Home page

يمكن تنزيل منشورات المشروع لأغراض البحث الشخصية فقط. إن أيّ استنساخٍ إضافيّ لأغراض أخرى، سواء على شكل نسخ مطبوعة أم إلكترونية، يتطلّب موافقة المؤلّفين.
أما في حال الاستشهاد بالنص أو اقتباسه، فيجب الإشارة إلى الأسماء الكاملة للمؤلّفين والمحرّرين، إضافةً إلى العنوان، والسنة التي نُشِر فيها، والناشر.

عوائل الرستن الكبرى: من الصدارة إلى الانكفاء

  • الكاتب: أيمن الدسوقي
  • التاريخ: الإثنين, 02 آب 2021
  • تحرير: ياسر الزيات

تحميل الملف pdf

ملخّص تنفيذي

في عهد حافظ الأسد، تمكن كبار الضباط والبعثيين من أبناء العوائل الكبرى في مدينة الرستن، شمال حمص، من إحكام سيطرة النظام على المدينة. أما في عهد بشار الأسد فقد فشل رجال الأعمال والقادة الأمنيون من خارج المدينة، وكذلك المسؤولون المحليون المنحدرون من عوائل صغيرة، من لعب دور مماثل. ساهم هذا التغيير في زعزعة قاعدة النظام الاجتماعية، وهو ما كشفته أحداث عام ٢٠١١ بوضوح، بعد عجز مسؤولي الرستن عن احتواء الانتفاضة.

في ربيع ٢٠١٢، وقعت المدينة تحت سيطرة فصائل المعارضة، وباتت جزءاً من منطقة ريف حمص الشمالي. لعب العديد من أبناء عوائل الرستن دوراً قيادياً، حيث شكلوا فصائل مسلحة، وأسّسوا مجلساً محلياً لإدارة شؤون المدينة. لعب بعضهم دوراً غير مباشر في عودة المنطقة إلى سيطرة النظام عبر مجلس العوائل، الذي تشكل بمبادرة روسية وساهم في التوصل إلى اتفاق "المصالحة" في أيار ٢٠١٨، الذي نجم عنه تهجير جزء كبير من سكان المدينة باتجاه الشمال السوري.

منذ ذلك الوقت، سعى النظام إلى إعادة تثبيت سلطته في الرستن، عبر إعادة تشكيل شبكة الوسطاء المحليين. تمثل ذلك في تشكيل لجنة متابعة غير رسمية، مهمتها تنسيق الخدمات بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي. انفرط عقد مجلس العوائل، مع دمج لعدد من أبناء العوائل بشكل انتقائي في لجنة المتابعة، المؤلفة أساساً من مسؤولين محليين من أبناء الرستن، يجمعهم أنهم موالون للنظام وبلا ثقل محلي يهدد هيمنته. ما تزال عملية تشكل المنظومة السياسية الاجتماعية قائمة في الرستن، إلا أن محاولات النظام فرض هيمنته على المدينة تصطدم بقلة موارد مؤسسات الدولة، وتشظّي السلطة محلياً، وضعف الرصيد الاجتماعي لمسؤولي البعث ومجلس المدينة.

مقدمة

نسج نظام حافظ الأسد علاقات غير رسمية مع المجتمعات المحلية عبر وسطاء محليين،[1] يجمعهم أنهم يحوزون قدراً من الأهمية والاحترام داخل مجتمعاتهم، إما كأبناء عائلات وقبائل بارزة، أو كشخصيات دينية ورجال أعمال.[2] وقد تمت مراعاة الديناميات الاجتماعية-السياسية الخاصة بكل مجتمع محلي عند اختيار الوسطاء. ففي المجتمعات الريفية مثلاً، يعتمد نفوذ العائلات على حجمها وعدد أفرادها، ويعتمد الأفراد على عوائلهم لنيل الدعم الاجتماعي والمالي، وتحافظ العديد من العوائل الكبرى على مكانتها منذ أيام السلطة العثمانية وخلال الانتداب الفرنسي. اعتمد الأسد على أفراد هذه العوائل، وبالأخص أولئك المنخرطين في مؤسسات الدولة وحزب البعث.

إلا أن الأمر تغيّر مع تولي بشار الأسد السلطة. فقد ساهمت رغبته في بناء نخبة موالية له، وسياسات تحرير الاقتصادي السوري، والتهديدات الأمنية الآتية من الساحتين العراقية واللبنانية، في صعود وسطاء جدد وتآكل نفوذ الوسطاء القدماء. مع اندلاع الحركة الاحتجاجية في ٢٠١١، وقف الوسطاء المحليون عاجزين عن احتواء المتظاهرين، وخرجت عدة مدن وبلدات عن سيطرة النظام العسكرية والأمنية، لتفرز كل منطقة طبقة جديدة من الوسطاء. ومنذ عام ٢٠١٦، تسارعت وتيرة استعادة النظام السيطرة على مناطق المعارضة، وذلك عبر مزيج من القوة والمفاوضات، ومع دور روسي مؤثر.

بدت مساعي النظام لإعادة بسط هيمنته على المجتمعات المحلية التي استعاد السيطرة عليها واضحة. وقد ظهرت في إعادة تشكيله لطبقة الوسطاء المحليين، عبر تقريب بعضهم وتهميش وسحق آخرين. ويبدو أن مسار هذه العملية ارتبط بالديناميات الاجتماعية-السياسية الخاصة بكل منطقة، سواء فيما يتعلق بماضيها أو بما استجد فيها خلال سنوات الحرب، وهو ما يفسر ظهور نماذج متعددة من الوسطاء بعد انتهاء سيطرة المعارضة.[3]

في هذا السياق، تبدو الرستن مثالاً جديراً بالاهتمام لسببين، الأول تحولها من قاعدة اجتماعية موالية للنظام قبل ٢٠١١، وهو ما يظهر في عدد أبنائها المنتسبين للمؤسسة العسكرية - والمقدر بنحو ٢,٥٠٠ ضابط وصف ضابط[4] - إلى إحدى أبرز قواعد المعارضة المسلحة في محافظة حمص بين ٢٠١٢ و٢٠١٨؛ والثاني أنها مدينة تهمين عليها الروابط الاجتماعية القائمة على العائلات، وأن بعض أبناء عائلاتها الكبرى - مثل وزير الدفاع الأسبق العماد مصطفى طلاس - لعبوا دوراً بارزاً في التاريخ السياسي الحديث لسوريا. لذلك، توفر دراسة تطور العلاقة بين النظام وعوائل الرستن نافذة على تشكل المنظومة الاجتماعية-السياسية محلياً، وعلى تحولاتها في سياقات زمنية مختلفة.

استعاد النظام السيطرة على الرستن بحلول أيار ٢٠١٨. وتتمتع المدينة بموقع استراتيجي نظراً لوقوعها على الطريق الدولي (دمشق-حلب) المعروف بــM5. تعتبر الرستن مركز منطقة تتبع لها ناحية تلبيسة، وكانت هذه المنطقة تسمى محلياً قبل ٢٠١٢ شمال حمص، وعُرفت بعد ذلك بمنطقة ريف حمص الشمالي، والتي ضمت مدناً وبلدات تقع إدارياً في مناطق تلدو والسلمية ومركزَي حمص وحماة (انظر الخريطة ١). حتى شباط ٢٠٢١، تجاوز عدد سكان مدينة الرستن ٧٠ ألف نسمة،[5] وهو أقل بحوالي ١٥ ألف نسمة مما كان عليه في ٢٠١١، الأمر الذي يمكن رده للتغيرات الديمغرافية وعمليات التهجير والنزوح خلال سنوات الصراع.

تحاول الدراسة اختبار الفرضية التالية: يظهر مشهد الوسطاء المحليين في الرستن، عقب عودة النظام إليها، استمرارية النهج المتبع قبل الحرب، والقائم على تهميش وإضعاف العائلات الكبرى، والاعتماد على أبناء العوائل الصغيرة وعلى مسؤولين من خارج المنطقة كوسطاء للنظام. بناء عليه، تطرح الورقة التساؤلات التالية: من هم الوسطاء من أبناء العوائل زمني حافظ الأسد وبشار قبل الحرب؟ ما هو الدور الذي لعبته عوائل الرستن خلال سيطرة المعارضة عليها؟ من هم الوسطاء الذين يعتمد عليهم النظام عقب استعادته السيطرة على المدينة؟ وهل هم قادرون على إنشاء وإدامة هيمنته السياسية على المدينة؟

تستند هذه الدراسة إلى ١٠ مقابلات أجراها باحث مساعد من سكان ريف حمص الشمالي، بين آذار وأيار ٢٠٢١، مع شخصيات ما زالت تقيم داخل الرستن. كما أجرى الباحث، خلال الفترة نفسها، ٧ مقابلات مع شخصيات مقيمة في تركيا والشمال السوري، شملت وجهاء من المدينة وسكاناً مهجرين، وكذلك أشخاصاً تولوا مناصب عسكرية ومدنية خلال سيطرة المعارضة على الرستن. كما تم الاعتماد على الصحف والمنتديات الإلكترونية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

 الخريطة ١: ريف حمص الشمالي

 

 المصدر: المؤلف بناء على مقابلات، تصمیم: أيوب لهويوي، تموز ٢٠٢١

الجزء الأول: عائلات الرستن المتنفذة قبل الحرب (١٩٧٠-٢٠١١)

في مجتمع تعتمد فيه المكانة الاجتماعية للعوائل على حجمها وعدد أفرادها، اعتمد حافظ الأسد على كبار الضباط والبعثين من عوائل الرستن الكبرى لترسيخ هيمنة نظامه على المدينة. لعب هؤلاء دور الوسيط بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية، قبل أن يتآكل دورهم في عهد بشار الأسد لصالح رجال أعمال كبار ومسؤولين أمنيين من خارج المنطقة، وهو ما ترافق مع استبدال بعض المسؤولين المحليين بآخرين من عوائل صغيرة أو من خارج المنطقة. ساهم ذلك في زعزعة قاعدة النظام الاجتماعية، الأمر الذي كشفته أحداث عام ٢٠١١ بوضوح، بعد عجز مسؤولي الرستن عن احتواء الانتفاضة.

البعثيون وكبار ضباط الجيش في عهد حافظ الأسد (١٩٧٠-٢٠٠٠)

فوض الأسد الأب كبار الضباط والبعثيين المنحدرين من عائلات كبيرة، سلطة اتخاذ القرار في الرستن. وقد مكنهم ذلك، إلى جانب احتفاظهم بمناصبهم لفترة طويلة، من بناء شبكات محسوبية بسطت هيمنة النظام على المدينة.

تقوم البنية الاجتماعية في المدينة تقليدياً على الروابط العائلية. وتتوزع العوائل على منطقتين يفصل بينهما إلى حد ما شارع الكراج، ومن أبرز العائلات الكبيرة في الرستن التحتاني عائلة المشايخ بفروعها المختلفة (الشيخ علي، الحاج علي، الحاج يوسف، سعد الدين، المدني، المحمود)، وعائلة أيوب، وعائلتا طلاس وفرزات اللتان تنحدران من نسب قديم مشترك؛ أما الرستن الفوقاني فأبرز عوائله الكبيرة الأشتر والدالي. وغالباً ما كانت تنشب مشاكل بين عوائل المنطقتين.[6] تُعتبر عائلات الرستن التحتاني أكثر نفوذاً، غالباً لأن عدداً من أبنائها كانوا وجهاء خلال فترتي الحكم العثماني والانتداب الفرنسي. فمثلاً، كان عبد القادر طلاس، والد العماد مصطفى طلاس، متعهداً لأرزاق الجيش العثماني، كما كان مختاراً للمدينة زمن الانتداب الفرنسي؛[7] ومن العوامل التي تفسر أيضاً نفوذ عوائل الرستن التحتاني كثرة المتعلمين بين أبنائها، وما أتاحه ذلك لهم من شغل مناصب حكومية؛ إلى جانب انخراط العديد منهم في المؤسسة العسكرية وحزب البعث، مدفوعين باعتبارات أيديولوجية ومصلحية؛ وأخيراً غناهم النسبي نتيجة استثمارهم عوائد الزراعة في تجارة الشحن.

