر في التوجّهات والتحوّلات الاجتماعية-السياسية، والاقتصادية، والدينية. ويسعى البرنامج إلى تحقيق هدفه هذا من خلال تشجيع البحث متعدّد التخصّصات بناءً على نتائج العمل الميداني، والتعاون مع باحثين من المنطقة. ويفيد البرنامج من خبرة باحثين ناطقين بلغات المنطقة الرئيسة، بما فيها العربية الفصحى والعامية، والفارسية، والطاجيكية، والتركية، والروسية.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union