قام الأسد بمحاباة عوائل الرستن التحتاني على حساب عوائل الفوقاني، ليجري تعيينهم في مناصب عليا في الجيش والبعث. قد يكون رغب في كسب ودّها لنفوذها المحلي، أو لعلاقات شخصية جمعته مع عدد من أبنائها المنتسبين للجيش والبعث، دون استبعاد وجود سياسة لخلق العداوة بين العائلات وإدارتها بشكل يسهّل التحكم بها. تم تعيين مصطفى طلاس، الذي جمعته علاقة شخصية بحافظ الأسد منذ أيام الكلية العسكرية بحمص عام ١٩٥٢، وزيراً للدفاع لنحو ٣٢ عاماً (١٩٧٢-٢٠٠٤) وعضواً في القيادة المركزية لحزب البعث (١٩٦٥-٢٠٠٥)، كما تم تعيين عبد الرزاق أيوب، المقرّب من طلاس، عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث لنحو ١٥ عاماً (١٩٨٥-٢٠٠٠).

اعتمد الأسد بشكل أساسي على هاتين الشخصيتين في إدارة منطقة الرستن، مانحاً إياهما سلطة توظيف وتعيين وتطويع أفراد من منطقتهما في مؤسسات الدولة والجيش والحزب. فخلال التسعينات، عين عبد الرزاق أيوب أحد أفراد عائلته محمد مخيبر أيوب رئيساً لفرع اتحاد الفلاحين في حمص، وآخر هو مصطفى أيوب (المعروف بأبو أنور) عضواً في قيادة فرع حمص لحزب البعث.[8] وكان طلاس معروفاً بمنحه تسهيلات بيروقراطية لأبناء منطقة الرستن، وتزكيتهم لتجاوز فحص القبول في الكلية الحربية بحمص. كذلك كان لكلا الشخصيتين صلاحيات اختيار ممثلي المنطقة لعضوية مجلس الشعب، وغالب الظن أن عبد الرزاق أيوب زكّى، في عقد التسعينات، قريبَيه مصطفى العيسى وخالد منصور لعضوية المجلس. بالإضافة إلى ما سبق، كان كلا الرجلين مخوّلَين بحل النزاعات العائلية في الرستن دون تدخل السلطتين القضائية والأمنية، مما يشير إلى أن المدينة كانت في عهدهما خارج سلطة القانون.[9]

للدلالة على حجم الصلاحيات الممنوحة لمسؤوليها، كانت الرستن تلقب بـ"القرداحة الشرقية".[10] وتمكن عدد من أبناء عوائل الرستن الكبرى من استغلال علاقاتهم أو صلاتهم العائلية مع مسؤولي مدينتهم، لنيل امتيازات خاصة أو تسهيلات حكومية مكّنتهم من بناء ثروتهم وتوسعة أعمالهم. فقد برز نجل وزير الدفاع، فراس طلاس، كرجل أعمال بعد تأسيسه مجموعة ماس الاقتصادية عام ١٩٨٠،[11] وتربحه من صفقات إمداد الجيش السوري بالطعام والدواء واللباس.[12] كما تُحيل أحاديث سكان الرستن ثروة رجل الأعمال محمود فرزات إلى تزكية مصطفى طلاس له للتربح من صفقات السلاح بين سوريا ورومانيا، والتي كان يدرس فيها خلال عهد نيكولاي تشاوتشيسكو. [13] سهلت الرعاية والحماية التي قدمها مصطفى طلاس وعبد الرزاق أيوب لأبناء منطقة الرستن تحول بعضهم من الزراعة إلى تجارة الشحن، ولا سيما عقب موجة الجفاف الذي ضربت شمال حمص في أوائل التسعينات.[14] كان الكل يخشى أبناء الرستن العاملين في الشحن، ولم يكن أحد يجرؤ على التعرض لهم، بما في ذلك أهل الساحل العاملين في المرفأ، على حد تعبير أحد سكان الرستن. كما احتلت المدينة المرتبة الثانية في عدد سيارات الشحن بعد حلب.[15]

ساهم اعتماد النظام على طلاس وأيوب في ترسيخ مكانة عوائلهما داخل الرستن، لكنه بالمقابل أثار التنافس فيما بين العائلتين. من صور ذلك تنافسهما على عدد الضباط الأكبر في الجيش،[16] وهو ما يفسر عدم تبلور كتلة موحدة لضباط الرستن داخل المؤسسة العسكرية. كما ظهرت حساسيات بين عوائل الرستن التحتاني والفوقاني، والتي كانت تقصد دائماً عائلتي طلاس وأيوب لتجنيد أبنائها في المؤسسة العسكرية أو للانتساب لحزب البعث. حافظ طلاس وأيوب على منصبيهما وصلاحياتهما طوال مرحلة الأسد الأب، قبل أن يتغير الحال بعد وفاته وتولي بشار الأسد السلطة في تموز ٢٠٠٠.

الخريطة ٢: منطقة الرستن

  

المصدر: التقسيمات الإدارية الرسمية ، تصمیم: أيوب لهويوي، تموز ٢٠٢١

تآكل نفوذ العائلات الكبرى في العقد الأول من عهد بشار الأسد (٢٠٠٠-٢٠١١)

عمل نظام بشار الأسد على إزاحة الحرس القديم عبر إحالتهم للتقاعد، وتفكيك شبكاتهم المحلية بالتدريج، وتسهيل صعود نخبة تدين له ويسهل التحكم بها. وهكذا بدأت العائلات الكبرى والوسطاء التقليديون في الرستن بفقدان نفوذهم، وذلك لصالح دور أكبر لرجال الأعمال وضباط الأمن من غير المنتمين إلى المدينة بالضرورة. ترافق ذلك مع تغييرات طالت كلاً من المسؤولين والتجار المحليين، ليبدأ منذ ذلك الحين اختلال العلاقة بين النظام والرستن.

في حزيران ٢٠٠٠، فقد عبد الرزاق أيوب مقعده في القيادة القطرية لحزب البعث، وكان لذلك وقع كبير على نفوذ العائلة. فمرشح العائلة عبد الرحمن أيوب (شقيق مصطفى أيوب) خسر نهاية ٢٠١٠ في انتخابات أمين شعبة حزب البعث في الرستن لصالح عز الدين عبيد،[17] لتنتشر مقولة شعبية تلخص التحولات التي طالت آل أيوب والتي كان مفادها: "انكسرت شوكة آل أيوب".[18]

بالمقابل، حافظ طلاس على منصبه كوزير للدفاع حتى إحالته للتقاعد عام ٢٠٠٤، ربما مكافأةً له على دوره في تسهيل انتقال السلطة بشكل سلس من الأسد الأب إلى الابن. لكنه بعد ذلك بعام، فقد منصبه كعضو في القيادة القطرية للبعث. ثم أخذت مكانة طلاس السابقة كوسيط محلي بالتراجع، وهو ما يظهر في فشل وساطته لحل خلاف بين رجل الأعمال محمود فرزات ومحافظ حمص إياد غزال (المقرب من بشار الأسد)[19] في عامي ٢٠٠٨-٢٠٠٩.[20] رغم ذلك، حافظت عائلة طلاس على امتيازاتها الخاصة، إذ تنامت استثمارات فراس طلاس بين عامي ٢٠٠٠-٢٠١٠، مع تأسيسه ١٠ مشاريع استثمارية بالشراكة مع رجال أعمال أخرين،[21] كما تولى أخوه العميد مناف طلاس قيادة اللواء ١٠٤ في الحرس الجمهوري. ولكن بخلاف والدهما، لم يكن لدى فراس ومناف علاقات قوية مع مجتمع الرستن.[22] كما أن النظام عمل على إثارة الحساسيات داخل العائلة وإضعاف مركزية مناف. فقد تولى اللواء طلال طلاس، المدعوم من اللواء آصف شوكت[23] والذي لا تجمعه علاقات جيدة مع مناف، قيادة الفرقة التاسعة في بداية عهد الأسد الابن، ولاحقاً قيادة الفيلق الثالث عام ٢٠٠٨،[24] فيما لم يحصل مناف على منصب وزارة الدفاع خلفاً لأبيه كما كان آل طلاس يأملون.[25]

بحلول ٢٠٠٥، بدأت تتضح هوية أصحاب القرار الفعلي في الرستن: رجال الأعمال الكبار المقربين من النظام، والقيادات الأمنية، دون أن يكون الطرفان على وفاق بالضرورة. ساهمت سياسات تحرير الاقتصاد السوري في زيادة نفوذ رجال الأعمال الكبار المقربين من النظام، وأخذ يتولى بعضهم مناصب رسمية على المستوى المحلي. يظهر ذلك في تعيين رجل الأعمال المقرب من بشار الأسد محمد إياد غزال محافظاً لحمص، أو "حاكماً" لها على حد تعبير أهل المدينة.[26] فقد وجّه غزال المؤسسات الخدمية في المحافظة بعدم رفع تقاريرها إلى الأجهزة الأمنية.[27] كذلك ساهم تنامي التهديدات الأمنية للنظام عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥ في تزايد اعتماد النظام على القيادات الأمنية لضبط المجتمعات المحلية، حيث أصبحت الموافقات الأمنية ضرورية للعديد من الأنشطة الاقتصادية في الرستن: "كان حفر الآبار ممنوعاً في منطقة الرستن، ورغم ذلك كان مسموحاً بغطاء من طلاس وأيوب، أما عقب إقالتهما فقد بات الأمر يتطلب موافقة القيادات الأمنية".[28]

أفضت التحولات السابقة إلى تغيرات طالت المسؤولين المحليين من أبناء عوائل الرستن الكبرى، إذ استُبدل العديد منهم بآخرين من عوائل صغيرة أو من الرستن الفوقاني أو حتى من خارج المدينة. ويبدو أن الاستبدال تم بإشراف مسؤولين في الأجهزة الأمنية ومجلس المحافظة وحزب البعث. في هذا السياق، تم استبدال مصطفى أيوب، عضو قيادة فرع حمص لحزب البعث، بآخر من تلبيسة[29] هو محمد الخطيب (٢٠٠٠-٢٠٠٤)، ولاحقاً بعد ٢٠٠٤ بالأستاذ الجامعي عدنان الشيخ حمود. والأغلب أن كليهما كان مدعوماً من أعضاء في القيادة القطرية للبعث.[30] وبما أن المنصب كان من قبل محصوراً في أهالي الرستن، فقد سرت نكتة على لسان أهل تلبيسة تقول: "ليش أهل الرستن بياكلوا البطيخ بالملعقة؟ لأن شوكتهم انكسرت".[31] وفي ٢٠٠٧، نال المهندس المدني عبد الله أحمد طقطق، المنحدر من عوائل الرستن الفوقاني الصغيرة، عضوية مجلس الشعب.[32] ويبدو أن علاقات طقطق التي نسجها أثناء عمله في مؤسسة الإسكان العسكري وفي مجلس محافظة حمص منحته الدعم الكافي لدخول مجلس الشعب. كذلك استُبدل رئيس رابطة فلاحي الرستن يحيى درويش، الذي تنتمي عائلته إلى الرستن التحتاني، بآخر من خارج المنطقة.

أخيراً، أثرت تغييرات صانعي القرار في المدينة على التجار المحليين، الذين أخذوا يخسرون ما كانوا يتمتعون به سابقاً. وظهر ذلك باستهداف محافظ حمص لشركات الشحن العاملة في المنطقة بغرامات باهظة ضمن ما يعرف بـ"قانون الطوناج". بحسب أحد مالكي شركات الشحن في تلك الفترة،[33] كان هذا القانون يُلزم سيارات الشحن بحمولات محددة تبعاً لنوع السيارة ومحاور الطرقات، ويعاقب بشدة المخالفين.

تنامى السخط لدى بعض أبناء الرستن التحتاني على ما اعتبروه تهميشاً متعمداً لهم. أما أبناء الرستن الفوقاني فبالكاد استشعروا الفرق، رغم تمثيلهم في مؤسسات الدولة والبعث، إلا أن صلاحيات مسؤوليهم لاتخاذ القرار وتوزيع المنافع على عوائلهم ومعارفهم لم تكن واسعة . من جهة أخرى، كانت المصالح الشخصية لمسؤولي الرستن النافذين بدأت تطغى على مصالح عوائلهم. كانت المحصلة اختلال العلاقة بين مجتمع الرستن والنظام، وهو ما هيأ أرضية خصبة لمشاركة فاعلة في انتفاضة عام ٢٠١١.

مخطط زمني لأبرز أحداث منطقة ريف حمص الشمالي بين نيسان ٢٠١١ وآيار ٢٠٢١

 

المصدر: المؤلف، تصمیم: أيوب لهويوي، تموز ٢٠٢١

الجزء الثاني: الانقسام والتحول في عوائل الرستن خلال سيطرة المعارضة

اندلعت حركة الاحتجاجات في البداية في الرستن الفوقاني في آذار ٢٠١١. وفيما شارك بعض شباب الرستن التحتاني في المظاهرات، آثر وجهاؤهم الوقوف على الحياد، ربما لاستجلاء مسار تطور الأحداث، أو انتظاراً لمبادرة من النظام تجاههم. من جهتهم، فشل مسؤولو الرستن في احتواء المظاهرات، لتخرج المدينة عن سيطرة النظام في شباط ٢٠١٢. بعد توقف مؤسسات الدولة عن العمل، تصدر ممثلو بعض العائلات الكبرى المشهد من خلال إدارتهم للمدينة مدنياً وعسكرياً، مع تواصل اختراق النظام للمدينة عبر مسؤوليه المحليين الذين لم يغادروا. وفي أيار ٢٠١٨، لعب بعض ممثلي العائلات دوراً غير مباشر في اتفاق "المصالحة" من خلال عضويتهم في مجلس عوائل الرستن. يطلق أبناء الرستن المهجّرون على هذا الاتفاق اسم "اتفاق التهجير"، حيث تم بموجبه تم تهجير ٣٥ ألف شخص من ريف حمص الشمالي باتجاه الشمال السوري،[34] منهم ١٧ ألف شخص من أبناء الرستن،[35] مقابل عودة المنطقة إلى سيطرة النظام.

الرستن بيد المعارضة: تنافس العائلات واختراق النظام

في الفترة الممتدة بين ربيع وصيف ٢٠١١، حاول بعض مسؤولي الرستن بمبادرة شخصية تهدئة المتظاهرين. على سبيل المثال، قام عضو مجلس الشعب عبد الله طقطق، واللواء المتقاعد إبراهيم المحمود،[36] والعميد مناف طلاس، بالتوسط لدى متظاهري الرستن ودعوتهم للتهدئة. إلا أن ضعف علاقاتهم الاجتماعية مع المجتمع المحلي، وفشلهم في عرض التزام مقابل من طرف النظام، وتزايد عدد القتلى بين المتظاهرين، حالت دون نجاح هذه الوساطات. في المقابل، نجح الشيخ عبد الكريم الراية في تهدئة المتظاهرين حيناً من الزمن لقربه منهم، كما أنه كان مكلفاً من قيادات أمنية، ما مكّنه من إخراج بعض المتظاهرين الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية. [37]

مع فشل معظم جهود التهدئة، اتجه الوضع الميداني إلى التصعيد والمزيد من العنف، وإلى انخراط أكثر للرستن التحتاني وعوائله في حركة الاحتجاجات، وهو ما أثار حفيظة بعض أبناء الرستن الفوقاني الذين أصبح لسان حالهم: "خرجنا ضد النظام وأنتم في صلبه، والآن تتصدرون المشهد من جديد".[38] غادر بعض أبناء العوائل ممن شغلوا أو يشغلون مناصب حكومية وحزبية المدينة خوفاً على حياتهم، وذلك بعد تعرضهم لعمليات انتقامية - مثل مصادرة سيارات عبد الرزاق أيوب واعتداء متظاهري الرستن عليه شخصياً - فيما آثر آخرون البقاء في المدينة بحكم طبيعة عملهم، أو بسبب توجيهات من النظام. كان من أبرز من بقوا المهندس شعلان الدالي، رئيس قسم كهرباء الرستن والمنتمي إلى عائلة كبيرة في الرستن الفوقاني؛ وسمير زباطح، مدير معمل إسمنت الرستن وابن عائلة صغيرة من الرستن الفوقاني؛ وحسن طيباني، عضو مجلس مدينة الرستن آنذاك، وابن عائلة صغيرة من الرستن التحتاني.

على المستوى العسكري، بدأ عدد من أبناء الرستن المنتسبين للمؤسسة العسكرية بالانشقاق منذ حزيران ٢٠١١. كان أبرز هؤلاء العميد مناف طلاس (تموز ٢٠١٢)، الذي استقر به المقام مع والده في فرنسا. عزا البعض ذلك إلى توتر علاقته مع بشار الأسد بعد رفض مناف قيادة الوحدة العسكرية للهجوم على بابا عمرو (ربيع ٢٠١٢)، ثم مهاجمة الجيش مسقط رأسه، فضلاً عن عدم ترفيعه إلى رتبة لواء في جدول ترفيعات تموز ٢٠١٢.[39] بالمقابل رُفِّع اللواء طلال طلاس إلى رتبة عماد وعُيّن نائباً لوزير الدفاع في العام نفسه،[40] وذلك مكافأةً له على ولائه، قبل الاستفادة منه في احتواء ضباط الرستن الذين بقوا في المؤسسة العسكرية. قُدِّر عدد العسكريين المنشقين من أبناء الرستن بنحو ١,٥٠٠ شخص، من أصل ما يزيد عن ٢,٥٠٠ ضابط وصف ضابط،[41] وقد تولى هؤلاء برفقة مدنيين تأسيس فصائل مسلحة تعمل في المدينة وخارجها.[42]

على المستوى المدني، تداعى أبناء العوائل نهاية عام ٢٠١٢، عقب سيطرة فصائل المعارضة على المدينة وتوقف عمل مؤسسات الدولة فيها، إلى تشكيل مجلس محلي لإدارتها. كان لعوائل أيوب والأشتر وعبيد التأثير الأكبر في تشكيل وعمل المجلس، والذي أصبح جزءاً من مجلس محافظة حمص الحرة الذي تشكل في كانون الثاني ٢٠١٢، ولاحقاً وزارة الإدارة المحلية ضمن الحكومة المؤقتة المشكّلة في أيلول ٢٠١٣.

منذ عام ٢٠١٣، بعد مرحلة عابرة من التضامن المحلي، عادت الحساسيات بين وضمن عوائل الرستن تطفو على السطح، وهو ما يمكن رده إلى التنافس على الدعم الخارجي وعلى زعامة العائلات. لم تستطع أي عائلة أو تحالف عائلي السيطرة على قرار الرستن العسكري، وهو ما حال دون تشكيل فصيل عسكري موحد للمدينة. كما كان لزاماً مراعاة البعد العائلي في تشكيل المجلس المحلي للمدينة، باعتباره أحد أهم قنوات التواصل وجلب الدعم من الجهات المانحة. كان الكلام عن عدم توازن التمثيل بين عوائل الرستن الفوقاني والتحتاني جزءاً لا يتجزأ من عملية تشكيل المجلس المحلي. ولعل ذلك ما دفع عضو المجلس محمد أيوب لسحب ترشيحه لرئاسة المجلس عام ٢٠١٦، ولدعم مرشح من عائلة أخرى خشية إثارة عائلات الرستن ضد آل أيوب، ولا سيما مع توليهم مواقع قيادية في مجلس الشورى ومجلس قيادة الثورة في المدينة.[43] كذلك نشبت خلافات زعامة ضمن العائلة الواحدة، رغم تذرعها بمسميات وحجج عدة، فقد كان أحمد خليل أيوب مثلاً معادياً لمجلس قيادة الثورة، نتيجة خلافه مع القيادي في المجلس محمد كنج أيوب.[44]

على الرغم من فقدان النظام السيطرة الأمنية والعسكرية على الرستن، إلا أنه حافظ على تواجده بشكل غير مباشر، من خلال دفع رواتب الموظفين طيلة فترة سيطرة المعارضة. كما حافظ النظام على شبكة من المسؤولين المحليين من أبناء المدينة ممن لم يغادروها، والذين لعبوا دوراً في إنجاز بعض ما كلفهم به.  على سبيل المثال، بين أيلول ٢٠١٤ وشباط ٢٠١٥، وبناء على كتاب رسمي من محافظ حمص آنذاك طلال البرازي، نجح سمير زباطح، الذي لم ينكر علاقاته مع مسؤولين في شعبة الأمن السياسي والمحافظة وحزب البعث في حمص، بإقناع رئاسة المجلس المحلي بنقل أوراق ملكيات الطابو لريف حمص الشمالي، من مديرية المنطقة في المدينة إلى معمل الإسمنت القريب من كتيبة الهندسة شمال الرستن، حيث تمت أرشفتها إلكترونياً وتزويد مجلس المحافظة بها.[45]

حافظ العديد من وجهاء العوائل أيضاً على علاقات أمنية مع النظام، ولا سيما عبر لجنة المصالحة في حمص، والتي تولت تسوية أوضاع أبناء المنطقة المطلوبين أمنياً، وتوصلت لاتفاقيات مع فصائل وهيئات المعارضة.[46] كان رئيس لجنة المصالحة هو اللواء طلال شلاش الناصر،[47] وكان الطيار فايز المدني عضواً فيها، وقد لعب الأخير دوراً في تأمين الخدمات وإجراء مصالحات بحسب بعض المصادر.[48]

ساهمت ديناميات التنافس العائلي، واختراق النظام للرستن إلى حد ما، في إضعاف قدرة المجلس المحلي على إدارة المدينة، فتكررت أزماته الخدمية واحتجاجات السكان ضده. وفي ظل هذه البيئة من التنازع وضعف الحوكمة، جاء التدخل العسكري الروسي في أيلول ٢٠١٥ ليكون العامل الحاسم استعادة النظام للكثير من مناطق المعارضة، بما في ذلك ريف حمص الشمالي.

مجلس العوائل: خطة روسية لتفتيت المنطقة

عقب التدخل العسكري الروسي، شرع ممثلو بعض العائلات في التجاوب مع مبادرات روسيا، ربما رغبةً في نيل مكتسبات وحظوة لدى الروس تمكّنهم من تعزيز أوضاعهم ضمن عوائلهم وعلى مستوى مدينتهم. وقد شكل هؤلاء مجلس العوائل المدعوم من روسيا، الذي كان له دور غير مباشر في اتفاق "التهجير".

في نهاية عام ٢٠١٥، بدأت روسيا التواصل مع منطقة ريف حمص الشمالي عبر عدة وسطاء معظمهم من خارج المنطقة.[49] كان هدف روسيا من التركيز على الرستن استقطاب الضباط المنشقين من أبنائها وفصائلها للعمل معها، وهو ما تبدى بالعرض الروسي المتمثل في تثبيت الهدنة والسماح بإدخال مساعدات إنسانية للمنطقة، مقابل توفير روسيا الدعم والحماية للفصائل لمكافحة "الإرهاب".[50] وبينما رفضت فصائل الرستن هذا العرض، كانت هناك خطوط تواصل متقدمة مع جيش التوحيد في تلبيسة.[51] كانت روسيا تعمل على مسارين: تكثيف الضغط الميداني لقطع خطوط إمداد فصائل المعارضة وتقليص مناطق سيطرتها؛[52] وتحفيز التنافس بين الرستن وتلبيسة، وهو ما يمكن تلمسه في اتفاق القاهرة برعاية مصرية (في آب ٢٠١٧)، والذي وقعه جيش التوحيد وأطراف أخرى لم تكن فصائل الرستن من بينها.[53]. فشل اتفاق القاهرة بعد رفض جزء معتبر من سكان ريف حمص الشمالي له، بالإضافة لمعارضته من عدة فصائل عاملة في المنطقة.[54] وهو ما أدى لتشكيل هيئة التفاوض في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي في آب ٢٠١٧،[55] والتي باتت الجهة المفوضة بالتواصل مع الجانب الروسي للتوصل إلى اتفاق جديد. وقد عقدت هيئة التفاوض مع الجانب الروسي سلسلة من اللقاءات بين صيف ٢٠١٧ وبداية ٢٠١٨ دون نتيجة تذكر.

لكسر هذا الاستعصاء، تعاونت موسكو مع الأجهزة الأمنية للنظام، ولا سيما الأمن العسكري، لاستقطاب عدد من أبناء عوائل الرستن والعمل معهم على إضعاف موقف القوى العسكرية المناهضة للاتفاق ودفع الحاضنة المدنية بعيداً عنها. بعد محاولات غير مكتملة طوال ٢٠١٦، بدأت شخصيات استقطبتها روسيا - ومن أبرزهم سليمان وناصر المدني[56] - بالتواصل مع عائلات المدينة في خريف ٢٠١٧ بهدف ترشيح أشخاص يمثلونها في مجلس العوائل، وذلك بأعداد تتناسب مع حجم كل عائلة. تشير تقديرات من تمت مقابلتهم أن المجلس ضم حوالي ٥٠-١٠٠ شخص، لكنه بقي دون رئيس مخافة استهدافه من قبل الرافضين له، بالإضافة للحساسيات العائلية التي قد تجهض المجلس. في نهاية ٢٠١٧، بدأ مجلس العوائل نشاطه العلني بالدعوة لعقد اجتماعات عامة لبحث مآلات المنطقة. لعب المجلس على وتر عدم توازن القوى الذي أحدثه التدخل الروسي، ومارس التحريض غير المباشر على "الغرباء"، أي مهجّري مدينة حمص والفصائل الإسلامية العاملة في المنطقة.

عززت عدة عوامل موقف مجلس العوائل الداعي للمصالحة، ومن أبرزها (١) الإنهاك الذي سبّبه حصار المدينة وحاجة السكان للمساعدات، في ظل تراجع الدعم المقدم من الخارج؛ (٢) إدخال شعبة الهلال الأحمر عدة قوافل مساعدات للمنطقة بالتنسيق مع مجلس العوائل،[57] الأمر الذي عزّز موقفه محلياً؛ (٣) اعتماد النظام لأعضاء من مجلس العوائل والموالين له كوسطاء أساسين في الاتفاقيات مع المعارضة في ريف حمص الشمالي، مثل اتفاق خط التوتر العالي (المعروف بخط الـ٤٠٠) في ربيع ٢٠١٨ والذي توسط فيه فايز المدني وشعلان الدالي؛[58] (٤) تغلغل أنصار مجلس العوائل في الهيئات المدنية للمعارضة مثل المجلس المحلي ومجلس شورى الرستن.

على إثر خلافات داخل هيئة التفاوض بين ممثلي تلبيسة والرستن، قادت إلى انسحاب جيش التوحيد في آذار ٢٠١٨،[59] عقد مسؤولون من قاعدة حميميم العسكرية الروسية والأجهزة الأمنية لقاءات مع أعضاء من مجلس العوائل في فندق السفير في حمص، مطالبين بتكثيف الضغوط على فصائل الرستن والشخصيات المدنية الرافضة للمصالحة.[60] ترافق ذلك مع تأييد القائد العام لجيش التوحيد منهل الضحيك مقترحاً لتشكيل قيادة عسكرية موحدة لفصائل ريف حمص الشمالي، ينبثق عنها مكتب سياسي يكلَّف بالتفاوض مع الجانب الروسي بدل هيئة التفاوض. كان غرض المقترح إعادة تشكيل الهيئة لاستبعاد الصقور الرافضين للمصالحة مع روسيا والنظام، ولا سيما ممثلي الرستن. في نيسان ٢٠١٨،[61] تشكلت القيادة العسكرية الموحدة في المنطقة الوسطى، وأعقبها تشكيل مكتب سياسي تابع لها مؤلف من مدنيين وعسكريين، وتم حل هيئة التفاوض. لكن بخلاف ما أراده منهل الضحيك والداعون للمصالحة، أدت انتخابات عضوية المكتب السياسي في الرستن إلى عودة محمد أيوب وماهر الحسين، وهما من الصقور الرافضين للمصالحة.[62]

بدا واضحاً خلال الجولات التفاوضية تعدد الوسطاء والمفاوضين من كلا الجانبين، وهو ما دل عليه تداول أكثر من صيغة اتفاق.[63] إلا أن ممثلي الرستن في المكتب السياسي واصلوا تشددهم في شروط الاتفاق، وهو ما أدى لنقل تهديدات روسية لهم عبر وسطاء من مجلس العوائل. ومع تصعيد القصف الميداني الروسي على الرستن، قام المجلس نفسه بتحريض السكان على التظاهر والدعوة إلى المصالحة - عبر هتاف "الرستن هية هية، بدها الشرطة الروسية" - ومهاجمة عدد من مقرات الفصائل. قادت هذه الأحداث إلى اتفاق "التهجير" في أيار ٢٠١٨،[64] وانتشار لوحدات من الشرطة العسكرية الروسية في منطقة ريف حمص الشمالي، وفي النهاية عودة المنطقة إلى سيطرة النظام وإعادة تشكيل المشهد المحلي.

 الجزء الثالث: محاولات النظام الهيمنة عبر انتقاء الوسطاء المحليين (٢٠١٨-٢٠٢١)

استعاد النظام السيطرة على الرستن بعد ست سنوات من سيطرة المعارضة عليها. بدت مساعي النظام لإعادة بسط هيمنته على المدينة واضحة. فقد قام بإضعاف مجلس العوائل ثم تفكيكه. ثم انتقى في صيف ٢٠١٨ بعض أفراد العوائل، وضمهم إلى لجنة متابعة غير رسمية، تشكلت عقب استعادة السيطرة على المدينة، مهمتها تنسيق الخدمات بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي. كذلك قام بتعويم مسؤولين يثق بولائهم من أبناء المنطقة من بعثيين ورؤساء وحدات إدارية. إلا أن هذه المساعي لن تكون سهلة في ظل التحديات الكثيرة التي تعترضها.

حل مجلس العوائل وتشكيل لجنة المتابعة

عقب اتفاق "التهجير"، قام النظام بموازنة مجلس عوائل الرستن، عبر تشكيل لجنة متابعة مؤلفة أساساً من بعثيين ورؤساء وحدات إدارية وضباط عاملين أو متقاعدين.[65] بدا التباين واضحاً بين مجلس العوائل ولجنة المتابعة فيما يتصل بمصادر قوتهما وطبيعة المصالح التي يسعيان لتحقيقها.. فقد اعتبر أعضاء مجلس العوائل أنفسهم كياناً يستمد شرعيته من عوائل المدينة، وهو ما يؤهله ذلك للحديث باسم السكان. أما أعضاء لجنة المتابعة فاستمدوا شرعيتهم من اعتماد النظام لهم، وعلاقاتهم مع ضباطه ومسؤوليه الكبار في حزب البعث ومجلس المحافظة. في حزيران ٢٠١٨ مثلاً، طالب قاسم عبيد، أحد أعضاء مجلس العوائل، بالإفراج عن معتقلي الرستن، معتبراً ذلك جزءاً من الاتفاق، لكن محاولاته لحشد السكان للضغط على النظام باءت بالفشل وانتهت باعتقاله لفترة وجيزة.[66] بالمقابل، آثر أعضاء لجنة المتابعة تجنب قضية المعتقلين إلا في نطاق محدود،[67] وذلك خشية إثارة شكوك النظام حيال ولائهم له، وإدراكاً لمحدودية دورهم في هذا الملف. وقد ركز أعضاء اللجنة على الجانب الخدمي في عملهم، مشيرين إلى مشاريع ترميم الفرن الآلي وفتح الطرقات، التي لم تكن لتتم لولا عملهم مع مسؤولي محافظة حمص.

بحلول تموز ٢٠١٨، انفرط عقد مجلس العوائل في مدينة الرستن. يعود ذلك ربما إلى عدم تمتعه بذراع عسكرية، وتأثر قاعدته الاجتماعية سلباً بفعل التهجير الكبير لرافضي المصالحة - حوالي ١٧ ألفاً - وأخيراً قيام أعضاء لجنة المتابعة بتحريض الأجهزة الأمنية على المجلس. قام النظام بانتقاء عدد من ممثلي العائلات غير المنضمين إلى مجلس العوائل وضمهم إلى لجنة المتابعة، ويبدو أن ما يجمعهم هو سعيهم أو تأييدهم لجهود المصالحة، وتمتّعهم بعلاقات تحميهم، إلى جانب انخراط بعضهم بشكل أو بآخر في دعم النظام. ويبدو أن النظام أراد من خلال هذا الانتقاء إثارة التنافس بين عائلات الرستن. فقد ضم عدداً من وجهاء العوائل إلى لجنة المتابعة، مثل أحمد تركو فرزات، غالباً بسبب موقفه المحايد من المظاهرات، وانتقاله إلى خارج الرستن بعد سيطرة المعارضة عليها، ورغبة النظام بحصر تمثيل آل فرزات في شخصية تقليدية غير مشكوك بولائها بعد استبعاده رجل الأعمال محمود فرزات.[68] يضاف أن قدرة أحمد تركو على تشكيل مركز ثقل محلي محدودة، وذلك بسبب تآكل نفوذه الاجتماعي وقلة ماله وافتقاده للعلاقات مع المسؤولين في الدولة والأمن والبعث. من جهة أخرى، عيّن النظام فايز أيوب، العضو السابق في مجلس الرستن المحلي وفي هيئة علماء حمص والمتطوع في الهلال الأحمر، رئيساً لأوقاف الرستن. وقد يكون ذلك مكافأة على دعمه جهود المصالحة، بالإضافة للرغبة في إثارة التنافس داخل آل أيوب عبر ضم أكثر من شخص منهم إلى لجنة المتابعة.[69] ولا يستبعد بأن يكون لفايز أيوب علاقات مع عصام المصري، مدير أوقاف حمص، كان نسجها سراً خلال تواجده في الرستن.

عقب اتفاق "التهجير"، برزت مجموعة أخرى متنوعة من أبناء عوائل الرستن ممن سبق أن شكلوا ميليشيات عسكرية موالية للنظام بعد الانتفاضة. وعلى الرغم من بقائهم خارج لجنة المتابعة، إلا أنهم استطاعوا استغلال علاقاتهم الأمنية لإنجاز أعمال سمسرة ووساطة. من هؤلاء خيرو عبد الباري (خيرو الشعيلة)، المنتمي إلى عائلة المشايخ، ولكن المنبوذ منها لعمله في المقاصف، وهو يمتلك علاقات جيدة مع إيران ويتزعم ميليشيا "قوات التدخل السريع ضمن مرتبات اللواء ٤٧" العاملة في محافظة حماة والمدعومة من طهران.[70] ومن هؤلاء أيضاً خالد الدالي، وهو من وجهاء آل الدالي وتاجر معروف قبل عام ٢٠١١، ويمتلك الدالي علاقات مميزة سابقة على الانتفاضة مع اللواء جميل الحسن، مدير إدارة المخابرات الجوية (٢٠٠٩-٢٠١٩). نجح الدالي في استغلال هذه العلاقة لبناء علاقات مع قيادات ميدانية في المخابرات الجوية، والانخراط معها في تجارة التهريب من وإلى لبنان. كما حافظ على علاقات جيدة مع تشكيلات عسكرية أخرى بحكم انضوائه في قوات العميد سهيل الحسن المدعوم روسياً. استغل كل من الشعيلة والدالي علاقاتهم الأمنية للعمل كوسطاء، حيث نسّقوا عودة بعض مهجّري الرستن من الشمال السوري، وقاموا بعقد صفقات لإطلاق سراح معتقلين لدى الأجهزة الأمنية. ولا يُعرف على وجه التحديد ما إذا كان دورهم هذا نابعاً من اعتبارات عائلية، أم سعياً وراء مكتسبات مالية، علماً أن مساعيهم لم تكلل بالنجاح دوماً بسبب تشظي السلطة محلياً بين عدة جهات أمنية وعسكرية.

حتى الآن، لم ينضم أي أعضاء بارزين في مجلس العوائل السابق إلى لجنة المتابعة، وقد يعود ذلك إلى رفض بعض أعضاء اللجنة ذلك واستخدامهم علاقاتهم الأمنية للحيلولة دونه. لم يتمكن ناصر المدني من الدخول في اللجنة مثلاً رغم محاولاته التودد لها. وعزا مصدر محلي ذلك إلى تخوف أعضاء اللجنة من نفوذه، حيث يمتلك المدني شبكة علاقات قديمة وأخرى نسجها خلال عضويته في مجلس العوائل، مثل علاقته الجيدة بخيرو الشعيلة، بالإضافة لتجار محليين مقربين من النظام وروسيا مثل محمد العلوش من تلبيسة.[71] ساعدت هذه العلاقات المدني في التدخل للإفراج عن عدد من أقاربه الذين اعتقلتهم الأجهزة الأمنية بعد استعادة النظام السيطرة على المدينة. ومع استبعاده من عضوية لجنة المتابعة، يعمل المدني على إعادة تنشيط علاقاته مع أعضاء مجلس العوائل المنحل، ومشاركته في الحملة الانتخابية لبشار الأسد في منطقة ريف حمص الشمالي خلال أيار ٢٠٢١.[72] ولا يستبعد أن يكون المدني قد ساهم في تمويل الحملة الانتخابية، أملاً في نيل حظوة لدى النظام تمكنه من توسيع أعماله التجارية وتعزيز مكانته المحلية، ولا سيما في ظل اعتماد النظام على مسؤولين محليين في الرستن لا يمتلكون النفوذ والرصيد الاجتماعي الكافي.

استعادة الإدارة المحلية وحزب البعث: الأولوية للولاء

عقب اتفاق "التهجير"، عاود مجلس مدينة الرستن والشعبة الحزبية عملهما في المدينة، واعتمد النظام على مسؤولين محليين من المنطقة لإدارتهما. ويبدو أن مسؤولي الحزب والأمن والمحافظة في حمص قاموا بانتقاء وتزكية هؤلاء المسؤولين، وهم غالباً ما يكونون شخصيات محلية غير متجذرة في المجتمع، بما يسهل التحكم بها، وأيضاً مضمونة الولاء بالنسبة للنظام. إلا أن مساعي النظام لتعويم هؤلاء المسؤولين، في ظل محدودية قدرات مؤسسات الدولة وتشتت سلطتها محلياً، وفي ظل وجود منافسين لهم، لن تكون سهلة على الإطلاق.

بين أيار وتشرين الأول ٢٠١٨، أثناء انتشار الشرطة العسكرية الروسية في منطقة الرستن، عادت معظم مؤسسات الدولة المدنية والأمنية للعمل، مثل مؤسسة الكهرباء والمياه والمخبز وشعبة التجنيد والمفارز الأمنية ومديرية المنطقة، في حين تأخرت عودة مؤسسة البريد وشبكات الهاتف بسبب الدمار الذي طال بنيتها التحتية. كانت الخدمات المحلية المقدمة مقبولة، وربما يعود ذلك إلى ضغط الجانب الروسي المشرف على تنفيذ اتفاق المصالحة، فضلاً عن اهتمام النظام بتأكيد عودة عمل تلك المؤسسات وقدرتها على توفير الخدمات للسكان. لكن سرعان ما تراجعت جودة الخدمات عقب انسحاب الشرطة العسكرية الروسية.

لم يكن لمجلس مدينة الرستن دور مؤثر قبل ٢٠١١، بل كان يجري التندر على رئيسه بتسميته "جحش البلدية"، أي من يقع على عاتقه كل شيء ولا ينال أي شيء.[73] لكن النظام، منذ استعادته السيطرة على المدينة، اهتم بتفعيل هذا المجلس ليكون أداته في مراقبة المدينة والكشف عن الأنشطة المعادية للنظام فيها، وهو ما يظهر في تشكيل لجان الأحياء في تموز ٢٠١٩ والمهام الملقاة على عاتقها.[74] كما خضع المجلس لإشراف مباشر من مجلس مدينة حمص، وهو أمر يمكن تفسيره بنقص موارد المجلس، ولكن أيضاً بالرغبة بقدر أكبر من السيطرة المركزية عليه والتدقيق في الشؤون المحلية لمدينته.[75]

في أيلول ٢٠١٨، أجريت انتخابات الإدارة المحلية، وكما في بقية المدن والبلدات، تصدرت قوائم الوحدة الوطنية التي يهمين عليها حزب البعث مقاعد مجلس مدينة الرستن. ويبدو أن النظام يرغب في إعادة استخدام الحزب للسيطرة على الإدارات المحلية.[76] كان من نتائج الانتخابات إعادة اختيار رئيس المجلس حسن طيباني لولاية جديدة. ولا يستبعد أن تكون علاقات طيباني مع مسؤولين في مجلس مدينة حمص وضباط في الأمن العسكري من أسباب حسم هذا المنصب لمصلحته في مواجهة منافسيه.[77] وهو ما يؤكد استعادة النظام لسياسته السابقة على الانتفاضة، والقائمة على الاعتماد على مسؤولين محليين يدينون له بالولاء، وينحدرون من عوائل صغيرة.

ينتمي حسن طيباني إلى إحدى العوائل الصغيرة القادمة من خارج الرستن، وبالتحديد من طيبة الإمام، بحسب مصادر محلية، ولكن مصاهرتها لآل أيوب عززت مكانتها الاجتماعية. بدأ طيباني عمله في الإدارة المحلية عام ٢٠٠٥، وتنقل بين عدة وظائف بين مجلسي مدينتَي حمص والرستن قبل ٢٠١١. بعد اندلاع المظاهرات، وقف طيباني على الحياد، وآثر البقاء في الرستن كموظف حكومي، رغم خروجه من المدينة بين الحين والآخر. في ٢٠١٤، تولى طيباني رئاسة مجلس مدينة الرستن خلفاً لمختار الصالح (٢٠٠٩-٢٠١٤)، وذلك بعدما أثار قضية سرقة مخصصات البلدية من قبل الأخير.

بقي طيباني خارج مجلس العوائل، لكنه حافظ على علاقة طيبة مع بعض أعضائه.[78] في ربيع ٢٠١٨، تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة نفذتها جبهة النصرة،[79] ما دفعه لمغادرة المدينة في الفترة التي جرى فيها اتفاق المصالحة. بعد عودته، أصبح طيباني أحد أبرز أعضاء لجنة المتابعة، معزّزاً دوره في اللجنة عبر احتفاظه بمنصب رئيس مجلس المدينة بعد انتخابات الإدارة المحلية. يواصل طيباني عمله في تنسيق الخدمات، بالتعاون مع مؤسسات مركز المحافظة، ومع بقية أعضاء لجنة المتابعة التي يعتمد عليها للتواصل مع عوائل المدينة، والتي يستفيد أيضاً من علاقاتها لجمع الأموال لدعم مشاريع المجلس. يضاف إلى ذلك دور طيباني البارز خلال الانتخابات الرئاسية في أيار٢٠٢١، حيث مارس ضغوطاً لحشد السكان للتصويت لصالح بشار الأسد،[80] في نهج موحد لجأ إليه النظام خلال فترة الانتخابات بالاعتماد على مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن وفروع حزب البعث.[81]

أما بالنسبة لحزب البعث، فقد نالت مقراته وشبكاته نصيبها من سخط المتظاهرين عام ٢٠١١. وفيما فشلت قيادات البعث في احتواء الحركة الاحتجاجية، وقفت القيادات الحزبية القديمة على الحياد، قبل أن يبدأ بعض أبناء الرستن البعثيين بالانشقاق رداً على العنف المتصاعد بحق المدينة.[82] وكما في عموم المناطق السورية، أجرى النظام عملية تنظيف داخلي لفرع الحزب في الرستن، مقدماً الولاء على أي اعتبار آخر. فبعد اختطاف أمين شعبة الحزب بالرستن عز الدين عبيد لفترة وجيزة في نهاية ٢٠١١، وبدل الاستعانة بعضو قيادة فرع حمص سابقاً مصطفى أيوب الذي كان واقفاً على الحياد،[83] اختار النظام ابن مدينة تلبيسة محمد مروان بديلاً له، وذلك بعد تزكية ودعم من ابن مدينته المقرّب من الأجهزة الأمنية أحمد رحال.[84]

ينتمي محمد مروان إلى إحدى عوائل تلبيسة صغيرة العدد، وسبق أن تولى رئاسة مجلس بلدية تلبيسة في ٢٠٠٣ وحتى إعفائه منها في ٢٠٠٩ لفشله في قمع مخالفات البناء،[85] ليشغل لاحقاً عدد من الوظائف في مؤسسات الدولة. لم يقم محمد مروان بأي دور عند بداية الحركة الاحتجاجية في ٢٠١١، إذ اكتفى بمغادرة مدينته والاستقرار في حمص، قبل أن يتم تعيينه كأمين شعبة الحزب في الرستن كما سبق. نشط محمد مروان في تجنيد مقاتلين من منطقة الرستن ضمن كتائب البعث في حمص.[86] وهو بحسب من تمت مقابلتهم لم يلعب دوراً بارزاً في اتفاق التهجير. ومن العوامل التي حفظت له منصبه وسهّلت انضمامه إلى لجنة المتابعة نشاطه السابق في كتائب البعث، وعلاقاته مع أحمد رحال، وعدم ثقة النظام بحزبيي الرستن عموماً.

ينشط محمد مروان جاهداً لإعادة بناء شبكات الحزب على مستوى منطقة الرستن، عاقداً لقاءات حزبية ومنسّباً أعضاء جدداً في حزب البعث. لكن جهوده تصطدم بمعارضة أو لامبالاة السكان المحليين،[87] بالإضافة لمنافسة غير معلنة مع القيادي البعثي القديم مصطفى أيوب. وكان الأخير قد عاد إلى الساحة عبر لجنة المتابعة، مستفيداً من كونه وجيهاً من آل أيوب، ومستخدماً علاقاته الجيدة مع وجهاء وتجار المدينة، بالإضافة لعلاقاته القديمة في فرع حزب البعث في حمص، وهو الخبير في بناء وإدارة شبكات الزبائنية. من الأدوار البارزة التي لعبها مروان مؤخراً التنسيق مع مسؤولين محليين لحث السكان في عموم ريف حمص الشمالي للمشاركة في فعاليات دعم الأسد والتصويت له في الانتخابات الرئاسية.

اتخذ النظام عدة إجراءات لتعويم حزب البعث ومجلس مدينة الرستن. فألزم الجهات المانحة بالتنسيق مع رئيس المجلس من أجل تنفيذ مشاريعها المحلية، كما حدث أثناء ترميم اليونيسف لثلاث مدارس في نيسان ٢٠١٩. كما دفع التجار وبعض ممثلي العوائل للمساهمة في تمويل بعض مشاريع المجلس.[88] كما يسعى النظام لتفعيل دور ممثلي الحزب في نقل مطالب السكان المحليين - مثل الفلاحين - وفي تسوية أوضاع الخاضعين للمصالحة في وقت سابق.[89]

على الرغم من ذلك، تواجه مساعي النظام تعويم مسؤولي البعث والإدارة المحلية ولجنة المتابعة تحديات جمة. يفتقد هؤلاء إلى سلطة صنع القرار بشكل مستقل، في ظل خضوعهم لتوجيهات وقرارات السلطة المركزية على مستويَي حمص ودمشق، بالإضافة لتشتت السلطة محلياً. لم يستطع أمين الشعبة مثلاً الوفاء بوعده لوجهاء المنطقة بمنع الشرطة العسكرية من مداهمة المنازل بحثاً عن المطلوبين للخدمة العسكرية.[90] كما يفتقر المسؤولون الحاليون للإرث العائلي، في مدينة ما تزال تحظى عوائلها الكبرى بحضورها فيها. وأخيراً فإن نقص موارد مؤسسات الدولة على المستوى المحلي، وإهمال السلطات المركزية للمدينة يضعفان قدرة المسؤولين المحليين على بناء شبكات زبائنية.

 خاتمة

يدرك نظام بشار الأسد أن تعزيز سطوته مرتبط بإخضاع المحليات، من خلال وسطاء محليين يرتبطون به ولا يشك بولائهم. اكتسبت هذه السياسة أهمية متزايدة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يجهد لمنع بروز وسطاء محليين موالين لحلفائه - أي روسيا وإيران - يهددون استعادته لمنظومة الهيمنة كما كانت قبل الحرب.

قد يفسر هذه السياسة رغبة نظام بشار الأسد في تأكيد نهجه المتبع قبل عام ٢٠١١ في إدارة الرستن، والذي قام بشكل أساسي على وسطاء محليين من عوائل صغيرة أو من خارج المدينة، بخلاف حافظ الأسد الذي اعتمد على أبناء العوائل الكبرى ومنحهم السلطة والموارد اللازمة لبسط هيمنته محلياً. أما انتقاء بعض ممثلي العوائل الكبرى ودمجهم في لجنة المتابعة فلا يمثل تغيراً في النهج العام المتبع حالياً، بل هو مواصلة لسياسة إضعاف العائلات الكبرى من خلال تمثيلها بشخصيات موالية وبلا ثقل محلي، مع إثارة التنافس بين العائلات عبر اختيار عدة أفراد منها.

ولعل حل مجلس العوائل وعدم ضم أعضائه - حتى كتابة هذه السطور - إلى لجنة المتابعة يأتي في سياق احتكار انتقاء الوسطاء المحليين، وعدم إتاحة المجال لانتقاء وسطاء مدعومين من روسيا، باعتبار المجلس مبادرة روسية. وقد زادت الحرب من تآكل نفوذ العائلات الكبرى في الرستن، وهي العملية التي بدأت منذ تولي بشار الأسد السلطة وتفكك الروابط بين هذه العوائل والنظام. كما تضررت قواعدها الاجتماعية بشدة بفعل عمليات التهجير، وهو ما يضعف احتمال عودة العوائل الكبرى لتصدّر المشهد من جديد. كما في عموم المناطق السورية، يبدو واضحاً اتكاء النظام على وحدات الإدارة المحلية وفروع حزب البعث لإعادة تثبيت سلطته في المدن والبلدات السورية، فهي بالنسبة له أدوات لمراقبة المجتمعات واختراقها، ولاحتواء النخب المحلية وإدارة التنافس بينها، ولاحتكار مشاريع الجهات المانحة، ولعرقلة أي مبادرات محلية مستقلة.

مع ذلك، ما يزال تشكل المنظومة السياسية والاجتماعية في الرستن عملية جارية. ولا يبدو أن جهود النظام لفرض هيمنته ستكون سهلة، ولا سيما في ظل نقص موارد مؤسسات الدولة، وتشظي السلطة محلياً بين عدد من المسؤولين الأمنيين والمدنيين، وضعف الوسطاء من أبناء العوائل في لجنة المتابعة. وكل ذلك يجعل منطقة الرستن - كما وصفها أحد المتابعين - في حالة "هدنة مؤقتة مفتوحة على احتمالات متعددة".

 

* أيمن الدسوقي باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ومساهم في مشروع زمن الحرب وما بعد الصراع في سورية في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا. يركز على الاقتصاد السياسي والحكم والمجالس المحلية في سورية.

 

[1] الوسيط هو شخص يربط المجتمع المحلي بالسلطة المركزية، وقد يكون تاجراً أو رجل دين أو موظفاً حكومياً، أو شخصية نافذة من عائلة كبرى أو أحد الوجهاء المحليين. خضر خضور وكيفن مازور (تحرير)، الوسطاء المحليون في سوريا ما بعد ٢٠١١: التحول والاستمرارية (بيروت: مؤسسة فريدريش إيبرت، حزيران ٢٠١٩)، https://bit.ly/3qyXYsy، ص٩.

[2] خضر خضور، "الحروب المحليّة وفرص السلام اللامركزي في سوريا"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، ٢٨ آذار ٢٠١٧، https://bit.ly/36RrKzX

[3] مثلاً، اعتمد النظام على وسطاء أفرزهم اقتصاد الحرب في مدينة دير الزور، إلى جانب آخرين من النخبة السابقة. زياد عواد، "إعادة بناء شبكات النظام السوري في مدينة دير الزور: من هم الفاعلون المحليون؟" تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، برنامج مسارات الشرق الأوسط، مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا"، ١٥ آذار ٢٠١٩)، https://bit.ly/36DpwUI. وفي محافظة درعا، برز اللواء الثامن المدعوم من روسيا كوسيط عسكري في المنطقة الشرقية، وكان له دور أكبر من الوسيط المدني في درعا البلد والمنطقة الغربية من المحافظة والمتمثل بلجنة المفاوضات المركزية. انظر عبد الله الجباصيني، "الحوكمة في درعا جنوب سوريا: أدوار الوسطاء العسكريين والمدنيين"، تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، برنامج مسارات الشرق الأوسط، مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا"، ١١ نيسان ٢٠١٩)، https://bit.ly/2TcqUdD

[4] عروة المنذر، "الرستن.. خزان عسكري للضباط السنّة في جيش النظام"، عنب بلدي، ١١ تشرين الثاني ٢٠١٨، https://bit.ly/3wZ4uve

[5] صباح الخير يا حمص، "لقاء مع المهندس حسن طيباني رئيس مجلس مدينة الرستن"، فيسبوك، ٢١ شباط ٢٠٢١، https://bit.ly/3xmW68i

[6] مصطفى طلاس، مرآة حياتي: العقد الأول ١٩٤٨-١٩٥٨ (دمشق: دار طلاس: ٢٠٠٦)، ص٤٧.

[7] المصدر السابق نفسه ، ص٢٥-٢٧.

[8] مقابلة عبر واتسآب مع أحد وجهاء الرستن، الشمال السوري، ٢٢ نيسان ٢٠٢١.

[9] تدخل العماد طلاس لحل نزاع عائلي بين آل طلاس وسليمان خنفورة راح ضحيته قتلى من الطرفين، وكذلك عبد الرازق أيوب في نزاع عائلي بين آل فرزات وعائلة عباس نجم عنه قتلى. المصدر السابق.

[10] القرادحة هي مسقط رأس حافظ الأسد الواقع في محافظة اللاذقية، كان يحظى أفراد عوائلها بامتيازات في مناصب الدولة المدنية والعسكرية.

[11] موقع الاقتصادي، بطاقة تعريفية عن فراس طلاس، https://bit.ly/3gQBAYm

[12]" القصة وراء انشقاق الجنرال مناف طلاس" (بالإنكليزية)، أخبار العربية، ٩ تموز ٢٠١٢، https://bit.ly/3xFM9Ul

[13] موقع الاقتصادي، بطاقة تعريفية عن محمود فرزات، https://bit.ly/2Rvjj9d

[14] عبد اللطيف السعيد وأحمد أمين الضحيك، معالم وأعلام من تلبيسة، (كتاب إلكتروني، ١١ حزيران ٢٠٠٩)، ص١١٩، https://bit.ly/3r39xbU

[15] عبد الكريم أيوب، "ماذا تبقى من أسطول سيارات شحن ’الرستن‘؟ وأين وكيف يعمل اليوم؟"، اقتصاد، ٢٢ آذار ٢٠١٧، https://bit.ly/3gAwYEz

[16] ريان محمد، "الرستن... ’عاصمة المنشقين‘ في سورية تتهيأ للتهجير"، العربي الجديد، ٥ أيار ٢٠١٨، https://bit.ly/3oiT55I

[17] عز الدين عبيد: ينتمي إلى عائلة أصلها من الرستن التحتاني، إلا أنه مقيم في الرستن الفوقاني، وكان قبل توليه منصب أمين شعبة الحزب يعمل أستاذ مدرسة ورئيس رابطة الشبيبة في الرستن.

[18] مقابلة مع أحد وجهاء الرستن، الشمال السوري، مصدر سابق.

[19] محمد إياد غزال: محافظ حمص في ٢٠٠٥-٢٠١١، ولد في محافظة حلب وأصله من لواء إسكندرون، شغل عدة مناصب حكومية منها مدير القصر الجمهوري في حلب، ومدير عام المؤسسة العامة للخطوط الحديدة السورية عام ١٩٩٩. كان مقرباً جداً من بشار الأسد، وأشارت عدة مقابلات إلى أن الأجهزة الأمنية كان ترفع تقارير حول فساد وسلطوية إياد غزال في حمص، إلا أن بشار الأسد كان يتجاهلها.

[20] في ٢٠٠٨-٢٠٠٩، أصدرت مديرية بيئة حمص قراراً بضرورة نقل معمل محمود فرزات أو تركيب محطة تكرير لمعالجة نفايات المعمل. كان ذلك يعني خسائر مالية لفرزات، الذي طلب تدخل العماد طلاس دون جدوى، واضطر للاستجابة لطلب مدير مكتب محافظ حمص إياد غزال، المحامي محمود النقري، بدفع مبلغ ٨ ملايين ليرة سورية نقداً وتقديم دعم مالي لفريق الكرامة. مقابلة عبر سكايب مع مصدر مطلع على القصة طلب عدم الكشف عن هويته، ١٥ نيسان ٢٠٢١.

[21] موقع الاقتصادي، بطاقة تعريفية عن فراس طلاس، مصدر سابق.

[22] "اقتصرت زيارات مناف طلاس القليلة للرستن على حضور مناسبات أقاربه، أما فراس فلا أذكر أنه قام بزيارة الرستن". مقابلة عبر واتسآب مع مصطفى الحسين، عضو هيئة التفاوض في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، الشمال السوري، ١٩ نيسان ٢٠٢١.

[23] اللواء آصف شوكت: زوج بشرى أخت بشار الأسد، كان نائب رئيس شعبة المخابرات العسكرية ومن ثم رئيسها في ٢٠٠٥-٢٠٠٩.

[24] "بشار يعيد ’طلاس‘ إلى وزارة الدفاع"، قناة الجسر، ٢ آب ٢٠١٧، https://bit.ly/367fXx3

[25] تداول سكان الرستن أحاديث عن وعد بشار الأسد لمناف بتسليمه منصب وزير الدفاع خلفاً لأبيه، لكن بشار "خان الود والعهد" بحسب أهالي الرستن حين عيّن العماد حسن تركماني وزيراً للدفاع. مقابلة عبر واتسآب مع شاهر عبيد، عضو سابق في مجلس الرستن المحلي، أعزاز، ٣٠ أيار ٢٠٢١.

[26] "سويد يروي تفاصيل لقاءاته مع الأسد"، الجزيرة.نت، ١٣ كانون الثاني ٢٠١٢، https://bit.ly/2SUe438. أشارت المقابلات أن إياد غزال كان شريكاً في مجال العقارات في محافظة حمص لرجلي الأعمال رامي مخلوف ولبيب الإخوان، لكن ليس هنالك وثائق رسمية تؤكد ذلك. عقب ٢٠١١، برز اسم غزال بشكل واضح في مجال الأعمال، مع تأسيسه لشركة كارتل جروب في الإمارات عام ٢٠١٢، وكذلك شركة شوستر بكتولد سورية للاستشارات الهندسية في ٢٠١٩، والتي يقع مقرها في ريف دمشق بحسب موقع الاقتصادي.

[27] مقابلة مع شاهر عبيد، مصدر سابق

[28] مقابلة عبر سكايب مع أحد سكان مدينة الرستن، تركيا، ١٧ نيسان ٢٠٢١.

[29] تلبيسة مدينة تتبع لمنطقة الرستن. لم يكن لعوائل تلبيسة حظوة لدى النظام مثل الرستن التحتاني، وقد يكون لذلك لميل أهالي المدينة للعمل في الزراعة والتجارة بدل وظائف الدولة، بالإضافة لعدم استساغتهم فكرة التطوع في المؤسسة العسكرية والذي كان يعد "عاراً" بالنسبة لهم. مقابلة عبر واتسآب مع الشيخ عبد العزيز بكور، أحد وجهاء مدينة تلبيسة، الشمال السوري، ١٨ آذار ٢٠٢١.

[30] ذكرت بعض الشهادات اسم عضو القيادة القطرية لحزب البعث محمد الحسين، المنحدر من دير الزور، والذي شغل منصب وزير المالية في ٢٠٠٣-٢٠١١.

[31] مقابلة عبر واتسآب مع أحد وجهاء الرستن، الشمال السوري، مصدر سابق.

[32] "نتائج انتخابات عضوية مجلس الشعب للدور التشريعى التاسع"، الجمل، https://bit.ly/2U1LvBE

[33] مقابلة عبر سكايب مع أحد مالكي شركات الشحن في الرستن، تركيا، ٢٨ أيار ٢٠٢١.

[34] جلال سليمان، "هكذا يقضي النازحون بريف حمص رمضانهم"، الجزيرة نت، ٩ حزيران ٢٠١٨.https://bit.ly/2VMaWYR

[35] مقابلة عبر واتسآب مع محمد كنج أيوب، عضو هيئة التفاوض لريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي، الشمال السوري، ١٣ نيسان ٢٠٢١.

[36] اللواء إبراهيم المحمود: من مواليد الرستن عام ١٩٤٨، ينتمي إلى عائلة المشايخ، شغل عدة مناصب في الجيش، كان آخرها نائب مدير الإدارة السياسية في ٢٠٠١-٢٠٠٨، قبل أن يصبح عضواً في مجلس الشعب في ٢٠١٢-٢٠١٦.

[37] عبد الكريم الراية: رجل دين من مدينة الرستن مقيم حالياً في الشمال السوري.

[38] مقابلة عبر سكايب مع أحد سكان مدينة الرستن، الشمال السوري، ٦ نيسان ٢٠٢١.

[39] "العميد المنشق مناف طلاس في باريس ويأمل قيام مرحلة انتقالية في سوريا"، فرانس ٢٤، ١٧ تموز ٢٠١٢، https://bit.ly/3kb5rgs

[40] "مصادر.. بشار يسرّح نائب وزير دفاعه المنسي"، زمان الوصل، ١٩ كانون الأول ٢٠١٦، https://bit.ly/3AXWD3x

[41] عروة المنذر، "الرستن.. خزان عسكري للضباط السنّة في جيش النظام"، مصدر سابق.

[42] من الفصائل العاملة في منطقة الرستن: لواء الإحسان بقيادة المقدم نزار جمعة، لواء أبناء الوليد بقيادة الرائد أنور الحسين، لواء خالد بن الوليد بقيادة حسن الأشتر، اللواء ٣١٣ بقيادة قاسم منصور، لواء ذو النورين بقيادة النقيب عبد الله عز الدين، لواء درع محمد بقيادة أيمن أيوب، لواء الغضب بقيادة فيصل عبيد، كتائب الحمزة بقيادة النقيب إبراهيم أيوب. أما خارج منطقة الرستن فقد قام النقيب عبد الناصر شمير بتأسيس فيلق الرحمن في الغوطة الشرقية، والملازم أول عبد الرازق طلاس لواء الفاروق في حمص.

[43] تشكل مجلس الشورى في الرستن في عام ٢٠١٦، وكان أعلى هيئة إدارية في المدينة، كُلِّف باختيار أعضاء المجلس المحلي وتنسيق العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية العاملة في المدينة. ظهر مجلس قيادة الثورة عام ٢٠١١ وضم الشباب الثائرين من أعضاء التنسيقيات. في ٢٠١٦، كان النقيب إبراهيم أيوب رئيس مجلس قيادة الثورة، ومحمد أيوب قيادياً في مجلس شورى الرستن. مقابلة مع محمد أيوب، عضو المجلس المحلي في الرستن لعدة دورات، تركيا، ٢٥ نيسان ٢٠٢١.

[44] مقابلة مع محمد أيوب، المصدر السابق.

[45] تم اعتبار معمل إسمنت الرستن منطقة آمنة نسبياً من القصف بموجب تفاهم غير رسمي بين النظام وفصائل المعارضة في الرستن. المصدر السابق.

[46] في حزيران ٢٠١٢، تشكلت وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية بقيادة علي حيدر، وبدأ على إثرها تشكيل لجان مصالحة مرتبطة بالوزارة في المحافظات. نادي شباب طرطوس، "تسوية أوضاع ٨٦ مسلحاً من مدينة حمص وريفها"، فيسبوك، ٢٨ أيلول ٢٠١٤، https://bit.ly/36AAE4r

[47] اللواء طلال شلاش الناصر: أصله من قرية الغاصبية في ريف حمص الشمالي الشرقي، تولى قيادة الفرقة ٢٤ في بداية الحركة الاحتجاجية، ويتمتع بعلاقات جيدة مع اللواء علي يونس نائب رئيس شعبة المخابرات العسكرية.

[48] "حادثة قتل تخرج ’تحرير الشام‘ من الرستن بالكامل"، عنب بلدي، ١٣ شباط ٢٠١٨، https://bit.ly/2UHlqrF

[49] كان منهم المذيعة كنانة حويجة، ابنة المدير السابق للمخابرات الجوية اللواء إبراهيم حويجة بين عامي ١٩٨٧-٢٠٠٢، وأحمد الجربا، رئيس تيار الغد والرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في ٢٠١٣-٢٠١٤، ولؤي حسين، رئيس تيار بناء الدولة السورية، إلى جانب رجل الأعمال فراس طلاس.

[50] تعني مكافحة الإرهاب بالنسبة للروس محاربة الفصائل الإسلامية حصراً، ولا سيما تلك التي تعارض المشروع الروسي. للمزيد انظر: "للقصة بقية، روسيا وثوار سورية الاتصالات الخفية"، قناة الجزيرة، كانون الأول ٢٠١٦، https://bit.ly/3ewF9Sv

[51] جيش التوحيد: فصيل عسكري معارض تشكل في أيار ٢٠١٥ بعد اندماج عدة فصائل من تلبيسة هي تجمع ألوية الإيمان بالله، ولواء حماة العقيدة، ولواء تلبيسة، واللواء ٣١٣ جند بدر، ولواء أسود الإسلام، وكتائب سيف الإسلام خطاب، ولواء صقور تلبيسة، ولواء معاوية بن أبي سفيان، وكتائب سيوف الحق، بالإضافة لكتائب مستقلة تابعة لغرفة العمليات. أحمد عرابي، "جيش التوحيد.. كيف بدأ وأين أصبح؟"، أنا برس، ٦ نيسان ٢٠١٦، https://bit.ly/3bxhVtx

[52] جودي عرش، "انحسار سيطرة المعارضة جنوب حماة.. وربع مليون نسمة في خطر شمال حمص"، عنب بلدي، ١٧ كانون الثاني ٢٠١٦ https://bit.ly/2WL3MV7

[53] أحمد عرابي، "الوثيقة الكاملة.. تعرف على بنود اتفاق القاهرة وملحقاتها فيما يخص ريف حمص الشمالي"، أنا برس، ١٩ آب ٢٠١٧، https://bit.ly/3bizVHR. يمكن تفسير دور القاهرة بوجود علاقات تجمع مسؤولين مصريين مع أحمد الجربا، رئيس تيار الغد الذي أشرف مع قيادات أخرى من التيار على ترتيب الاتفاق، بالإضافة إلى الغطاء الخليجي والروسي، وقبول دمشق، ورغبة مصر في مناكفة قطر وتركيا ومزاحمتهما في مناطق حلفائهما.

[54] من هذه الفصائل فيلق الشام، وأحرار الشام، وهيئة تحرير الشام، وحركة تحرير الوطن (والتي تشكلت في ٢٠١٤ وضمت فصائل من الرستن أبرزها كتائب الحمزة ولواء أحفاد عثمان ولواء رجال الله)، وفيلق حمص.

[55] "المعارضة بريف حمص وحماة تلغي اتفاق ’تخفيف التصعيد‘ السابق وتفاوض الروس مباشرة"، السورية نت، ٩ آب ٢٠١٧.https://bit.ly/2S2eUuQ

[56] سليمان المدني: أحد وجهاء آل المدني من عائلة المشايخ، من مواليد الخمسينات، تاجر في مجال الشحن والنقل، كان وكيل لشركة هيونداي في حمص، وبقي في الرستن خلال فترة الثورة، وكان شريكاً لمحمد الشمير في تجارة الطحين، كما انخرط في تجارة المعابر. ناصر المدني: أحد وجهاء آل المدني أيضاً، من مواليد الستينات، تاجر يعمل في مجال السيارات والإطارات، وكان مالكاً ومساهماً في عدة شركات مثل شركة المدني للنقل وشركة الرحمن.

[57] "قافلة مساعدات أممية إلى ريف حمص الشمالي"، عنب بلدي، ١٩ تشرين الأول ٢٠١٧، https://bit.ly/2UJgz9q

[58] علي عز الدين، "ورشات تصليح الكهرباء تبدأ عملها بريف حمص الشمالي"، حرية برس، ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٨، https://bit.ly/3pXH86j

[59] "جيش التوحيد بحمص ينسحب من هيئة التفاوض لعدم جديتها في إيجاد تفاوضي لريف حمص"، شبكة شام، ١١ آذار ٢٠١٨. https://bit.ly/3gqBQgq

[60] مقابلة مع مصطفى الحسين، مصدر سابق.

[61] "إعلان تشكيل ’القيادة الموحدة في المنطقة الوسطى‘ كممثل عسكري وحيد لريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي"، شبكة شام، ٣ نيسان ٢٠١٨، https://bit.ly/3w1UCj1

[62] "انتخاب مندوبي الرستن للمكتب السياسي في المنطقة الوسطى"، يوتيوب، ٢٦ نيسان ٢٠١٨، https://cutt.ly/gnJSqvw

[63] توصل المكتب السياسي للقيادة العسكرية العليا للمنطقة الوسطى إلى اتفاق مع الضابط الروسي المسؤول عن مركز المصالحة الروسي في حماة وحمص، كما طرح فراس طلاس مبادرة في هذا الصدد بدعم من صديقه الشخصي الدبلوماسي الروسي بوغدانوف، لكن الكلمة النهائية كانت لقائد مطار حميميم العسكري، الذي طلب من كنانة حويجة جمع ٤٠ ضابطاً منشقاً من ريف حمص الشمالي لإبلاغهم باتفاق التهجير وفق الشروط الروسية. مقابلة مع محمد كنج أيوب، مصدر سابق.

[64] أمين العاصي، "بدء تنفيذ اتفاق التسوية في ريف حمص الشمالي"، العربي الجديد، ٣ أيار ٢٠١٨، https://bit.ly/3tASaii

[65] من الشخصيات التي حضرت اجتماعات للجنة المتابعة في الرستن: رئيس مجلس مدينة الرستن حسن طيباني، العماد طلال طلاس من الجيش السوري، اللواء المتقاعد إبراهيم مصطفى المحمود، أحمد الحسين رئيس شعبة الهلال الأحمر في الرستن، عضو قيادة فرع جامعة البعث لحزب البعث مهند عبد الرزاق أيوب، العقيد المتقاعد محمد أيوب، الوجيه الحاج أحمد تركو فرزات، التاجر أبو بسام الوعري، عضو هيئة علماء حمص التابعة للمعارضة سابقاً ورئيس أوقاف الرستن حالياً فايز أيوب، مدير معمل إسمنت الرستن سمير زباطح، أمين شعبة حزب البعث في الرستن محمد مصطفى مروان.

[66] مقابلة عبر واتسآب مع الصحفي يعرب الدالي، فرنسا، ١٨ نيسان ٢٠٢١.

[67] مثلاً، قام العماد طلال طلاس بالتدخل لإطلاق سراح مصطفى فرزات عقب اعتقاله من قبل النظام، ويعزو مصدر محلي ذلك إلى علاقات شخصية بينهما. مقابلة عبر واتسآب مع مصدر محلي طلب عدم الكشف عن هويته، ٢٥ أيار ٢٠٢١.

[68] في نيسان ٢٠٢٠، قام محمود فرزات بترميم جامع المحمود الذي بناه في وقت سابق قبل بدء النزاع، وحضر إعادة افتتاحه المفتي أحمد بدر الدين حسون. لكن إشارات الاستفهام التي رافقت محمود فرزات منذ بداية النزاع، واتهامه بتمويل المعارضة، وخروجه من سوريا، فضلاً عن وضعه شروطاً لتمويل مشاريع ترميم أخرى في المدينة - مثل إطلاق اسمه على جسر الرستن - أدت إلى استبعاده من لجنة المتابعة.

[69] من هؤلاء الشخصيات د.مهند عبد الرزاق أيوب عضو قيادة فرع جامعة البعث في حزب البعث، والعقيد المتقاعد محمد أيوب، والبعثي القديم مصطفى أيوب.

[70] "’الحاج أبو الخير‘ من مرشح لمجلس الشعب.. إلى أكبر مهرب من لبنان إلى سوريا"، حلب اليوم، ١٥ شباط ٢٠٢١، https://bit.ly/33T2cAE

[71] التاجر محمد العلوش: ينتمي إلى عائلة متوسطة العدد على مستوى مدينة تلبيسة، كان قبل ٢٠١١ مالكاً لعدة شركات بالشراكة مع رجال أعمال آخرين، أبرزهم من آل الدروبي، كما يتمتع بعلاقات مع اللواء طلال شلاش الناصر، وأخرى مع أمراء حرب وأبناء مسؤولين مثل عضو مجلس الشعب سابقاً محمد عبده أسعد، وقائد قوات حصن الوطن علي يوسف خانات - المقرّب من تاجر المعابر يوسف خانات (غوار) - ومضر جودت إسماعيل، ابن مدير إدارة المخابرات الجوية اللواء غسان إسماعيل. موقع الاقتصادي، بطاقة تعريفية عن محمد عمر علوش، https://bit.ly/2TYKkTK

[72] وائل ملحم، "مشاركة عضو مجلس الشعب وائل ملحم وعدد من شخصيات الرستن منهم ناصر المدني في فعالية خيمة وطن"، فيسبوك، ٨ أيار ٢٠٢١، https://bit.ly/3ymNfF7

[73] مقابلة عبر سكايب مع أحد سكان مدينة الرستن، الشمال السوري، ٢٥ نيسان ٢٠٢١.

[74] مجلس مدينة الرستن، "مناقشة عمل لجان الأحياء في مدينة الرستن"، فيسبوك، ٢ تموز ٢٠١٩، https://bit.ly/3xBoLap

[75] مركز بحث وتحليل العمليات، "ريف حمص الشمالي بحاجة لهوية منطقة استراتيجية موجهة" (بالإنكليزية)، آب ٢٠١٨، https://coar-global.org/download/47893

[76] أغنيس فافييه، ماري كوسترز، "الانتخابات المحلية: هل تتّجه سوريا نحو إعادة إحكام السيطرة المركزية؟" تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، برنامج مسارات الشرق الأوسط، مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا"، ١٢ شباط ٢٠١٩)، https://bit.ly/3i1ULxV

[77] حازت رابعة عدنان عبيد على أعلى نسبة أصوات ترشحها لنيل منصب رئيس مجلس مدينة الرستن، إلا أن التوجيهات الأمنية جاءت بخلاف ذلك. مقابلة عبر سكايب مع أحد سكان مدينة الرستن طلب عدم الكشف عن هويته، ١٢ نيسان ٢٠٢١.

[78] الدكتور تمام زباطح، عضو مجلس عوائل الرستن، هو عديل (زوج أخت زوجة) حسان طيباني.

[79] اغتالت جبهة النصرة الطيار فايز المدني لعمله في لجان المصالحة، في حين لم تنجح في اغتيال طيباني. مرح ماشي، "الرستن ومتطلبات العودة: تسوية أوضاع وأرزاق... ومليارات"، الأخبار، ١٩ تموز ٢٠١٨، https://al-akhbar.com/Syria/254482

[80] "الخبز مقابل الاقتراع في صناديق الانتخاب وسيلة النظام للضغط على أهالي حمص"، مركز الصحافة الاجتماعية، ٢٦ أيار ٢٠٢١، https://bit.ly/3zwtStN

[81] "الشبكات والتعبئة والمقاومة في الانتخابات الرئاسية في سوريا لعام ٢٠٢١"، تقرير مشروع بحثي، (فلورنسا: معهد الجامعة الأوروبية، برنامج مسارات الشرق الأوسط، مشروع "زمن الحرب وما بعد الصراع في سوريا"، ٢ تموز ٢٠٢١)، https://bit.ly/3z42hzj

[82] "استقالة ٥٠ عضواً من حزب البعث في بلدة الرستن السورية المحاصرة"، رويترز، ٢٩ نيسان ٢٠١١، https://reut.rs/3fifYCq

[83] "عز الدين عبيد أمين شعبة حزب البعث في الرستن"، يوتيوب، ٢١ تشرين الثاني ٢٠١١، https://bit.ly/3w5UOOz

[84] أحمد رحال: ينتمي إلى إحدى عوائل تلبيسة الصغيرة، تولى عدة مناصب حكومية في قطاع التعليم والإدارة المحلية، وشغل منصب رئيس مجلس مدينة تلبيسة منذ عام ٢٠١٤، قبل تجديد ولايته في انتخابات الإدارة المحلية عام ٢٠١٨، يمتلك علاقات قوية مع محافظ حمص السابق طلال البرازي ومع الأجهزة الأمنية.

[85] موقع مجلس محافظة حمص، "مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء رئيس مجلس مدينة تلبيسة من عمله"، https://bit.ly/2QkbrGZ

[86]" بالوثيقة والاسم: ميليشيا ’البعث‘ بحمص .. أطباء ومهندسون وستينيّون.. وحضور لافت للمسيحيين"، زمان الوصل، ٢١ نيسان ٢٠١٦، https://bit.ly/3htDsHk

[87] "رغم تهديد الطلاب بالفضل.. حزب البعث يفشل بتنظيم مسيرة شمال حمص"، حلب اليوم، ٢٨ نيسان ٢٠٢١،https://bit.ly/3fijHzU

[88] مجلس مدينة الرستن، "جانب من ترميم المخفر القديم بجانب مجلس مدينة الرستن بتمويل من أحد المتبرعين من أبناء مدينة الرستن تحت إشراف مجلس مدينة الرستن"، فيسبوك، ٥ آذار ٢٠٢١، https://bit.ly/3eX9IAS

[89] شعبة الرستن في حمص، "منح وثائق كف بحث لمن قام بتسوية وضعه في عام ٢٠١٨"، فيسبوك، ٩ أيار ٢٠٢١، https://cutt.ly/XmOfuKU

[90] عروة المنذر، "شبح التجنيد الإجباري يخيم على ريف حمص الشمالي مجدداً"، عنب بلدي، ٢٣ شباط ٢٠٢٠، https://bit.ly/2RdCXXk

 

من نحن

  •  

    أسَّسَ مركز روبرت شومان للدراسات العليا في معهد الجامعة الأوروبية برنامج مسارات الشرق الأوسط في العام ٢٠١٦، استكمالاً للبرنامج المتوسّطي الذي وضع المعهد في طليعة الحوار البحثي الأورومتوسّطي بين العامَين ١٩٩٩ و ٢٠١٣.

    يطمح برنامج مسارات الشرق الأوسط إلى أن يصبح جهة مرجعية دولية للأبحاث التي تتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تنظر في التوجّهات والتحوّلات الاجتماعية-السياسية، والاقتصادية، والدينية. ويسعى البرنامج إلى تحقيق هدفه هذا من خلال تشجيع البحث متعدّد التخصّصات بناءً على نتائج العمل الميداني، والتعاون مع باحثين من المنطقة. ويفيد البرنامج من خبرة باحثين ناطقين بلغات المنطقة الرئيسة، بما فيها العربية الفصحى والعامية، والفارسية، والطاجيكية، والتركية، والروسية.

    للمزيد ...
With the support of the Erasmus+ Program of the European Union